مصر وأرقام ويتكوف… معلومات مغلوطة أم رسائل تهديد؟

24 مارس 2025   |  آخر تحديث: 18:09 (توقيت القدس)
ستيف ويتكوف في الحديقة الشمالية للبيت الأبيض، 19 مارس 2025 (تشيب سوموديفيللا/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أثارت تصريحات ستيف ويتكوف جدلاً واسعاً بسبب وصفه لمصر بأنها دولة هشّة ومفلسة، مع تقديم أرقام مبالغ فيها حول البطالة والوضع المالي، مما أدى إلى انقسام بين المصريين حول دقة هذه الأرقام.
- يتساءل الكثيرون عن توقيت التصريحات وما إذا كانت تهدف للضغط على مصر في سياق سياسي أوسع، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، مع وجود شكوك حول نوايا الإدارة الأميركية.
- تطرح تصريحات ويتكوف تساؤلات حول استجابة الحكومة المصرية وضرورة تقديم رد رسمي يوضح موقف مصر الاقتصادي والسياسي وتفنيد محاولات الضغط أو الابتزاز.

يدرك مبعوث الرئيس الأميركي إلى منطقة الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، أكثر من غيره أن الأرقام التي عرضها بالنسبة لاقتصاد مصر مبالغ فيها، وأن مصر ورغم ظروفها الاقتصادية الصعبة وأزمتها المالية لم تتأخر في سداد قسط دين واحد حتى يصنِّفها على أنها مفلسة أو متعثرة، وأن معدلات البطالة لم تصل إلى النسبة العالية التي تحدث عنها، وإلا لاعتَبرنا أن نحو نصف الشباب المصري عاطل عن العمل، وهذا غير دقيق، وبالتالي يجب البحث عن تفسير آخر للأرقام التي أعلنها مبعوث ترامب إلى المنطقة.

قبل أيام، سكب، ستيف ويتكوف، الزيت على النار حينما راح يصف مصر بأنها دولة هشّة ومفلسة مهدّدة بالاضطرابات، وقدم معلومات بالغة القتامة عن وضع الاقتصاد المصري الصعب للغاية من وجهة نظره خاصة في جزيئتين، الأولى تتعلق بنسب البطالة بين الشباب، إذ قال إن "البيانات تشير إلى معدل بطالة ضخم، يبلغ نحو 45%، ولا يُمكن أن تستمر دولة هكذا"، والثانية حول الوضع المالي للدولة وتأكيده على أن مصر مفلسة على نحوٍ كبير وبحاجة إلى الكثير من الدعم والمساعدات الخارجية: و"إذا ما حصل شيء سيئ في مصر، فقد يدفعنا ذلك إلى الوراء... ولهذا علينا حل موضوع غزة".

تصريحات ويتكوف حادة جداً خاصة مع حديثه عن توقعات بسقوط الدولة ونظامها وانتشار الفوضى فيها على خلفية الأزمة الاقتصادية، كما أن التصريحات نكأت جراح المصريين

تصريحات ويتكوف حادة جداً خاصة مع حديثه عن توقعات بسقوط الدولة ونظامها وانتشار الفوضى فيها على خلفية الأزمة الاقتصادية، ولا تليق بمسؤول أميركي رفيع المستوى يعرف متانة العلاقات المصرية الأميركية، كما أن تلك التصريحات نكأت جراح المصريين الذين انقسموا كالعادة إلى فريقين، الأول ينفي بشدة تلك الأرقام، قائلاً إنها غير صحيحة سواء كانت عن وضع الاقتصاد أو نسب البطالة التي لا تزيد عن 6% وفق الأرقام الرسمية، وإنّ التصريحات تضمنت نوعاً من الابتزاز والترهيب والتحذيرات المبطنة لمصر، بهدف الضغط عليها لتقبل التهجير القسري للفلسطينيين وتوطينهم في سيناء، ولا تقف في مواجهة محاولات تصفية القضية الفلسطينية، وإنّ مصر تمتلك مناعة قوية وقدرة على الصمود ومواجهة التحديات، وإنّ نظام الحكم مستقر وراسخ وفق تأكيدات هذا الفريق الأول.

أما الفريق الثاني فيتفق إلى حدٍ ما مع ما قاله المسؤول الأميركي من ناحية الأرقام، سواء على مستوى معدلات البطالة المرتفعة بين الشباب، أو على مستوى الوضع المالي المعقد الذي يظهر جلياً في ضخامة أرقام الدين العام سواء الداخلي أو الخارجي، واندفاع الحكومة نحو بيع أصول الدولة الاستراتيجية والحصول على مزيد من القروض لسداد أعباء الديون الخارجية التي تزيد قيمتها الإجمالية عن 155 مليار دولار، وتهاوي الجنيه المصري وتآكل مدّخرات المصريين وانهيار الطبقة الوسطى.

كما يُذًكّر هذا الفريق بتعمق أزمة مصر الاقتصادية، وتردي الأحوال المعيشية للمواطن، وقفزات معدلات التضخم والفقر والبطالة، وزيادة أسعار السلع الرئيسية والضرائب وفواتير النفع العام من كهرباء ومياه ومواصلات عامة واتصالات وطرق ورسوم حكومية، وتوجيه موارد الدولة إمّا لسداد فاتورة الدين العام أو استكمال مشروعات العاصمة الإدارية، وانهيار الطبقة الوسطى وغيرها.

وبغض النظر عن رأي الفريقين فإنه يجب التعامل مع تصريحات ويتكوف بشيء من التشكّك والحذر، ليس على مستوى الأرقام المتعلقة بالبطالة والوضع المالي للدولة فحسب، لكن على مستويات عدّة، الأول هو التوقيت، وهنا يقفز السؤال: لماذا تلك التصريحات الحادة من المسؤول الأميركي الرفيع بشأن الاقتصاد المصري في هذا الوقت بالذات؟

هل تذكّر ويتكوف فجأة أن مصر تعاني من أزمة اقتصادية ومعيشية ومالية حادة، وأن ملايين الشباب لا يجدون فرصة عمل مناسبة، وأنه بدلاً من توفير الحكومة فرص عمل للخريجيين الجدد راحت تبعثر أموال الدولة على أعباء ديون ضخمة لا يعرف المواطن عنها شيئاً، وعلى مشروعات لا تمثل قيمة حقيقة للاقتصاد.

هل طرح ويتكوف خطة عمل لمساعدة مصر على تجاوز أزمتها الاقتصادية دون إغراقها في مزيد من الديون والارتهان للمؤسسات المالية، أم راح يهدّد مصر ويبتزها بوقف المساعدات الأميركية؟

هل طرح ويتكوف خطة عمل لمساعدة مصر على تجاوز أزمتها الاقتصادية والمالية دون إغراقها في مزيد من الديون والارتهان للمؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد وغيره، أم راح، هو وفريقه من إدارة ترامب، يهدّد مصر ويبتزها بوقف المساعدات الأميركية التي تتجاوز ملياري دولار سنوياً؟

فليكشف لنا مبعوث الرئيس الأميركي إلى منطقة الشرق الأوسط عن الدور الخبيث الذي تمارسه الإدارة الأميركية أحياناً داخل أروقة صندوق النقد الدولي من الضغط على الحكومة المصرية لتنفيذ إجراءات تقشفية حادة بحق المواطن مقابل الإفراج عن شرائح قرض الصندوق، علماً بأن الولايات المتحدة هي المساهم الأكبر في رأس مال الصندوق وتسيطر على دوائر صنع القرار فيه.

والمستوى الثاني يرتبط بمغزى تصريحات ويتكوف، وما إذا كانت بمثابة رسالة تحذير للقيادة السياسية في مصر، خاصة وأن حديثه يوحي بأن الدولة المصرية هشة ومفلسة، وأن استقرارها مرتبط بغزة أو غيرها، وأن مصلحة مصر تجبرها على قبول تهجير الفلسطينيين إلى أراضيها، وإذا لم تكن كذلك، فلِمَ صمتُ القيادة المصرية على تلك التصريحات المستفزة؟

أما المستوى الثالث فينطلق من أنه إذا كانت تصريحات ويتكوف غير صحيحة ومغرضة وتضمنت نوعاً من الابتزاز والترهيب لمصر لتقبل تهجير أهالي غزة كما يقول الرافضون لها، فلماذا لا يخرج علينا مسؤول مصري رفيع سواءً من مؤسسة الرئاسة أو وزارة الخارجية ليرد عليها ويؤكد بالأرقام متانة الاقتصاد المصري وقدرته على سداد أعباء الدين الخارجي، وأن مصر لم تتخلّف عن سداد قسط واحد من تلك الأعباء، وأنّ الدولة ليست بحاجة إلى المساعدات الأميركية أصلاً، وأن التصريحات في مجملِها بهدف الابتزاز والضغط على مصر وتشويه صورتها ليسَ إلّا، والمطلوب هو تنفيذ خطة ترامب بشأن التهجير.

بشكل عام وفي تلك المسائل الحساسة لا يجب الاكتفاء بالإيعاز لإعلاميين محسوبين على السلطة الحاكمة بتوجيه الشتائم للمسؤول الأميركي، أو بالخروج علينا قائلين عن تلك التصريحات "يبلّها ويشرب ميّتها"، وإنّ مصر تملك ثاني أقوى اقتصاد في أفريقيا، وثاني أضخم اقتصاد عربي، فهذا استهزاء بالمصريين قبل الاستهزاء بتصريحات ويتكوف نفسه؛ لأن المصريين يعيشون واقعاً اقتصادياً صعباً لا ينكره إلا مكابر أو مَن يريد أن يعيش داخل "مية البطيخ".

المساهمون