لماذا تهوي أسعار الفضة سريعاً بعد موجة الصعود القياسية؟

02 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 15:15 (توقيت القدس)
سبيكة فضة، 3 إبريل 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت الفضة تراجعًا حادًا بأكثر من 15% لتصل إلى 71.9 دولارًا للأوقية، متأثرة بقرار رفع متطلبات الهامش على عقود الذهب والفضة الآجلة، مما أجبر المستثمرين على ضخ سيولة إضافية أو تقليص مراكزهم.
- الطبيعة المزدوجة للفضة كمعدن استثماري وصناعي جعلتها أكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية، مع تزامن التراجع مع تطورات سياسية في الولايات المتحدة، مثل ترشيح كيفن وارش لرئاسة الاحتياط الفيدرالي.
- تعكس الخسائر اختلالًا هيكليًا أعمق، حيث أن الطلب الصناعي لم يعوض التباطؤ الاقتصادي العالمي، مما يزيد من هشاشة الأسعار في ظل السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة.

تواصل الفضة تكبّد خسائر قاسية في الأسواق العالمية، مسجّلة واحدة من أعنف موجات الهبوط خلال سنوات، إذ تراجعت بأكثر من 10% في أحدث التعاملات، قبل أن تتعمّق الخسائر في السوق الفورية إلى ما يزيد عن 15%، لتنخفض الأسعار إلى مستويات قريبة من 71.9 دولاراً للأوقية، وفق "رويترز". ويأتي هذا الانخفاض الحاد بالتزامن مع تراجع قوي في أسعار الذهب، في مشهد يعكس تحوّلاً مفاجئاً في مزاج المستثمرين بعد موجة صعود قياسية للمعادن النفيسة.

تسارع الخسائر في التعاملات الفورية

أظهرت بيانات التداول أن الفضة هبطت بدايةً إلى نحو 76 دولاراً للأوقية، قبل أن تواصل الانخفاض إلى 74 دولاراً، ثم تتراجع بشكل أعمق إلى ما دون 72 دولاراً في بعض الجلسات، بحسب ما أفاد متعاملون في السوق نقلاً عن "رويترز". ويعكس هذا التراجع السريع خروجاً واسع النطاق للمستثمرين من مراكزهم، لا سيما تلك المموّلة بالاقتراض، في ظل ارتفاع التقلبات وتشديد شروط التداول. ويرى متعاملون أن وتيرة الهبوط تعكس حالة "بيع قسري" أكثر منها تصحيحاً تدريجياً، وهو ما يفسّر حدّة الانخفاض خلال فترة زمنية قصيرة.

ويُعد قرار مجموعة "سي أم إي"، رفع متطلبات الهامش على عقود الذهب والفضة الآجلة أحد أبرز العوامل التي فجّرت موجة الخسائر، وذلك عقب الانهيار الذي شهدته أسعار المعادن الأسبوع الماضي، بحسب "رويترز". وأجبر هذا الإجراء العديد من المستثمرين، خصوصاً المضاربين، على ضخ سيولة إضافية أو تقليص مراكزهم بسرعة، ما أدى إلى تسارع عمليات البيع. واستناداً إلى تصريحات محللين، الرافعة المالية لعبت دوراً مزدوجاً في الأزمة، إذ غذّت الصعود القياسي السابق، ثم تحوّلت إلى عامل ضغط قوي عند بدء التراجع، حيث أصبح فكّ المراكز المموّلة ضرورة لا خياراً.

الذهب يتراجع… لكن الفضة أشد هشاشة

ولم تكن الفضة وحدها في مرمى الضغوط، إذ هبط الذهب هو الآخر بأكثر من 6% في أحدث التعاملات، بعد أن سجّل يوم الجمعة أكبر انخفاض يومي له منذ عام 1983، وفق بيانات "رويترز". وخسر المعدن الأصفر أكثر من ألف دولار للأوقية مقارنةً بذروته التاريخية التي تجاوزت 5590 دولاراً، ما أدى إلى محو معظم مكاسبه المسجّلة منذ بداية العام. غير أن الفارق الجوهري، وبحسب ما نقلت  "فاينانشال تايمز" عن محللين، أن الفضة كانت أكثر عرضة للتراجع بسبب طبيعتها المزدوجة كمعدن استثماري وصناعي في آنٍ واحد. ففي حين يحتفظ الذهب بجزء من دوره ملاذاً آمناً حتى في فترات التصحيح، تبقى الفضة أكثر حساسية للتقلبات الاقتصادية وتغيّر شهية المخاطر.

وتزامنت هذه التحركات مع تطورات سياسية ونقدية لافتة في الولايات المتحدة، أبرزها ترشيح كيفن وارش لرئاسة الاحتياط الفيدرالي. ويُنظر إلى هذا الترشيح على أنه خيار تقليدي ومتشدد نسبياً حيال التضخم، ما ساهم في تهدئة المخاوف من تسييس السياسة النقدية، وهي المخاوف التي كانت قد دفعت المستثمرين سابقاً إلى الاحتماء بالذهب والفضة، وفق تحليل نشرته "فاينانشال تايمز". ومع انحسار هذه المخاوف، بدأ المستثمرون بإعادة تقييم رهاناتهم على المعادن النفيسة، ما انعكس ضغوطاً بيعية واضحة على أسعار الذهب والفضة.

تصحيح عنيف أم بداية مسار هابط؟

وهناك اختلاف حول ما إذا كانت هذه الخسائر تمثل تصحيحاً حاداً بعد موجة صعود مفرطة، أم بداية مرحلة هبوط أطول. إلا أن تقديرات متقاطعة نقلتها "رويترز" تميل إلى أن ما جرى يكشف هشاشة الارتفاع السابق، الذي كان مدفوعاً جزئياً بالمضاربات وارتفاع الرافعة المالية، أكثر مما كان مدعوماً بأساسيات اقتصادية مستدامة. وفي ظل استمرار تشديد شروط التداول، وارتفاع التقلبات، وتراجع الرهانات على خفض سريع لأسعار الفائدة، يُرجّح أن تبقى الفضة تحت ضغط في المدى القريب، مع احتمالات استمرار التذبذب الحاد.

اختلال هيكلي في سوق الفضة

وما تتعرّض له الفضة لا يرتبط فقط بعوامل آنية مثل رفع متطلبات الهامش أو تبدّل التوقعات النقدية، بل يكشف عن اختلال أعمق في هيكل السوق نفسه. فالفضة تُعد من أكثر المعادن عرضة للمضاربات قصيرة الأجل بسبب انخفاض قيمتها الاسمية مقارنة بالذهب، ما يجعلها هدفاً مفضلاً لاستخدام الرافعة المالية. وجزء كبير من الصعود القياسي الأخير في الفضة كان مدفوعاً بتدفقات مضاربية مكثفة، لا بطلب استثماري طويل الأجل أو تحسن فعلي في الطلب الصناعي، وهو ما جعل الأسعار شديدة الحساسية لأي تغيير في شروط التداول أو شهية المخاطر.
الطلب الصناعي يخيب الآمال

وعلى عكس التوقعات التي راهنت على أن التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة سيشكّل داعماً قوياً للفضة، أظهرت البيانات أن هذا العامل لم يكن كافياً لتعويض التباطؤ الاقتصادي العالمي. فالطلب الصناعي على الفضة، المستخدمة في الإلكترونيات والطاقة الشمسية، ظل متأثراً بضعف التصنيع في الصين وأوروبا، ما قلّص قدرة السوق على امتصاص موجة البيع الأخيرة. وتشير تحليلات سوقية أوردتها "فاينانشال تايمز"، إلى أن هذا التناقض بين التوقعات المستقبلية والواقع الصناعي الحالي فاقم من هشاشة الأسعار، وجعل الفضة أكثر عرضة للهبوط مقارنة بالذهب، الذي يستند أساساً إلى الطلب الاستثماري والرسمي.

الفضة في مواجهة دورة نقدية أطول

في السياق الأوسع، مستقبل الفضة مرتبط باستمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة. فمع تراجع الرهانات على خفض سريع لأسعار الفائدة، وارتفاع العوائد الحقيقية، تتآكل جاذبية المعادن النفيسة غير المدرّة للعائد. وترى مؤسسات مالية، بحسب ما نقلته "رويترز" و"فاينانشال تايمز"، أن الفضة قد تبقى تحت ضغط لفترة أطول من الذهب، نظراً لغياب مشترٍ رسمي كبير شبيه بالبنوك المركزية التي تدعم سوق الذهب. وفي حال استمرت هذه البيئة النقدية، قد تتحول موجة الهبوط الحالية من تصحيح عنيف إلى مسار ضاغط ممتد، إلى أن تظهر محفزات اقتصادية أو نقدية قادرة على إعادة التوازن إلى السوق.