منظمة "ذا سنتري" الدولية: تورط إماراتي في تهريب ذهب السودان واستقدام مقاتلين أجانب لـ"الدعم"

07 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 05:57 (توقيت القدس)
عامل منجم يراقب شاحنة تُفرّغ حمولتها للتنقيب عن الذهب في السودان (أشرف شاذلي/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- كشفت وثائق عن شبكة معقدة تضم شركات وأفراد في الإمارات متورطين في تهريب ذهب السودان وتجنيد مرتزقة كولومبيين لدعم قوات الدعم السريع في دارفور، بما في ذلك شركة "الخدمات الأمنية العالمية" المملوكة لمحمد حمدان حسن الجلاف الزعابي.

- تُثير علاقات "الخدمات الأمنية العالمية" مع جهات حكومية إماراتية تساؤلات حول علم السلطات الإماراتية بنشاطها في السودان، خاصة مع وجود علاقات بين الزعابي وأحمد محمد الحميري.

- يُستخدم الذهب المهرب من دارفور كمصدر رئيسي لتمويل قوات الدعم السريع، حيث يُباع في دبي بطرق تخفي منشأه، مما يساهم في تمويل الفظائع في دارفور.

في كواليس الحرب السودانية حيث أحكمت قوات الدعم السريع سيطرتها على إقليم دارفور، تسير خيوط التمويل والتجنيد في مسارات سرّية تتجاوز حدود الإقليم إلى قلب مراكز المال والنفوذ في المنطقة.

وثائق سرّية وتحقيقات حصلت عليها "العربي الجديد" تكشف عن اتهامات لشبكة معقدة من الشركات والأفراد داخل دولة الإمارات العربية المتحدة، تتولى تهريب ذهب السودان وشراءه وتجنيد مرتزقة كولومبيين، في منظومة تتدفّق عبرها الأموال والسلاح لتغذية حرب تُتَّهَم فيها قوات الدعم السريع بارتكاب فظائع وتطهير عرقي.

شراكات مع الإمارات

في مراسلات خاصة مع "العربي الجديد"، يقول الصحافي المحقّق في منظمة "ذا سنتري" الدولية (مقرها واشنطن والمتخصصة في تتبّع تمويل النزاعات)، نيك دونوفان، إن تحقيق المنظمة الذي اطّلعت عليه "العربي الجديد"، قبل رفع حظر النشر عنه، يكشف أنّ شركة "الخدمات الأمنية العالمية" GSSG، التي يملكها رجل الأعمال الإماراتي محمد حمدان حسن الجلاف الزعابي، والذي يرتبط بعلاقة شراكة وثيقة مع الأمين العام لديوان الرئاسة الإماراتية أحمد محمد الحميري، تعاقدت مع وكالة خاصة لتجنيد جنود سابقين من كولومبيا، نُقل كثير منهم إلى دارفور للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع. بعض هؤلاء أطلقوا على أنفسهم اسم "ذئاب الصحراء".

اقتصاد الناس
التحديثات الحية

وتتضمن عقود التوظيف شروطا سرية مشددة، تفرضها الشركة على الموظفين والمقاتلين المجنّدين. وتنصّ هذه العقود بوضوح على حظر الإدلاء بأي تصريحات للإعلام أو المنافسين بشأن طبيعة العمل أو العمليات العسكرية التي يُرسَل فيها المقاتلون، كما تفرض عليهم تسليم جميع المعدات والوثائق وإتلاف أي مواد رقمية لديهم فور انتهاء خدمتهم. وتشير البنود أيضًا إلى إمكانية ملاحقة المجنّدين قضائيًا داخل أو خارج الإمارات في حال كشفهم أي تفاصيل تتعلق بدور الشركة أو الجهات المتعاملة معها، ما يعكس سرّية استثنائية تتجاوز طبيعة عقود الأمن التجاري إلى مظلة أقرب للتكليف العسكري.

دور رسمي أم مبادرة خاصة؟

تُعرّف "الخدمات الأمنية العالمية" نفسها بأنها المورّد الأمني المسلّح الحصري لجهات حكومية داخل الإمارات، بما في ذلك وزارات سيادية، ما يفتح باب الشكّ حول حدود العلم والرقابة الرسمية على نشاطها في السودان.

فوجود الأمين العام لديوان الرئاسة أعلى مسؤول إداري في الدولة، أحمد محمد الحميري، شريكاً مؤسِّساً ولاحقًا مستثمراً في شركات أمنية مرتبطة بالزعابي، يجعل هذه الصلة أكثر قربًا من هرم السلطة. ورغم النفي الإماراتي المتكرر لأي دعم لقوات الدعم السريع، فإنّ تشابك المصالح الأمنيّة والتجارية بين الزعابي والحميري، واستمرار عمل شبكة تجنيد المرتزقة وتمويلها، يطرحان تساؤلات مشروعة، حسب تحليل الوثائق التي اطّلعت عليها "العربي الجديد" عبر منظمة "ذا سنتري" حول ما إذا كان الأمر مبادرة تجارية خاصة أم أنه يتمّ بدرجة ما من القبول أو التغاضي الرسمي.

وتوصي "ذا سنتري" بأن تجري الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تحقيقات عاجلة، قد تفضي إلى فرض عقوبات على الأفراد والشركات الضالعة في توريد المرتزقة، إذا ثبت أنها تعزّز قدرة قوات الدعم السريع على ارتكاب انتهاكاتها في السودان.
ويشغل الحميري منصبًا داخل الدولة يعادل من حيث النفوذ "كبير موظفي البيت الأبيض" في الولايات المتحدة، ما يرفع بحسب دونوفان، مستوى الحساسية السياسية للتعاون المالي بينه وبين الزعابي. ويضيف دونوفان أنّ هذه المعلومات كانت خاضعة لحظر نشر دولي حتى الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ما يعكس خطورتها من منظور محاسبي وسياسي.

ذهب دارفور… شريان مالي

يربط دونوفان بين هذا التعاون وبين نشاط مالي سريّ تتولاه شبكات قريبة من قوات الدعم السريع. ويقول لـ "العربي الجديد" إن واجهات تجارية مرتبطة بالمليشيا أنشأت ما لا يقل عن أربع شركات لشراء الذهب داخل الإمارات، وإن إحدى هذه الشركات امتلكت حسابًا مصرفيًا خاضعًا لإدارة القوني حمدان دقلو، شقيق قائد قوات الدعم السريع حميدتي والمسؤول عن التوريد. هذه الشركات أُغلِقت بعد كشف عملها، غير أنّ تمويل الحرب لم يتوقف.

فحسب دونوفان، تستمر قوات الدعم السريع في تهريب الذهب من دارفور، مرورًا بتشاد وجنوب السودان وكينيا، ليصل إلى دبي حيث يُباع عبر شركات مشابهة تعمل بطرق تُخفي المنشأ الحقيقي للذهب. هذا يعني، حسب خبير التحقيق أنّ "الذهب المسروق من السودان ما زال حتى الآن يمثّل محفظة الحرب الأخطر لدى قوات الدعم السريع".
وكان السفير السوداني لدى الأمم المتحدة، حسن حامد، قد اتهم الإمارات بتزويد قوات الدعم السريع بالسلاح والتمويل، ودعا المجتمع الدولي للتحرك الفوري لوقف ما وصفه بالإمدادات العسكرية التي تفاقم الانتهاكات في السودان وسط مخاوف من انقسام البلاد وكارثة إنسانية. وطالب السفير السوداني، يوم الثلاثاء الماضي، المجتمع الدولي بزيادة الضغط على الإمارات، متهما إياها بتقديم دعم مباشر لقوات الدعم السريع في الحرب المدمرة التي يشهدها السودان.

"المعدن الأصفر يمول الفظائع"

تشدّد كبيرة المستشارين في منظمة "ذا سنتري"، ساشا ليجنيف، في تصريحٍ لـ"العربي الجديد" على أنّ "ذهب الصراع يواصل تمويل الفظائع التي ترتكبها قوات الدعم السريع، قبل أن يتدفّق إلى الأسواق الدولية، وخصوصًا عبر دولة الإمارات".

وتدعو ليجنيف السلطات البريطانية إلى "التحقيق العاجل وفرض عقوبات على الشبكات الإماراتية وغيرها من الشركات التي تشتري الذهب غير المشروع من قوات الدعم السريع".

كما تحثّ لندن على "العمل مع الجمارك الإماراتية لتعقّب حركة هذا الذهب"، وعلى تفعيل الشراكة الجديدة بين القطاعين العام والخاص في المملكة المتحدة بشأن الذهب غير المشروع، لضمان التزام الإمارات ومراكز سبائك الذهب العالمية الأخرى بمعايير العناية الواجبة وفرضها بصرامة، لوقف تدفّق ذهب الصراع.

ذهب يدخل النظام التجاري العالمي

تشير تقارير دولية موثوق بها إلى اتساع اقتصاد الحرب. فبحسب تقديرات "سوس إيد" المنشورة في صحيفة الـ "فايننشال تايمز" في يونيو/حزيران 2025، أنتج السودان 80 طناً من الذهب بقيمة تتجاوز 6 مليارات دولار عام 2024، يهرب نصفها على الأقل خارج البلاد.
بدوره، يؤكد معهد "تشاتم هاوس" في تقرير "الذهب والحرب في السودان"، الصادر في مارس/آذار 2025 أنّ الذهب المهرّب يُصفّى داخل الإمارات ثم يُدمج بسبائك أخرى ليُطرح في الأسواق الدولية دون بصمته السودانية.

ويلفت إلى أنّ الجيش السوداني لجأ منذ بداية الحرب إلى تمرير شحنات الذهب عبر الأراضي المصرية، لتجنّب المعابر التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع. وبعد خروج الذهب من السودان، يُعاد توجيه جزء من هذه الشحنات عبر قنوات تجارية يصعب تتبّعها، ما يجعل مصر حلقة وسيطة في شبكة الإمداد العابرة للحدود، دون أن يشير التقرير إلى وجهته النهائية أو المستفيدين منها.
أما تقرير "ذهب مقابل رصاص" الصادر عن منظمة «سي فور إيه دي إس» في مايو/أيار 2025، فيلفت إلى ثغرات في أنظمة تتبّع المنشأ تسمح للذهب المستخرج من مناطق النزاع بأن يُصفّى ويُعاد دمجه داخل الإمارات، فتُمحى هويته الأصلية، يصبح قابلًا للدخول في سلاسل توريد دولية قد تُسعَّر وفق معايير سوق لندن للسبائك، من دون توفر أدلة قاطعة على مسار شحنات محددة نحو المملكة المتحدة. وهكذا قد يلمع الذهب في البورصات بينما يحمل في جوفه آثار حرب دارفور.

المساهمون