مافيا العقارات في بريطانيا: أسعار الشقق ترتفع رغم تراجع الطلب
استمع إلى الملخص
- الجرائم العقارية تستهدف الشباب وتسبب خسائر تفوق 9 ملايين جنيه إسترليني سنويًا، مع زيادة تكاليف التحقق القانوني والتأمين. توصي "بروبرتي مارك" بالتحقق من ملكية العقارات وهويات المستأجرين.
- السوق هش ومعرض للتقلبات، مع تحذيرات من فقدان الثقة الاقتصادية وارتفاع الضرائب وأسعار الفائدة، مما يدفع الملاك لمغادرة القطاع ويؤدي إلى فقدان الجودة والاستقرار.
يشهد سوق العقارات البريطاني مرحلة من الاضطراب غير المسبوق، وتتصدّر لندن هذا المشهد بوصفها المدينة الأعلى إيجارًا والأشدّ طلبًا على السكن.
التوازن الهشّ بين العرض والطلب لم يعد مجرد نتيجة لعوامل اقتصادية، بل بات رهينة أنشطة إجرامية منظّمة تتعامل مع الشقق كما لو كانت سلعة في سوق سوداء. وهذه الأنشطة مختلفة، وتبدأ بشراء عقارات لتحويلها شققاً للدعارة السرية، وصولاً إلى الاحتيال عبر بيع الشقق أكثر من مرة لأكثر من شخص، فتكون النتيجة اصطناع طلب زائف على معروض محدود.
وتظهر بيانات "مكتب الإحصاءات الوطنية" (ONS) أن متوسط الإيجار الشهري في المملكة المتحدة بلغ 1,354 جنيهًا إسترلينيًا في سبتمبر/أيلول 2025، بزيادة سنوية قدرها 5.5%، بعدما كانت 5.7% في أغسطس/ آب. هذا التباطؤ الطفيف يعزز فرضية "التهدئة دون انخفاض فعلي للأسعار" في سوق لا يزال عند مستويات تاريخية مرتفعة.
وفي لندن، بلغ متوسط الإيجار نحو 2,712 جنيهًا إسترلينياً شهريًا وفق بيانات منصّة "رايت موف" (أكبر منصّة إلكترونية بريطانية للإعلانات العقارية)، بارتفاع طفيف لا يتجاوز 1.9% عن العام السابق، ما يعكس استمرار الضغوط على القدرة الشرائية رغم بوادر التوازن في السوق.
جريمة تُولّد كلفة في قطاع العقارات
إلا أن خلف المؤشرات المضطربة في السوق، عصابات تعتمد الاحتيال في سوق الإيجارات، لتتجاوز الخسائر المصالح الفردية وتصبح عاملًا اقتصاديًا ضاغطًا.
بيانات "مكتب الاستخبارات الوطنية لمكافحة الاحتيال" (NFIB) التي أوردتها منصّة بروبرتي مارك تُظهر أن 75% من جرائم الاحتيال العقاري تستهدف الشباب بين 18 و39 عامًا، بخسائر تفوق 9 ملايين جنيه إسترليني سنويًا. تشمل الأساليب الأكثر شيوعًا نشر إعلانات مزيفة أو تأجير العقار الواحد لعدة مستأجرين أو مطالبة الضحايا بدفع مقدم إيجار لعقارات غير موجودة أصلًا.
هذه الجرائم تُجبر الملاك على زيادة الإنفاق على التحقق القانوني والتأمين، ما يرفع الكلفة النهائية على المستأجرين. وتركّز توصيات "بروبرتي مارك" على التحقّق من ملكية العقارات عبر سجلّات الأراضي وتدقيق هويات المستأجرين، بيد أنّها تقرّ بأن الحلول التقنية لا تكفي ما لم تُكافح شبكات الجريمة المنظمة التي تتعامل مع الإيجار بوصفه نشاطًا تجاريًا موازياً.
ويلفت تقرير نشرته صحيفة صنداي تايمز البريطانية، عن شبكات احتيال تستولي على العقارات عبر هويات ووثائق مزيفة، قبل تحويلها إلى "بيوت دعارة سرّية" تدرّ أرباحًا طائلة. ويجد أصحاب العقارات أنفسهم أمام خسائر مالية وإجراءات قانونية مرهقة، بينما ترتفع أقساط التأمين وتتراجع الثقة في سوق الإيجارات.
وتكشف بيانات إنفاذ القانون أن هذا النمط ليس مجرد ظاهرة هامشية. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2024، أعلنت شرطة لندن أن وحدة مكافحة الاتجار بالبشر بالتعاون مع منظّمة "عدالة ورعاية" (Justice & Care)، كشفت شبكة استأجرت شقة باستخدام جواز سفر مزوّر قبل تحويلها إلى بيت دعارة في منطقة "تور هاملتس"، وذلك بحسب ما ورد على موقع "ماي نيوز دِسك".
كذلك، أصدرت شرطة جنوب يوركشاير في سبتمبر/أيلول 2025 أمرًا بإغلاقٍ مؤقتٍ لإحدى الشقق بعد ورود شكاوى عن انتشار الدعارة وتعاطي المخدرات فيها، بحسب ما نشرته صحيفة "ذا ستار" البريطانية في 20 سبتمبر 2025. هذه الوقائع تُظهر أن سوق الإيجارات في بريطانيا لا يجذب فقط المستثمرين والملاك، بل يُستغل أيضًا من قِبل شبكاتٍ إجرامية تستفيد من ضعف الرقابة والتداخل بين الحقوق المدنية والعقود التأجيرية.
وهكذا تتحوّل الجريمة العقارية من واقعة جنائية معزولة إلى عبءٍ اقتصادي مباشر يرفع كلفة التحقّق والتأمين وإدارة المخاطر، فتُرحَّل هذه الكُلف تدريجيًا إلى الإيجارات، وتزداد هشاشة السوق اللندني رغم مؤشرات التباطؤ السعري.
تراجع في الطلب
يشير تقرير منصّة زووبلا (منصّة بريطانية متخصّصة في تحليل السوق العقاري والإيجارات) الصادر في سبتمبر/أيلول 2025، إلى أن عدد الطلبات على الإيجار تراجع بنسبة 24% مقارنة بالعام الماضي، نتيجة انخفاض الهجرة وتحسّن فرص الحصول على قروض عقارية للمشترين الجدد. في المقابل، زاد عدد الوحدات المعروضة للإيجار بنحو 20%، ما ساهم في تهدئة وتيرة ارتفاع الأسعار دون أن يُحدث لنخفاضاً فعلياً في سوق لا يزال يعاني من نقصٍ هيكلي في المعروض.
ووفقًا للتقرير نفسه، تُعدّ ظروف سوق الإيجارات في المملكة المتحدة "الأضعف منذ خمس سنوات". كما تظهر البيانات ارتفاع عدد المنازل المتاحة للإيجار إلى 19 عقارًا في المتوسط لكل وكيل تأجير مقارنة بـ14 فقط في عام 2022، مدفوعًا بزيادة الاستثمارات الجديدة من الملاك الذين استفادوا من عوائد إيجار مرتفعة واستقرار معدلات الرهن العقاري.
في هذا السياق، تقول آيلين برندرغاست من فريق الأبحاث في زووبلا لـ"العربي الجديد" إنّ "عوائد الإيجار المرتفعة واستقرار معدلات الرهن العقاري أدّيا إلى زيادةٍ في استثمارات الملاك الجدد، إذ ارتفعت قروض الشراء بغرض التأجير بنسبة 60% خلال العام حتى الربع الأول من 2025".
وتُظهر بيانات المؤسسة المالية البريطانية (UK Finance) ارتفاعًا لافتًا في نشاط الشراء بغرض التأجير، إذ سُجّل 58,347 قرضًا جديدًا في الربع الأول من عام 2025، بزيادة نسبتها نحو 39% على أساس سنوي، وبارتفاع في القيمة الإجمالية بلغ قرابة 47%.
كما بلغ متوسط العائد الإجمالي على الإيجار نحو 7.3% خلال الربع الثاني من العام، وهو ما يدعم ملاحظات منصّة "زووبلا" حول عودة المستثمرين إلى السوق مدفوعين باستقرار أسعار الفائدة وارتفاع العوائد.
رغم ذلك، تظلّ لندن استثناءً على المستوى الوطني، إذ لم تتجاوز زيادة المعروض فيها 6% فقط، نتيجة انخفاض العائدات وارتفاع قيمة الودائع المطلوبة لشراء العقارات المعدّة للإيجار، ما يجعل السوق اللندني أكثر عرضة لتقلّبات الأسعار والمخاطر. وأظهر مسح المعهد الملكي للمسّاحين القانونيين البريطاني (RICS) لشهر يوليو/تموز 2025 تسجيل أكبر تراجع في قوائم الإيجار الجديدة منذ فترة إغلاقات جائحة كوفيد-19، ما يؤكد هشاشة المعروض رغم مؤشرات التوازن التي بدأت تظهر مؤخرًا في السوق.
هشاشة متزايدة وتخارج الملّاك
رغم التباطؤ النسبي، يظلّ السوق هشًّا ومعرّضًا للتقلب. تقرير "الرابطة الوطنية للملاك المقيمين" (NRLA) في أغسطس/آب 2025 حذّر من أن فقدان الثقة الاقتصادية يدفع المزيد من الملاك إلى مغادرة القطاع. فقد أظهر الاستطلاع أن واحدًا من كل ثلاثة ملاك يفكّر في بيع بعض أو كل ممتلكاته، خصوصًا الملاك الصغار الذين يمتلكون عقارًا أو اثنين فقط.
وإلى جانب ارتفاع الضرائب وأسعار الفائدة، إنّ تزايد الأعباء التنظيمية، مثل إلغاء "المادة 21" التي كانت تتيح الإخلاء دون سبب في إطار "قانون حقوق المستأجرين الجديد" ومتطلبات كفاءة الطاقة (EPC C)، جعلت كثيرين يعتبرون الاستمرار في السوق مخاطرة غير مجدية.
يعلّق المستشار العقاري بول شامبلينا، مؤسس "Landlord Action"على هذه المسألة لـ"العربي الجديد" ويقول: "إنّ الملاك الجيّدين هم العمود الفقري لسوق الإيجارات"، ويحذّر من أن خروجهم يعني فقدان الجودة والاستقرار، كما أنّ سياسات العقاب للملاك ستؤدي إلى انسحاب مزيد من المستثمرين، ما يرفع الأسعار ويضيّق فرص السكن للفئات محدودة الدخل.
تضافرُ الاحتيال العقاري وخروج الملاك الجيّدين وارتفاع كلفة التأمين والضرائب، مع تشدد الأطر التنظيمية، جعل سوق الإيجارات في لندن ساحةً هشّة تتأرجح بين التباطؤ والاحتقان. كلّ ارتفاع في التكلفة يتحوّل إلى "علاوة مخاطرة" جديدة تُحمَّل على الإيجار الشهري، فيما تتآكل الثقة التي تقوم عليها العلاقة بين المالك والمستأجر.
في جوف هذه الدائرة المرهقة، تتجلّى المفارقة الأوضح: سوقٌ تبحث عن توازنها بين العرض والطلب، لكنها تُقايض الاستقرار بغلاءٍ مستمرّ. وهكذا، يبقى المستأجر البريطاني، خصوصًا في لندن، المتضرر الأكبر من منظومةٍ تتسع فيها المخاطر وتضيق فيها العدالة ويغيب عنها الأمان الذي يُفترض أن يكون أساس السكن لا كلفته.