استمع إلى الملخص
- أطلقت الحكومة اللبنانية مشروعاً إصلاحياً شاملاً يركز على الشفافية وتفعيل قوانين مكافحة الفساد، وتواجه ضغوطاً دولية تربط الدعم المالي بجدية الإصلاحات.
- يواجه لبنان تحديات في تنفيذ الإصلاحات بسبب شبكة مصالح وغياب وضوح الإيرادات، مع الحاجة لتطبيق فعلي لقوانين مكافحة الفساد وتفعيل الدور الرقابي.
أعلنت الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية، "لا فساد" عن تحسّن طفيف في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، إذ سجّل لبنان 23 نقطة من أصل 100، واحتل المرتبة 153 من بين 182 دولة، بعدما كان قد سجّل 22 نقطة عام 2024، وسط تأرجح في ترتيبه خلال السنوات العشر الماضية. وأشارت الجمعية، في بيان صدر اليوم الثلاثاء، إلى أن هذا التقدّم الخجول، الذي لا يزال يُبقي لبنان متأخراً عن دول المنطقة، يأتي في ظل مرحلة سياسية دقيقة بعد مرور عام على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة أكدت أن الإصلاحات تمثل أولوية لإعادة بناء الثقة وتحديث منظومة الحوكمة، عقب سنوات من الفساد الممنهج. واعتبرت أن ذلك أسهم في خلق مناخ أكثر ملاءمة للتقدم في مسار مكافحة الفساد، لافتة في المقابل إلى أن غياب الاستقرار الأمني يبقى من أبرز التحديات التي قد تعرقل تنفيذ الإصلاحات ما لم تُترجم إلى سياسات شاملة ومتكاملة.
ولفتت الجمعية إلى أن الحكومة أطلقت في عام 2025 مشروعاً إصلاحياً شاملاً يرتكز على الشفافية، إلى جانب تفعيل القوانين الأساسية لمكافحة الفساد، ومنها قانون التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع، وقانون الشراء العام، وقانون حماية كاشفي الفساد، إضافة إلى اعتماد آليات شفافة في التعيينات داخل القطاع العام تقوم على الكفاءة، بما يشكّل اختباراً حقيقياً لإرادة الدولة في كسر حلقة الفساد المستشري. وتوقفت الجمعية عند الضغوط التي يواجهها لبنان من المجتمع الدولي والجهات المانحة، التي تربط أي دعم مالي أو استثماري بمدى جدية الإصلاحات، معتبرة أن الإصلاح لم يعد خياراً داخلياً فحسب، بل شرطاً أساسياً لبقاء الدولة ضمن النظامين الإقليمي والدولي.
وانطلاقاً من ذلك، أكدت الجمعية أن لبنان يقف أمام مسار تراكمي قد يساهم في إعادة بناء الدولة والسير نحو الإصلاح عبر خطوات متفرقة، أبرزها إجراء الانتخابات النيابية في موعدها المقرر في مايو/أيار المقبل، باعتبارها محطة أساسية لترسيخ المسار الديمقراطي وتعزيز الشفافية. ويأتي هذا البيان بالتزامن مع مرور عام على تشكيل حكومة الرئيس نواف سلام، التي رفعت شعار "الإصلاح والإنقاذ"، وحددت عدداً من الأولويات، في مقدمتها إصلاح المؤسسات والإدارة العامة، والإعمار، والاقتصاد والمالية، والكهرباء والمرافق العامة، والبيئة والإصلاحات الاقتصادية، إضافة إلى الإصلاحات السياسية والدستورية.
ولم تتمكن الحكومة حتى الآن من حشد الدعم الدولي اللازم للنهوض اقتصادياً وانتشال البلاد من الأزمة الكبرى المستمرة منذ أواخر عام 2019، ولا سيّما على صعيد القطاع المصرفي والمودعين أو توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي، في انتظار استكمال الإصلاحات المطلوبة وترجمتها عملياً. وفي المقابل، نجح لبنان في الحصول على بعض التمويل، من بينها دعم البنك الدولي لتلبية الاحتياجات الأساسية للفقراء والفئات الأكثر ضعفاً، وإعادة إعمار البنى التحتية في المناطق المتضررة جراء الاعتداءات الإسرائيلية، ودعم مشاريع الطاقة الشمسية على مستوى المرافق العامة.
كما أعلنت قطر، في 26 يناير/كانون الثاني الماضي، إلى جانب مساعدات سابقة، عن حزمة مشاريع إنسانية وتنموية عبر صندوق قطر للتنمية وبالتنسيق مع الجهات اللبنانية المختصة، شملت عدداً من القطاعات، انطلاقاً من أهمية دعم الخدمات الأساسية وتعزيز مقومات التعافي. ويترقب لبنان أيضاً المؤتمر المخصّص لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، الذي تستضيفه العاصمة الفرنسية باريس في 5 مارس/آذار المقبل، إذ يعوّل على مشاركة واسعة للدول المانحة وجمع المساعدات اللازمة للقوات المسلحة للقيام بمهامها، ولا سيّما على صعيد حصرية السلاح، التي تُعد إلى جانب الإصلاحات المالية والاقتصادية من الشروط الأساسية التي يطلبها المجتمع الدولي لدعم لبنان اقتصادياً والمساهمة في إعادة الإعمار.
كورسون: الحكومة تصطدم بشبكة مصالح راسخة
في السياق، يقول المدير التنفيذي لجمعية "لا فساد"، جوليان كورسون، لـ"العربي الجديد"، إنّ خطاب الإصلاح أسهم في خلق بيئة أكثر حاضنة مقارنة بالمرحلة السابقة، وهو ما انعكس في بعض القرارات الحكومية، مثل إنشاء الهيئة الناظمة لقطاع الطاقة واعتماد آلية أكثر انتظاماً للتعيينات في القطاع العام، إضافة إلى مقاربة أكثر جدية للإجراءات المطلوبة لإخراج لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، مقارنة بالحكومة السابقة. ويشير كورسون إلى أن التحدي الأساسي لا يزال يتمثل في التطبيق الفعلي لقوانين مكافحة الفساد، وفي تفعيل الدور الرقابي لكل من مجلس النواب والهيئات الرقابية، لافتاً إلى أن هذه الإشكاليات ليست جديدة، بل هي تراكمات موروثة عبر سنوات طويلة، ولا يمكن معالجتها من دون إرادة سياسية حاسمة واستمرارية في التنفيذ.
ويؤكد أن لبنان لا يحتاج إلى خطط جديدة بقدر ما يحتاج إلى تنفيذ القوانين القائمة، موضحاً أن الإصلاح المطلوب يجب أن يشمل المنظومة ككل ولا يقتصر على الحكومة وحدها، إذ يلعب مجلس النواب دوراً أساسياً في إقرار القوانين الرقابية وتفعيل المحاسبة. ويعتبر أن نشر لائحة الموظفين العموميين الذين لم يصرّحوا عن ذمتهم المالية واعتبارهم مستقيلين بحكم القانون قد يشكّل خطوة مفصلية تبعث برسالة واضحة بأن القوانين تُطبّق. ويرى كورسون ضرورة إعطاء أولوية لإجراءات عملية في القطاعات التي تدر إيرادات على الدولة، مثل الجمارك والاتصالات وكازينو لبنان والريجي وطيران الشرق الأوسط، إلى جانب معالجة الأسباب التي أدت إلى إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي.
أما على المستوى التشريعي، فيلفت إلى أن مجلس النواب اتخذ خطوة مقبولة بإقرار قانون استقلالية القضاء، إلّا أن المطلوب استكمال هذا المسار عبر إقرار قوانين أساسية، ولا سيّما قانون الفجوة المالية بطريقة عادلة تضمن الشفافية والمساءلة والإنصاف وتحمي حقوق المواطنين، على أن يلتزم المجلس النيابي المنتخب عام 2026 بإقرار الموازنة ضمن المهل الدستورية واعتماد قطع حساب واضح شرطاً أساسياً لموازنة عام 2027. ويضيف أن الحكومة الجديدة تحاول الدفع باتجاه الإصلاح، لكنها تصطدم بشبكة مصالح راسخة لا مصلحة لها في تغيير الواقع القائم، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وغياب وضوح كامل بشأن الإيرادات والنفقات الفعلية للدولة، كما يشير إلى أن تقارير عدّة تؤكد أن الجمارك لا تزال من أبرز بؤر المخاطر المرتبطة بالفساد، وأن أطر الحوكمة الحالية في عدد من القطاعات الحيوية تساهم في تقليص إيرادات الدولة.
وفي ما يتعلق بالإنفاق العام، يوضح كورسون أنه رغم إقرار قانون عصري للشراء العام، لا تزال الثغرات كبيرة، خصوصاً مع عدم استكمال تشكيل هيئة الشراء العام وعدم تعيين لجنة الاعتراضات، ما يُبقي المال العام عرضة للهدر وسوء الإدارة. ويختم بالإشارة إلى أن المجتمع الدولي خفف نسبياً من شروطه المباشرة تجاه لبنان عبر آليات تمويل تركز على دعم سبل عيش المواطنين والبرامج الاجتماعية والاقتصادية الملحة، إلّا أن الضغط لا يزال قائماً لتنفيذ الإصلاحات البنيوية الأساسية، ولا سيّما في مجالات الحوكمة والشفافية ومكافحة الفساد، معتبراً أن هذا المسار، رغم صعوبته، يبقى شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة الدولية وضمان استدامة أي دعم خارجي.