استمع إلى الملخص
- من المتوقع أن تؤدي الاتفاقيات إلى زيادة حصة المنتجات الهندية في أسواق الخليج، مما يعزز قطاع اللوجستيات بنسبة 6-7% سنوياً ويفتح فرصاً في إدارة سلاسل التوريد والتجارة الإلكترونية.
- تعميق التعاون يعزز موقع الخليج كمحور تجاري عالمي ويدعم تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، مع فرص استثمارية ضخمة من الهند.
تقدم اتفاقيات التجارة الحرة المرتقبة بين الهند وكل من السعودية وسلطنة عُمان مؤشراً على تحول اقتصادي يؤثر مباشرة بأسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية التي يستوردها المواطن الخليجي من الهند، عبر تذليل العقبات التجارية وتسهيل التبادل الاقتصادي، ما سلط الضوء على فرص العمل الجديدة التي يمكن أن تتاح للشباب الخليجي في قطاعي الاستيراد والتوزيع، نتيجة لتسهيل التجارة مع الهند، والتوقعات بشأن احتمال أن تشهد دول الخليج موجة جديدة من الهجرة العمالية الهندية.
ولا تزال المفاوضات لإبرام الاتفاق التجاري الحر والشامل بين السعودية وعمان والهند جارية، وتقترب من مرحلة التوقيع النهائي، وتستهدف تخفيض الرسوم الجمركية، وإزالة القيود أمام حركة رؤوس الأموال والاستثمار، وكذلك تعزيز تنقّل العمالة الماهرة وغير الماهرة، مما يفتح أبواباً جديدة للتكامل الإنتاجي والخدمي، بحسب تقرير نشرته منصة ستيل نتوورك، المتخصصة في أخبار صناعة الحديد والصلب والأسواق المرتبطة بها.
وتشمل المفاوضات، حسب التقرير ذاته، خفض أو إلغاء الرسوم الجمركية على نحو 80 إلى 98% من السلع الهندية، ما سيدعم توسيع حصة المنتجات الهندية في أسواق الخليج، مع توقع انخفاض ملحوظ في أسعار هذه السلع، بسبب تقليل التكاليف الجمركية، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد.
وإزاء ذلك، تشير تحليلات خبراء الغرف التجارية الأميركية والأوروبية إلى احتمال زيادة ملموسة في تدفقات العمالة الهندية إلى دول الخليج نتيجة لتنامي حجم التجارة الاقتصادية الجديدة، حسب تقرير نشرته "تايمز أوف إنديا".
العمل وأنماط الهجرة
يؤكد عضو الجمعية الدولية لأبحاث السياسات الاقتصادية، فاتح بييكلي، لـ"العربي الجديد"، أن العلاقات التجارية بين الهند ودول الخليج تتجاوز كونها مجرد اتفاقات جمركية، لتتحول إلى محرك لخفض تكاليف المعيشة، وخلق فرص عمل جديدة، وإعادة تشكيل أنماط الهجرة في المنطقة.
ويوضح بييكلي أن الاعتماد الخليجي على الواردات الغذائية لا يزال مرتفعاً بشكل ملحوظ، حيث استوردت دول مجلس التعاون نحو 85% من احتياجاتها الغذائية عام 2024، مع ارتفاع نسبته إلى 90% للحبوب، وقرابة 100% للأرز، ما يجعلها واحدة من أكبر تكتل استيراد غذائي في العالم، بكمية بلغت 35.2 مليون طن.
وتظل الهند من أبرز ثلاث جهات توريد لدول الخليج، خاصة توريد الأرز والبهارات والبقوليات والشاي، ما يجعل أي تخفيض في الرسوم الجمركية، نتيجة الاتفاقات التجارية المزمعة، عاملاً لخفض فواتير الأسر الخليجية مباشرة، حسب بييكلي.
وحتى لو كان هذا التخفيض طفيفاً في سلعة كالأرز مثلاً، فإنه فعال إلى حد إحداث تأثير متسلسل عبر سلاسل التوريد، ما يخفف العبء عن الميزانيات المنزلية بدول مجلس التعاون، وفق تقدير بييكلي.
لكن التأثير لن يتوقف عند أسعار السلع، كما يوضح الخبير الاقتصادي، ففي عام 2023 بلغ حجم التجارة بين الهند ودول الخليج حوالي 174 مليار دولار، منها 83 مليار دولار واردات، و91 مليار دولار صادرات، وهي أرقام يتوقع بييكلي أن تشهد نمواً متسارعاً بمجرد دخول الاتفاقيات الجديدة حيز التنفيذ.
وهذا النمو من شأنه أن يولد طلباً غير مسبوق على البنية التحتية اللوجستية، مثل المستودعات الحديثة، وشبكات التبريد، والخدمات الجمركية المتطورة، وأنظمة التوزيع الإلكترونية، ما يرشح قطاع اللوجستيات في الخليج للنمو بنسبة 6–7% سنوياً خلال السنوات الخمس القادمة، بحسب تقدير بييكلي.
وهنا تكمن الفرصة الكبرى لشباب السعودية وسلطنة عمان على وجه الخصوص، حسب بييكلي، إذ تفتح هذه التطورات أبواباً واسعة أمامهم في إدارة سلاسل التوريد، والتجارة الإلكترونية، وتشغيل الموانئ، وتحليل البيانات اللوجستية.
أما في مجال الهجرة، فيرى بييكلي أن التحول سيكون أكثر دقة وتركيباً من مجرد زيادة عدد العمال الهنود في دول الخليج، فالهند لديها حالياً أكثر من تسعة ملايين مقيم في الخليج، تمثل أكبر جالية أجنبية في المنطقة، لكن تركيبتها تتغير.
فبينما كانت العمالة الهندية تقليدياً مركزة في قطاعات البناء والخدمات، فإن تحرير التجارة، بالتزامن مع إصلاحات التأشيرات القائمة على المهارات في الإمارات والسعودية، يقود إلى زيادة الطلب على الكفاءات المتوسطة والعالية، مثل المحللين اللوجستيين ومراقبي الجودة ومتخصصي تكنولوجيا المعلومات، وبالتالي "لن يكون التغيير في الكمية، بل في النوعية"، حسبما يرى بييكلي، حيث ينتقل الدور الهندي من كونه عاملاً رقمياً إلى "شريك استراتيجي" في الاقتصاد الخليجي.
حليف طويل الأمد مع الخليج
في السياق، يشير الخبير الاقتصادي، نهاد إسماعيل، لـ"العربي الجديد"، إلى أن تعميق التعاون السعودي والعماني مع الهند يرتبط بموقع منطقة الخليج العربي على ممرات تجارية عالمية حيوية كمضيق هرمز وباب المندب، ما يجعل دولها محوراً لا غنى عنها في حركة التجارة الدولية، ومع امتلاكها صناديق استثمارية تتجاوز قيمتها الإجمالية التريليون دولار تشكّل رافعة أساسية لتحويل الثروة الطبيعية إلى استثمارات مستدامة.
فمع اتجاه السعودية وسلطنة عمان بوضوح نحو تنويع اقتصادهما وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، عبر الاستثمار في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا المتقدمة، يصبح التعاون مع اقتصاد صاعد مثل الهند أمراً منطقياً، حسب تقدير إسماعيل، لا سيما مع توقعات بأن تصبح الهند ثالث أكبر اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة والصين، وسوقاً ضخماً يمثل جاذبية استثمارية غير مسبوقة.
ويضيف إسماعيل أن الهند تسعى بجدية لتثبيت وجودها الاستراتيجي في الخليج، ليس شريكاً تجارياً فقط، بل حليفاً اقتصادياً طويل الأمد، وفي هذا السياق تبرز سلطنة عمان رغم حجمها الاقتصادي الأصغر مقارنة بالسعودية أو إيران بفضل موقعها الجغرافي المحوري، حيث يمر عبر مضيق هرمز أكثر من 20% من النفط العالمي المتجه لآسيا، وبذلك تصبح السلطنة بوابة طبيعية للهند نحو الأسواق الخليجية والعالمية، ما يعززه استضافة عمان خامس أكبر عدد من العاملين الهنود في الخارج، وهي نسبة تشهد نمواً مستمراً، ما يعزز الروابط الاجتماعية والاقتصادية بين البلدين.
وهنا يبين إسماعيل أن السعودية وعمان تستفيدان أيضاً من الخبرات الهندية المتقدمة في مجالات الفضاء والطب والطاقة النووية والاقتصاد الرقمي.
ويخلص إسماعيل إلى أن الاتفاق التجاري الحر مع الهند لن يخدم مصالح السعودية وعمان والهند فحسب، بل سيصب في مصلحة مجلس التعاون الخليجي ككل، وسيعزز قدرة الشركات على الوصول إلى أسواق جديدة، ويدعم قطاع الخدمات المالية بسيولة واستقرار أكبر، ويرفع مستوى رفاهية المستهلك، من خلال توفر سلع هندية ذات جودة عالية وأسعار تنافسية.