استمع إلى الملخص
- تسعى الحكومة العراقية لحلول عاجلة تشمل استثمار الغاز المحلي والطاقة المتجددة، مع خطط لوقف حرق الغاز بحلول 2028، وتعزيز البنية التحتية في قطاع النفط.
- تتضمن الحلول المؤقتة استخدام الوقود البديل وتحويل المحطات، مع مشاريع طويلة الأمد مثل استيراد الغاز المسال والربط الكهربائي الإقليمي.
دخلت أزمة الطاقة في العراق مرحلة أكثر تعقيداً، مع إعلان وزارة الكهرباء السبت الماضي عدم وجود مؤشرات قريبة على استئناف إمدادات الغاز الإيراني الذي يغطي ما بين 30 و40% من احتياجات البلاد من الغاز والوقود المستخدمين في تشغيل محطات الكهرباء.
ويأتي ذلك في وقت فقدت المنظومة الوطنية نحو 4500 إلى 5000 ميغاواط من قدرتها الإنتاجية، ما خفّض حجم الإنتاج المتاح إلى ما بين 18 ألف ميغاواط و18.5 ألفاً، مقابل حاجة فعلية تقترب من 40 ألف ميغاواط. هذا العجز الواسع انعكس مباشرة على ساعات التجهيز، وفرض ضغوطاً إضافية دفعت الحكومة العراقية إلى البحث عن معالجات عاجلة وحلول هيكلية تشمل الوقود البديل واستثمار الغاز المحلي والطاقة المتجددة، في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة.
إجراءات طويلة الأمد
وأكد رئيس مجلس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، أن الحكومة تتعامل مع تحديات ملف الطاقة من خلال مسارات متعددة، تشمل التوسع في استثمار الغاز المصاحب والغاز الحر وزيادة إنتاج الكهرباء، إلى جانب المضي بمشاريع الطاقة المتجددة، بما يضمن تأمين احتياجات البلاد وتحقيق التنمية المستدامة. وأوضح السوداني في بيان سابق، أن الحكومة قطعت شوطاً مهماً في إيقاف حرق الغاز، حيث تجاوزت النسبة 72%، مع خطة للوصول إلى الإيقاف الكامل بحلول عام 2028، فضلاً عن تنفيذ مشاريع بنى تحتية في قطاع النفط تعزز القدرة التصديرية وتنويع المنافذ. وأضاف أن العراق يمضي في حوارات مع شركات عالمية لتنفيذ مشاريع كبرى في مجالي النفط والطاقة، ويعمل على إنشاء منصة ثابتة لتأمين احتياجاته من الغاز عبر الاستيراد أو التصدير مستقبلاً، مؤكداً أن الاستقرار الحالي يجعل العراق بيئة جاذبة للاستثمار في قطاع الطاقة.
وفي السياق، قال وزير النفط العراقي حيان عبد الغني إن العراق يواصل التقدم في ملف استثمار الغاز الطبيعي، حيث ارتفعت نسبة الغاز المستثمر إلى نحو 74%، مؤكدًا أن الجهود مستمرة لوقف حرق الغاز بشكل كامل خلال السنوات المقبلة وتوجيهه لدعم تشغيل محطات الكهرباء وتقليل الاعتماد على الاستيراد. وأضاف أن الوزارة تعمل على توسيع مشاريع استثمار الغاز المصاحب والغاز الحر بالتعاون مع شركات عالمية، بما يسهم في تعزيز أمن الطاقة ومعالجة الاختناقات القائمة في قطاع الكهرباء.
تحديات تشغيلية بعد فقدان الغاز الإيراني
ورغم تأكيد الحكومة المضي في مسارات استراتيجية لمعالجة ملف الطاقة على المديين المتوسط والبعيد، إلا أن الواقع التشغيلي للمنظومة الكهربائية يكشف عن فجوة واضحة بين الخطط المعلنة والقدرة الفعلية على تلبية الطلب المتزايد. فغياب إمدادات الغاز المستورد أعاد ملف الطاقة إلى دائرة الضغط اليومي، حيث أكد المتحدث باسم وزارة الكهرباء، أحمد موسى، أن وزارته أمام تحديات تشغيلية آنية تتطلب حلولاً سريعة لتفادي اتساع فجوة التجهيز. وأفاد موسى خلال تصريحات أدلى بها لـ"العربي الجديد"، بأن المنظومة الكهربائية فقدت نحو 5000 ميغاواط من قدرتها الإنتاجية نتيجة التوقف الكامل لإمدادات الغاز المستورد، ولا سيما في المنطقتين الوسطى والجنوبية، مبينًا أن هذا التراجع تزامن مع انخفاض درجات الحرارة، ما زاد الضغط على الشبكة الكهربائية وقلّص المناورة التشغيلية خلال الفترة الحالية. كما أوضح موسى أن حجم الإنتاج الكلي المتاح حالياً يتراوح بين 18 و18.5 ألف ميغاواط، في وقت تبلغ الحاجة الفعلية للمنظومة قرابة 40 ألف ميغاواط، وهو ما يفسّر اتساع فجوة التجهيز.
وفي ما يتعلق بالمعالجات، أشار موسى إلى أن وزارته تعمل وفق عدة مسارات متوازية، تشمل تسريع إنجاز أعمال الصيانة للوحدات التوليدية المخطط دخولها الخدمة خلال موسم الصيف، والاستمرار بالتنسيق مع وزارة النفط لتأمين الوقود البديل للمحطات المتضررة، إلى جانب تنفيذ مناورات مدروسة على الأحمال لضمان استقرار المنظومة. وأضاف أن الوزارة تعتمد كذلك على الغاز المنتج محلياً في المحافظات التي تشهد استقراراً نسبياً، بهدف تقليل حجم الضرر، مع الاعتماد على الربط الكهربائي مع دول الجوار، فضلاً عن وجود اتفاقيات استراتيجية مع شركات عالمية لإنتاج أكثر من 60 ألف ميغاواط خلال الفترة القادمة. وأعرب موسى عن أمله بعودة إمدادات الغاز المستورد قريباً، من خلال استمرار التواصل مع الجانب الإيراني، بما يسهم في تحسين ساعات التجهيز وتقليل الضغوط على المنظومة خلال المرحلة المقبلة.
حلول مؤقتة ومخاطر متوقعة
وفي السياق نفسه، أكد رئيس مركز العراق للطاقة، فرات الموسوي، أن معالجة فجوة الطاقة الحالية تتطلب إجراءات تشغيلية دقيقة على المدى القصير، في مقدمتها تعظيم الاستفادة من المحطات العاملة بالوقود السائل ورفع معامل الجاهزية والكفاءة التشغيلية لها، بما يتيح إضافة أكثر من 1000 ميغاواط إلى المنظومة الكهربائية. وأوضح الموسوي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن هذا المسار يمكن دعمه بتعاقدات طارئة قصيرة الأجل لتأمين زيت الوقود والنفط الأسود عبر المنافذ البحرية والبرية لضمان استمرارية وديمومة تشغيل الطاقة الكهربائية وسد العجز.
وأشار إلى أن تحويل بعض محطات الدورة المركبة للعمل بالوقود السائل يمثل خياراً فنياً سريع التنفيذ، لكنه يترافق مع انخفاض كفاءة التوليد بنسبة قد تصل إلى 40%، وارتفاع كلف التشغيل، إضافة إلى زيادة الانبعاثات الكربونية مقارنة بالغاز الطبيعي. كما بيّن أن الحلول الهيكلية، مثل منصة استيراد الغاز المسال العائمة المتوقع إنجازها في حزيران المقبل، إلى جانب مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي والطاقة المتجددة، تمثل أدوات استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة، لكنها تحتاج إلى وقت للدخول الكامل إلى الخدمة.
من جانبه، أكد الخبير في مجال الطاقة كوفند شيرواني أن العراق يواجه مرحلة حساسة في ملف الطاقة نتيجة محدودية الخيارات المتاحة لتعويض نقص إمدادات الغاز، محذراً من أن استمرار الاعتماد على حلول مؤقتة سيزيد الأعباء الاقتصادية والبيئية على المدى المتوسط. وأوضح شيرواني لـ"العربي الجديد"، أن من بين المعالجات الأكثر واقعية الإسراع في تنفيذ مشاريع استثمار الغاز المصاحب وعزله والاستفادة منه في تشغيل محطات الكهرباء، إلى جانب الاستفادة الجزئية من كميات الغاز المنتج في حقول إقليم كردستان ضمن أطر فنية وتنظيمية واضحة. ولفت إلى أن اللجوء إلى تشغيل بعض المحطات باستخدام وقود بديل مثل الديزل أو النفط الأسود قد يساهم في سد فجوة مؤقتة، لكنه خيار مرتفع الكلفة ويؤدي إلى انخفاض كفاءة التوليد وزيادة الانبعاثات الملوثة. وأضاف أن التعجيل بإنشاء محطات للطاقة الشمسية يمثل مساراً عملياً لتخفيف جزء من العجز خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، مؤكداً أن مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي تظل داعمة، لكنها غير كافية لمعالجة جذور أزمة الطاقة في العراق.
ورغم تعدد الحلول المؤقتة والهيكلية، يبقى العراق أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تأمين الإمدادات العاجلة وتطوير البنية التحتية على المدى الطويل، بما يضمن استقرار الشبكة الكهربائية. وتشير التقديرات إلى أن الاستثمار في الغاز المصاحب والغاز الحر، إلى جانب تعزيز قدرات الطاقة المتجددة والربط الإقليمي، يمثل المفتاح لتقليل الاعتماد على الاستيراد الإيراني. ومع استمرار التنسيق بين وزارتي الكهرباء والنفط، والعمل مع شركات عالمية، يُتوقع أن تشهد السنوات المقبلة تحسناً تدريجياً في ساعات التجهيز وتقليص الفجوة بين الطلب والعرض، مع الحد من الأثر البيئي والتكلفة التشغيلية، ما يعزز قدرة العراق على مواجهة أي صدمات مستقبلية في قطاع الطاقة. كذلك فإن تطوير أنظمة مراقبة ذكية وإدارة الأحمال، واستغلال الموارد المحلية بشكل متوازن، يمكن أن يمنحا البلاد مرونة إضافية لمواجهة التقلبات المفاجئة في السوق الدولية، ويخلقا بيئة أكثر جذباً للاستثمارات في مشاريع الطاقة الحديثة.