ما سر المخاوف الأميركية من هيمنة الصين على قطاع البطاريات العملاقة؟
استمع إلى الملخص
- تواجه الولايات المتحدة تحديات في تأمين إمدادات البطاريات لمراكز البيانات والجيش، وتعتمد بشكل كبير على الصين، مما يثير مخاوف تتعلق بالأمن القومي، خاصة مع تزايد الطلب على البطاريات لتشغيل الطائرات المسيّرة وأسلحة الليزر.
- إدارة ترامب تواجه معضلة في التعامل مع تكنولوجيا البطاريات، حيث تسعى لتعزيز صناعة محلية، لكن الهيمنة الصينية تشكل تحدياً كبيراً، ويتطلب بناء صناعة غير معتمدة على الصين جهداً منسقاً ودعماً حكومياً.
بمرور الوقت، يتصاعد السباق العالمي على الطاقة، ويتأكد الدور المحوري لقطاع الطاقة النظيفة بكونه حلاً اقتصادياً وعملياً لأزمة الطاقة التي سيواجهها العالم آنياً ومستقبلاً.
فحمى الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العملاقة التي يعتمد عليها، تتطلب من الكهرباء ما تستهلكه مدن كبرى أو دول صغيرة. وتزايد إنتاج السيارات الكهربائية والدرونز (المسيّرات) وطائرات الركاب لاحقاً وبرامج التسلح الآلية التي تعمل دون وقود عضوي، كلها منتجات تفرض البحث عن مصادر طاقة بديلة وجاهزة عند الطلب. ويبدو أن الحل ومفتاح الهيمنة في كل هذه القطاعات يتمثل ببطاريات تخزين الكهرباء العملاقة، أي بطاريات الليثيوم-أيون التي تتجه لأن تصبح بديل الكهرباء والوقود التقليدي، لكنها حتى هذه اللحظة تخضع لسيطرة طرف واحد، هو الصين، الخصم السياسي لأميركا والغرب، التي تنتج وحدها أكثر من 75% من هذه البطاريات.
تشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة IEA إلى أن حجم الاستثمار العالمي في بطاريات تخزين الطاقة الكهربائية العملاقة قد بلغ 40 مليار دولار في عام 2023. وقد أدى ذلك إلى إطلاق موجة من مشاريع تصنيع بطاريات الليثيوم-أيون حول العالم، حيث من المتوقع –حسب تقرير للوكالة– أن توفر هذه المشاريع في حال اكتمالها ما يصل إلى 5.2 تيراواط/ ساعة من الكهرباء.
ما يثير المخاوف في الغرب، وهو أمر أصبح اعتيادياً في الأخبار، أن الأمر لا يقتصر على قدرات الصين التصنيعية في قطاع بطاريات الليثيوم-أيون فقط، بل في تحكمها في العناصر النادرة التي تدخل في تصنيع هذه البطاريات من حيث التصنيع والتكرير.
ويبقى السؤال المحوري أمام مصنّعي البطاريات هو ما إذا كانت إمدادات المعادن الحيوية ستواكب الطلب. وبفضل ارتفاع الأسعار وتنامي الدعم السياسي، ارتفعت الاستثمارات في تعدين المعادن الحيوية بنسبة 30% في 2022. كذلك زاد الإنفاق على أنشطة الاستكشاف، ولا سيما الليثيوم والنحاس والنيكل، بقيادة كندا وأستراليا، مع توسع الأنشطة في البرازيل والدول الأفريقية الغنية بالموارد. غير أن الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى الإنتاج الجديد قد يستغرق أكثر من 10 سنوات، ولا تزال هناك مخاوف واسعة من أن تتحول الاستثمارات في المعادن الحيوية إلى عامل مقيِّد لتصنيع تقنيات الطاقة النظيفة ونشرها.
الهاجس الأميركي
تحتاج مراكز البيانات المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي إلى كميات هائلة من الكهرباء، سواء لضمان استمرار تشغيل الخوادم على مدار اللحظة، أو لضمان تبريدها في ذات الوقت. هذا الطلب الهائل على الطاقة أصبح يؤثر ببعض المناطق مثل شمال فرجينيا بالقرب من العاصمة الأميركية واشنطن دي سي، حيث توجد منشأة عملاقة لمراكز بيانات. وحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، فإن شركات التكنولوجيا العملاقة تتطلع كل يوم إلى شراء مزيد من بطاريات الليثيوم-أيون من الصين بقيمة مليارات الدولارات.
على مسافة عدة أميال من مركز البيانات في فرجينيا، يقع مقر وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون"، الذي غير دونالد ترامب اسمها هذا العام لتصبح "وزارة الحرب"، وهنا أيضاً يعتري القادة العسكريين والمخططين قلق متزايد، فالقوات المسلحة تحتاج ملايين البطاريات لتشغيل الطائرات المسيّرة وأسلحة الليزر والعديد من أسلحة المستقبل الأخرى، ولا شك أنها ستأتي من الصين.
يشير المهندسون الذين يحافظون على تشغيل مراكز البيانات إلى مفهوم "الخمس تسعات" من الموثوقية، أي السعي إلى إبقاء هذه المنشآت عاملة بنسبة 99.999 في المئة من الوقت. ويتطلب ذلك إمدادات طاقة موثوقة. وقد تسابقت شركات التكنولوجيا العملاقة للحصول على طاقة من الغاز الطبيعي أو من محطات نووية قائمة تعمل على مدار الساعة، كذلك راهنت على تقنيات ناشئة مثل المفاعلات الأصغر أو محطات الطاقة الحرارية الجوفية المتقدمة.
وتزداد أهمية البطاريات، فمعظم مراكز البيانات تعتمد عليها باعتبارها احتياطياً. إذ يمكن للبطاريات أن توفر طاقة فورية في أثناء الانقطاع إلى أن تبدأ المولدات العاملة بالغاز الطبيعي أو الديزل، ما يساعد على ضمان عدم فقدان البيانات.
ويمتلك الذكاء الاصطناعي احتياجات هائلة من الطاقة. فطلب واحد للذكاء الاصطناعي قد يتطلب نحو عشرة أضعاف الكهرباء اللازمة لعمليات البحث التقليدية على الإنترنت، بحسب تقديرات معهد أبحاث الطاقة الكهربائية. كذلك فإن القدرة الحاسوبية الضخمة قد تتسبب في تقلبات كبيرة في الطلب على الطاقة.
وقال كريس براون، كبير المسؤولين التقنيين في "معهد أبتايم" الاستشاري لمراكز البيانات: "يمكن للطاقة أن تتقلب بشكل حاد عدة مرات في الدقيقة". وعلى نطاق واسع، قد تصل هذه التقلبات إلى عشرات أو مئات الميغاواط، بل قد تلحق أضراراً ببنية شبكات الكهرباء، كما حذر باحثو مايكروسوفت.
البطاريات وواقع الحرب
من بين دروس الحرب في أوكرانيا إدراكٌ مقلق: مستقبل القوة العسكرية يعتمد على البطاريات. فالعديد من الطائرات المسيّرة في ساحات القتال تعمل ببطاريات ليثيوم تعتمد على مواد وتكنولوجيا من الصين. وداخل أوكرانيا، أدت قيود التصدير الصينية إلى إبطاء الإنتاج ومضاعفة أسعار بعض المكونات ثلاث مرات، وفقاً لمحللين دفاعيين.
وقالت كاتارينا بوخاتسكي، الخبيرة الدفاعية: "كل قيد تصدير صيني منذ عام 2022 انعكس مباشرة على ساحة المعركة". وأضافت أن الولايات المتحدة قد تواجه المشكلة نفسها قريباً، مشيرة إلى أن المكونات التي واجهت أوكرانيا صعوبة في تأمينها "مضمنة عبر برامج الدفاع الغربية".
وتستخدم البطاريات المتقدمة في الليزر وأجهزة الاتصال المحمولة ونظارات الرؤية الليلية والأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة. ويحمل الجندي العادي ما يصل إلى 25 رطلاً من البطاريات خلال دورية قياسية تمتد 72 ساعة.
وقال جيفري نادانر، الذي شغل منصب نائب مساعد وزير الحرب الأميركي للسياسة الصناعية خلال الولاية الأولى لترامب، إن التحول نحو مركبات أكثر تخفياً وأنظمة غير مأهولة وحرب إلكترونية وتجمعات من الأقمار الصناعية الصغيرة قد ضاعف الطلب. وأضاف أن تعزيز صناعة البطاريات الأميركية يستحق جهداً "يضاهي برنامج أبولو الفضائي".
لم يعد السباق على البطاريات بالنسبة إلى الولايات المتحدة مجرد تنافس اقتصادي، لكنه يتحول بمرور الوقت إلى مسألة تتعلق بالأمن القومي. فالقوات العسكرية الأميركية تعتمد حالياً على سلاسل توريد صينية لنحو 6 آلاف مكوّن فردي من مكونات البطاريات عبر برامج تسليحية مختلفة، وفقاً لشركة "غوفيني" للتحليلات الدفاعية. وقالت تارا ميرفي دوهرتي، الرئيسة التنفيذية لـ"غوفيني"، خلال اجتماع حديث لكبار مسؤولي الدفاع والصناعة في كاليفورنيا: "الواقع صارخ للغاية. هناك أجزاء أجنبية في 100 في المئة من أنظمة أسلحتنا ومنصاتنا العسكرية".
وتفهم الصين أهمية هذه البطاريات. ففي 9 أكتوبر/ تشرين الأول الفائت، ومع تصاعد النزاعات التجارية، هددت الصين بتقييد صادرات بعض أكثر تقنيات الليثيوم-أيون تقدماً لديها، بما في ذلك مكونات أساسية مثل أنودات وكاثودات الغرافيت.
معضلة أمام إدارة ترامب
وحسب نيويورك تايمز، فإن إدارة ترامب تواجه معضلة الآن، فقد أعلن الرئيس مع بدء ولايته الثانية انحيازه للوقود الأحفوري، وسخر من مبادرات الطاقة النظيفة التي اعتمدتها إدارة سلفه الديمقراطي جو بايدن، كذلك جمّدت إدارته في البداية مليارات الدولارات من المنح الفيدرالية التي أُقرت في عهد بايدن لتصنيع البطاريات، ووضعت البطاريات في خانة واحدة مع السيارات الكهربائية والمزارع الشمسية وتوربينات الرياح وغيرها من تقنيات الطاقة النظيفة التي سعى ترامب إلى التقليل من شأنها. وكان ترامب قد سخر من السيارات الكهربائية، واصفاً إياها بأنها "خدعة".
لكن في الآونة الأخيرة، بدأت الإدارة ترى تكنولوجيا البطاريات على أنها محورية لكثير من الأولويات التي تهتم بها، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والدفاع. وقال أكثر من اثني عشر من التنفيذيين في قطاع البطاريات وجماعات الضغط وخبراء عسكريين وغيرهم ممن هم على صلة بالإدارة، إن البيت الأبيض بات يُبدي اهتماماً متزايداً بتعزيز صناعة بطاريات محلية غير مرتبطة بالصين.
هيمنة صينية يصعب كسرها
وينقل تقرير لنيويورك تايمز عن خبراء قولهم إن بناء صناعة غير معتمدة على الصين سيكون بالغ الصعوبة. فالصين تهيمن على بطاريات فوسفات حديد الليثيوم (LFP)، المفضلة لكل من السيارات الكهربائية وأنظمة التخزين الثابتة للطاقة.
وفي عام 2024، أنتجت الصين 99 في المئة من خلايا LFP (بطاريات الليثيوم - أيون فوسفات) في العالم وأكثر من 90 في المئة من المكونات الرئيسية، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. وتمتد هذه الهيمنة إلى تكرير المواد الخام مثل الليثيوم والغرافيت، فضلاً عن المكونات الأساسية مثل الكاثودات والأنودات التي تحرك الإلكترونات داخل البطاريات.
وتملك الولايات المتحدة رواسب ليثيوم خاصة بها وشركات ناشئة في مجال البطاريات. لكن الخبراء يقولون إن المنافسة مع الشركات الصينية المدعومة بسخاء ستتطلب جهداً منسقاً ودعماً حكومياً. كذلك فإن تكرير المعادن الحيوية عملية خطرة، وقد تجعل المعايير البيئية الأميركية هذه العمليات أكثر كلفة بكثير مقارنة بالصين.
ويقدّر محللون أن الأمر سيستغرق ما لا يقل عن نصف عقد كي يتمكن المصنعون الأميركيون من إنتاج ما يكفي من خلايا LFP لتلبية الطلب المحلي، ووقتاً أطول بكثير لبناء سلاسل توريد المكونات الأساسية.
وشبّه فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، اعتماد العالم على الصين، باعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي الروسي. وقال: "الاعتماد على دولة واحدة، أو مسار تجاري واحد، في سلعة أو تكنولوجيا استراتيجية، ينطوي دائماً على مخاطر".