استمع إلى الملخص
- التحديات الهيكلية والسياسات النقدية: تواجه مصر صعوبة في تحقيق التوازن بين حرية حركة رؤوس الأموال واستقرار سعر الصرف، مما يؤدي إلى زيادة الدين العام وارتفاع أسعار الفائدة، ويزيد من الضغوط على الموازنة.
- الآثار الاجتماعية والسياسات الجبائية: تعتمد الحكومة على زيادة الضرائب ورفع الدعم، مما يثقل كاهل المواطنين ويؤدي إلى ارتفاع التضخم، دون تحقيق فوائد اقتصادية كبيرة، مما يعكس انحيازات اجتماعية ضيقة الأفق.
امتداداً لغلبة النظرة المحاسبية ضيّقة الأفق على فهمها للاقتصاد، لا ترى الحكومة المصرية العقبات والقيود المسؤولة عنها بالإطارين الهيكلي والمؤسسي للاقتصاد، مُعتقدةً أن توفير مزيد من الموارد هو كل ما يتطلّبه الأمر لمعالجة كافة المشكلات الاقتصادية؛ ذلك الاعتقاد الذي تعمّقه الأزمة المالية والنقدية المُتصاعدة في السنوات الأخيرة، والتي ازدادت معها هيمنة عقلية الاقتراض من الخارج والجباية من الداخل، ولحق بها أخيراً بيع الأصول الحكومية و"الرؤوس" الاستراتيجية للمستثمرين الأجانب والأشقاء العرب بالأساس.
وقد أخذت الحكومة بالعديد من الإجراءات التي تنضوي تحت لواء الثلاث سياسات العامة المذكورة باعتبارها وسائل لشراء الوقت وتأجيل الخسائر في مواجهة الضغط المُتزايد على الجنيه المصري، الذي انخفض سعر صرفه مقابل الدولار من 7.15 جنيهات للدولار في أوائل عام 2015 إلى 49.60 جنيها للدولار أمس الأحد، بإجمالي هبوط يتجاوز الـ85% خلال عقد، دون حساب الهبوط في قيمة الدولار نفسه الذي انخفض بدوره بنسبة 25% تقريبًا خلال الفترة نفسها، بما يمثّله هذا الهبوط الحاد، خلال فترة قصيرة نسبياً، بحد ذاته من تراجع في قيمة البلد والشعب، ومن اهتراء للعقد السياسي الذي تمثّله العملة الوطنية بين الحكومة والمواطن، وبما ينتج عنه من آثار سلبية على كافة المتغيّرات الاقتصادية والمالية الأخرى، وعلى رأسها ارتفاع فاتورة الديون الخارجية وفوائدها وتفاقم الأعباء المالية الخارجية عموماً.
المشكلة الحقيقية بهذه الإجراءات المكلّفة أن الوفرة المُؤقتة الناتجة عنها لا تفعل شيئاً سوى شراء الوقت، دون تقديم أي حلول مُستدامة لمشكلة النقد الأجنبي نفسها؛ فالوفرة إن لم تكن نتاجاً لزيادة إنتاجية حقيقية قد تنقلب وبالاً على الاقتصاد، بل وعلى المشكلة نفسها المُستهدف حلها بها، وهذا هو ما نودّ مناقشته هنا، منطق ومنهج عصر الوطن والمواطن بصفة حل تنتهجه الحكومة المصرية أخيراً لمشكلة الجنيه المُزمنة، سواء عصر موارد الوطن ببيع أصوله واستنزاف طاقته المالية بالأموال الساخنة، أو عصر المواطن بنهج الجباية المُفرطة والتصدير الافتراسي.
عَصْر الوطن: بيع الأصول والأموال الساخنة
وهي عصر للوطن لأنها تستنزفه بأكثر مما تعطيه؛ فبيع الأصول يوفّر موارد محدودة عاجلة مقابل خسائر مستمرة استراتيجية، فيما تمثّل الأموال الساخنة أسوأ أنواع القروض، بالجمع بين أعلى معدلات الفوائد وأقصر آجال الاستحقاق، ناهيك عما تُشيعه من اضطراب وعدم استقرار في البنية المالية العامة للبلد المُبتلى بها.
لكن بغض النظر عن هذه العيوب الكافية بذاتها لرفض هذه السياسات والآليات، أو على الأقل قصرها في أضيق الحدود على حالات شديدة الاستثنائية، فإنها حتى لا تقدم حلولاً بأيّ شكل لمشكلة النقد الأجنبي نفسها بقدر ما تؤجلها عاجلاً، مع المساهمة بمفاقمتها آجلاً؛ ما يجعلها حلولاً مُكلّفة جداً بالنسبة لمجرد مُسكّنات قصيرة الأجل.
أما عن سبب عدم فاعلية هذه السياسات في حل مشكلة النقد الأجنبي نفسها، فلا يقتصر الأمر على السبب المعتاد المتعلق بعدم استدامتها، من جهة صعوبة الاستمرار بها أو تكرارها إلى الأبد، بل يتصل أيضاً بطبيعة تكوينها وطريقة عملها نفسها ضمن التكوين الاقتصادي والإطار السياساتي الذي يحكمه ضمن النموذج النيوليبرالي السائد منذ عقود.
ففي ظل ذلك النموذج الذي يفرض حرية حركة رؤوس الأموال، تبرز إشكالية "الثلاثية المستحيلة"، التي يصعب ضمنها الجمع بين كل من حرية دخول وخروج رؤوس الأموال واستقرار سعر الصرف واستقلال السياسة النقدية، بل يحتّم التمسّك بأيّ اثنتين منها التضحية بالثالثة؛ ما يعني ضمن ذلك السياق حتمية المفاضلة ما بين سعر الصرف المستقر (الثبات النسبي لقيمة العملة الوطنية) والسياسة النقدية المستقلة (مرونة تحديد سعر الفائدة بالأساس).
وحيث يحتاج أي بلد لسعر صرف مستقر كي يضمن للمتعاملين معه وفيه قدراً من استقرار التعاملات بعدم التقلّب الشديد في القيم والأسعار، بما يوفّر القدرة على التوقّع والتخطيط ويطمئن الاستثمار الخاص والأجنبي، كما يساعد الحكومة نفسها على إدارة التوازنات الخارجية للاقتصاد مُمثلّة في الميزان التجاري وميزان المدفوعات عموماً، وضمنها فاتورة الواردات المرتفعة في بلد كمصر، يصبح استقلال السياسة النقدية، أي تحديد سعر الفائدة بالأساس، هو ضحية الثلاثية المُستحيلة في مصر وما يشابهها من دول.
وفي هذا السياق، تؤدي أرصدة النقد الأجنبي التي تدخل البلد، خصوصاً التدفقات الضخمة المفاجئة، إلى أثرين أساسيين، أولهما توسّع السيولة النقدية بما يُعادل هذه الأرصدة، وثانيهما، في حالة الأموال الساخنة خصوصاً، اضطرار البنك المركزي للاحتفاظ بسعر فائدة مرتفع لإبقائها بالبلد؛ وهو ما تكون نتيجته بالمُجمل ارتفاع معدل التضخم وانكماش الاستثمار المحلي وتراجع نشاط القطاع الخاص، وقد تصل في بعض الحالات، خصوصاً مع التدفقات الضخمة المستمرة كما كان الأمر طوال عقد الاقتراض المُفرط الأخير، إلى تشوّه هياكل الأسعار النسبية وأنماط تخصيص الاستثمارات لصالح القطاعات غير التصديرية .. إلخ. من آثار شبيهة ببعض أعراض المرض الهولندي.
ولمواجهة التضخّم الناتج عن توسّع السيولة بفعل هذه التدفقات الأجنبية، تضطر الحكومة لتعقيم هذه التدفقات بإصدار سندات خزانة، محلية إضافية، قد تتجاوز حتى احتياجاتها التمويلية؛ ليتفاقم الدين العام المحلي وفائض السيولة العاطل بالجهاز المصرفي، فيرتفع الدين العام الحكومي، الذي يرتفع عبئه أيضاً بفعل الاضطرار لرفع سعر الفائدة، بما يُثقل الموازنة العامة بمزيد من الضغط التمويلي الذي يصبّ بدوره مزيداً من البنزين على نيران التضخّم.
ويؤدي ارتفاع معدل التضخم، الناتج عن كافة العوامل المذكورة وغيرها، إلى انخفاض تنافسية البلد وتلاشي المنافع المُفترضة من خفض سعر صرف العملة (كخفض الواردات وزيادة الصادرات)، بل ويرتفع معدل التبادل الحقيقي للعملة الوطنية مقابل العملات الأخرى، فتتعمّق الاختلالات السلبية للميزان التجاري وميزان المدفوعات، ويعود البلد إلى نقطة البداية التي كان عندها قبل آخر تعويم للعملة الوطنية، فتضطر الحكومة إلى خفض سعر الصرف الاسمي وإجراء تعويم جديد، ضمن برنامج جديد مع صندوق النقد، في دورة سيزيفية عبثية، ينخفض ضمنها ثمن الوطن والمواطن بشكل مُطرد.
عَصْر المواطن: رفع الضرائب والتصدير الافتراسي
السياسة الثانية هي عصر المواطن بالجباية المُفرطة لحل أزمة عجز الموازنة التي صنعتها الحكومة، أو بالتصدير الافتراسي لتوفير العملات الأجنبية بطريقة ووتيرة تجور على المعروض الضروري من الأساسيات، فيقلّل العرض المحلي السلع الأساسية ويرفع مستويات الأسعار ومعدلات التضخّم.
وعلى صعيد الجباية، فبعيداً عن السياسات الضريبية المُشوّهة بمصر، تنتهج الحكومة أخيراً نهج التكسّب من الخدمات الحكومية وشركات القطاع العام، فضلاً عن رفع الدعم باتجاه إنهائه، ضمن تطبيقها لبرنامج صندوق النقد الدولي، وبالأساس كوسيلة لمعالجة عجز الموازنة العامة الذي تسبّبت به، رغم أن ما توفّره الحكومة من هذه الأبواب لا يعدو كونه فتاتاً بالمقارنة بأبواب الإهدار الهائلة التي صنعتها الحكومة نفسها، ما يعني أن هذه السياسات المكلّفة اجتماعياً لن تؤثر جدياً في الموقف المالي ولن تحل أي مشكلة بالموازنة العامة.
أما التصدير الافتراسي، الذي لم نجد له وصفاً أفضل، فيتجلّى في تلك المحاولات البائسة لمعالجة العجز التجاري المُزمن بزيادة الصادرات على حساب الاستهلاك المحلي الضروري، أي ليس بزيادة الإنتاج، الذي يتطلّب وقتاً وأطراً وتعقيدات لا تريدها الحكومة، بل بالحفّ، بالتعبير العامي المصري، من الاستهلاك الأساسي للشعب، والذي وصل إلى حدّ تقليص المعروض من السلع الأساسية، بما تجاوز حتى منتجات الاستهلاك الغذائي كالمحاصيل الزراعية، إلى بعض المنتجات الدوائية، والذي ظهرت آثاره في حالات الوفاة العديدة بسبب عدم توافر العقارات الطبية المطلوبة، مما يُنتج محلياً لكن تبخل به الحكومة ولوبي الدواء على المواطن مقابل حفنة دولارات لن تنقذ الموقف المتعثّر بدرجة لا يمكن لفتات كهذا أن يعالجها.
ومشكلة هذا النهج عموماً، بسياستيه المذكورتين، أنه لا يوازن حجم المكاسب بحجم الخسائر من منظور كامل البلد، ليقدّر ما إذا كانت الأولى تتجاوز الأخيرة جدياً أم لا، بل لا يبالي بأن يتحمّل الشعب كلفة اجتماعية هائلة مقابل مكاسب مالية ودولارية تافهة للحكومة ولوبيات المصالح، فمُجمل صادرات مصر من الغذاء والدواء لا تتجاوز السبعة مليارات دولار في بلد بلغ عجزه التجاري حوالي 37 مليار دولار عام 2023، رغم الضغط الإداري للواردات وفي سياق أزمة توافر النقد الأجنبي.
وبينما بلغت صادرات المواد الغذائية 3.2 مليارات دولار في النصف الأول من العام الجاري 2024، بزيادة بنسبة 25% عن الفترة نفسها من العام السابق، بلغ معدل التضخم السنوي للسلع الغذائية 29.7% في منتصف العام، ويُتوقع بلوغ صادرات الأدوية 1.5 مليار دولار بنهاية العام الجاري، بزيادة بنسبة تقارب الربع، وهي زيادات معتبَرة بصفتها نسباً تؤكد الاتجاه المُتعمّد لزيادتها على حساب الاستهلاك المحلي، لكنها محدودة الأهمية كقيم مُطلقة؛ فتكاد لا تساهم جوهرياً في معالجة العجز التجاري، بينما انعكست بآثار سلبية كبيرة على حجم المعروض المحلي، المحدود أصلاً، من منتجات هذين القطاعين الحيويين، وبالتبعية بارتفاعات كبيرة في أسعار سلعهما الأساسية في سلة الاستهلاك وجوهرية التأثير في مستوى المعيشة المتدهور بالفعل.
فإذا كان هذا الضغط على الاستهلاك المحلي من الأساسيات من غذاء ودواء لم يوفّر سوى زيادات ضئيلة محدودة من النقد الأجنبي، فأي عبقرية حكومية هذه التي تظن أنه يمكن لهذا الضغط أن يستمر وأن يقدّم حلاً للعجز التجاري الكبير وأزمة النقد الأجنبي المُزمنة، علماً أنها، غالباً، العبقرية نفسها التي اقترضت مئات المليارات من الدولارات وأهدرتها ضمن تريليونات الجنيهات في مشاريع لم توفّر حتى اليوم دولاراً واحداً للبلد، بل ولم تحقّق حتى جنيهاً واحداً صافي ربح!
الحلول اللاعقلانية كانحيازات اجتماعية
هذه العقلية الاعتصارية التي تفكّر بمنطق الأخذ لا المشاركة، لا يمكن أن تحقّق نمواً أو تحل مشكلات الاقتصاد ما دامت تقصر تفكيرها على الاقتطاع من الكعكة الموجودة فعلاً بدلاً من تنمية وتكبير هذه الكعكة؛ فللاقتطاع من موارد الوطن ولحم المواطنين حدود مهما بدا الأمر كما لو أن الناس قد استكانوا للخفض المستمر في مستويات معيشتهم والتقليص الوحشي للخبزة الصغيرة التي بين يديهم، ناهيك عن كونه حتى من زاوية تقنية محدود الفاعلية في معالجة أصل المشكلة، مع صِغر الكعكة نفسها، وفداحة حجم بلاعات التسرّب والإهدار الهائلة في جسد الاقتصاد، بينما لا تقترب منها الحكومة، عن جبن أو تواطؤ لا فارق!
فالواقع أن ما يبدو للوهلة الأولى كمجرد لامنطق، أو ضعف تقدير وسوء حسابات، هو في الحقيقة منطق قصير النظر ينطلق من أولويات الضبط المالي لحكومة تغلّب النظرة المحاسبية الضيّقة على الاقتصادية الواسعة، فضلاً عن انحيازات اجتماعية لطبقة محدودة من تحالف بيروقراطي - محاسيبي ضيّق الأفق اقتصادياً واجتماعياً، منطق يشيح بنظره عن كافة الحلول الحقيقية في الإطارين الهيكلي والمؤسسي التي تمسّ مكاسب المحاسيب ومصالح الاستقرار بمعنييه السياسي والاقتصادي، فيما يقتطع من جسد البلد حدّ التهديد الاستراتيجي، ويستنفد ما بأيدي الشعب حتى الحلب دماً.