مصر: التضخم يهدأ رسمياً.. ونار الأسعار تحرق دخول المستهلكين

10 يناير 2026   |  آخر تحديث: 16:57 (توقيت القدس)
بائع في أحد المتاجر بحي السيدة زينب في القاهرة، 19 ديسمبر 2023 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تراجع التضخم في مصر إلى 10.3% في ديسمبر 2025 مقارنة بـ23.4% في ديسمبر 2024، لكن الاقتصاديين يرون أن هذا لا يعكس تحسنًا حقيقيًا في القوة الشرائية، حيث يظل الاستهلاك ضعيفًا والمبيعات متراجعة.
- رغم وفرة السلع الأساسية، إلا أن الأسعار لا تنخفض بسبب هوامش الربح وتكاليف التشغيل، مما يجعل تأثير انخفاض التضخم غير ملموس للمواطنين.
- ارتفاع تكلفة الأسمدة يهدد بعودة التضخم الزراعي، ويؤكد الخبراء على ضرورة خفض تكاليف الإنتاج ودعم الأسر لتحسين قدرتها الشرائية.

ما إن صدرت بيانات التضخم الرسمية بجهاز الإحصاء المصري أمس الجمعة مسجلة 264.2 نقطة بمؤشر المستهلكين، ومبينة تراجع التضخم في شهر ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى 10.3% مقابل 23.4% في ديسمبر 2024، حتى بدأت الحكومة الترويج لقدرتها بالانتصار على موجات الغلاء التاريخية التي اجتاحت الأسواق على مدار خمس سنوات متصلة، في ظل نجاحها في توفير السلع ومستلزمات الإنتاج في الأسواق، مع احتياطي في مخازن الدولة والشركات يكفي البلاد عدة أشهر، واستقرار سعر الصرف.

لكن هذه التصريحات يرد عليها اقتصاديون ينتمون إلى أطياف سياسية مختلفة برؤية تؤكد أن أرقام التراجع بالتضخم الرسمية ما زالت رقمية، وراءها حساباتها الورقية التي تعكس استقراراً هشاً في ظل ضعف القدرة الشرائية لمستهلكين أنهكتهم موجات الغلاء، وحدّت من قدرتهم على الاستهلاك، والتي ظهرت جلية في تراجع المبيعات للمنتجات بأنواعها كافة، وأبقت القطاعات الإنتاجية على حافة الركود مع قابلية موجات التضخم للصعود مع أول تغيير جديد في أسعار الطاقة أو سعر الصرف وتكلفة الإنتاج.

وقد أظهر بيان التضخم الشهري ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.1% في ديسمبر/كانون الأول مقارنة بنوفمبر/تشرين الثاني عام 2025، رغم تأثره بتراجع أسعار اللحوم والدواجن بنسبة 1.1%، والألبان والبيض بـ1.2%، والخضراوات بـ2%، والفواكه بـ1%، مشدداً على أن هذا التراجع يعكس تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار بسبب وفرة الإنتاج المتاح في الأسواق.

تكشف بيانات جهاز الإحصاء عن تراجع متواصل للتضخم خلال الربع الأخير من 2025، وهو ما تعتمد عليه الحكومة في خطابها المتفائل، حيث سجل في أكتوبر/تشرين الأول 2025 نحو 28%، ليصل إلى 42.5% في نوفمبر، وواصل انخفاضه في ديسمبر 2025 إلى 20.8%، بما يقارب 8% على أساس سنوي، أما على أساس شهري، فقد تباطأت معدلاته من نحو 2.7% في أكتوبر إلى 2.1% في نوفمبر و1.8% في ديسمبر 2025.

دعمت بيانات اتحاد الغرف التجارية التي أصدرها الاتحاد الأسبوع الماضي التفاؤل الحكومي، والتي أكد فيها توافر أرصدة ضخمة من السلع الأساسية في الصوامع ووزارة التموين ولدى كبار الموردين والموزعين، تكفي البلاد لفترات تمتد من أربعة أشهر إلى عام وشهرين، وعلى رأسها السكر والزيوت والأرز والفول المستورد والقمح والأسماك والدواجن، مع وجود شحنات ضخمة قيد التفريغ بالموانئ والمنافذ الجمركية، التي تزيد من أمان الإمداد المحلي من السلع القادمة من مصادر متعددة حول العالم، بما يقلل الضغط على المعروض السلعي داخل الأسواق، خاصة مع اقتراب ذروة الاستهلاك لدى المواطنين بحلول شهر رمضان بعد ستة أسابيع.

يرى اقتصاديون أن وفرة السلع في المخازن داخل البلاد أو وجودها في المنافذ الجمركية لا يعني أنها ستؤدي تلقائياً إلى انخفاض في الأسعار عند توافرها في منافذ التوزيع للجمهور، أو جيوب المواطنين، مؤكدين أن هوامش الربح والتوزيع وارتفاع تكاليف التشغيل والنقل تظل عوامل تضغط على السعر النهائي، مؤكدين أن أي هدوء في التضخم إذا لم يشعر به المواطن فلا معنى له إلا على الورق.

وقال خبير التمويل والاستثمار وائل النحاس لـ"العربي الجديد" إن التضخم ما زال هيكلياً وإن التراجع عنه "حسابي" جرى بفضل مقارنته بسنة الأساس العالية، عام 2024، حيث بلغ 40%، وليس بفضل تحسن القوة الشرائية.

كما أكد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن التراجع في بيانات التضخم لا تنعكس على حياة المواطن اليومية، لأن أسعار الخدمات الأساسية مثل الطاقة والتعليم والصحة والنقل لم تتراجع، وبالتالي لم يلمس المواطن تحسناً حقيقياً، مبيناً لـ"العربي الجديد" أن الأسواق خير شاهد على ذلك، حيث انخفضت أسعار الدواجن والبيض واللحوم لظروف متعلقة بقلة الاستهلاك وتفضيل المربين بيع إنتاجهم قبل انتهاء دورات التربية هرباً من زيادة التكاليف التي تشمل سعر الغاز والنقل، بينما صعدت الأسعار مع بداية الشهر الجاري بنحو 15%، مع ارتفاع معدلات الاستهلاك في فترة أعياد رأس السنة، والتي سيجرى رصدها في مؤشر التضخم لشهر يناير/كانون الثاني الجاري.

وفي تعليق له على صفحاته الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي، قال الخبير الاقتصادي هاني توفيق: "هناك فرق بين الانخفاض الصحي للتضخم الناتج عن زيادة الإنتاج الفعلي والانخفاض غير الصحي نتيجة ضعف الطلب وانكماش القوة الشرائية"، مشدداً على أن "الواقع المصري ينتمي إلى الفئة الثانية". 

وفي محادثة مع "العربي الجديد"، أشارت الخبيرة في شؤون الجمارك واللوجيستيات نادية المرشدي إلى أهمية الحذر في الأرقام التي يصدرها اتحاد الغرف التجارية والوزارات المختلفة حول رصيد الدولة من السلع والأغذية خاصة الواردة من الخارج، مؤكدة أن خبرتها الطويلة في إدارة اللوجستيات بالمنافذ المصرية تظهر عدم دقة البيانات التي ترصدها تلك الجهات، مع وجود تناقض في الأرقام والإحصاءات الرسمية من وزارة إلى أخرى، بل ومن إدارة إلى أخرى داخل الوزارة الواحدة.

تؤكد المرشدي أن غياب قاعدة موحدة للبيانات وتنافس الوزارات على إخفاء ما لديها من معلومات عن الجهات الأخرى، وخاصة العاملة في رصد وتحليل المعلومات داخل أجهزة الدولة والجهات الأكاديمية، يجعلنا نتشكك في صحة المعلومات التي تتحدث عن توافر مخزون ضخم يكفي البلاد من الأغذية ومستلزمات الإنتاج أشهراً طويلة، من دون رصد تحول إيجابي لتلك المنتجات على أسعار السلع بالأسواق.

وسط هذه الآراء المختلفة، جاء تحذير نقيب الفلاحين صدام أبو حسين من أن ارتفاع تكلفة الأسمدة - التي زادت بالأسواق خلال الأسبوعين الماضيين - تهدد بإعادة التضخم الزراعي في نهاية الدورة الزراعية الشتوية، مؤكداً في بيان وجهه لـ"العربي الجديد" أن استقرار اللحوم لا يعود إلى تحسن جوهري في الإنتاج، بل إلى تراجع الاستهلاك نتيجة ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، وأن عودة الطلب خلال الفترة المقبلة ستترجم فوراً إلى زيادات سعرية.

يشدد أبو حسين على ضرورة اتخاذ الحكومة قرارات عاجلة لخفض تكلفة الإنتاج بتقديم حوافز حقيقية للفلاحين والمزارعين، وضبط حلقات التوزيع لكسر الاحتكار في قطاع السلع الأساسية، والدعم الحقيقي للأسر، لدفع قدراتهم الشرائية المتراجعة بسبب زيادة التضخم الذي قفز بمعدلات جنونية أرهقت المواطنين، ولا نرى نهاية له على المدى القريب.

ويشير خبراء إلى أن تراجع أسعار السلع الأساسية على المستوى العالمي يأتي باعتياره أهم سبب في تراجع أسعارها محلياً، حيث تعتمد مصر على شراء نحو 90% من احتياجاتها من الزيوت من الخارج وبمتوسط 70% من احتياجاتها من الذرة والقمح والبقوليات والسكر والشاي والبن والألبان والأجبان واللحوم ومستلزمات الإنتاج الحيواني والداجني والزراعي.

وفقاً لمؤشر أسعار الغذاء الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو"، فقد ساهم تراجع مؤشر أسعار الغذاء في الربع الأخير من عام 2025 في تهدئة بعض الضغوط الدافعة للتضخم محلياً، خاصة مع تراجع أسعار الحبوب والزيوت النباتية والسكر. ويبين الخبراء أن التراجع على المستوى الدولي لم ينعكس بالكامل على السوق المصرية، بسبب ارتفاع تكاليف النقل والتخزين وتعدد حلقات التداول والأعباء الضريبية وضعف المنافسة في بعض القطاعات، لافتين إلى أن هذه الضغوط تجعل المستهلك المصري يدفع ثمناً أعلى في سوق لا تنقل مكاسب الخارج لتخفف عن المواطنين في الداخل، بينما يحرص المتحكمون فيه على رفع الأسعار بمجرد حدوث أي اهتزازات فيها عالمياً.

المساهمون