أزمة "غروك" تتوسع... الذكاء الاصطناعي "يعرّي" العالم
استمع إلى الملخص
- أعلنت "غروك" أن إنشاء الصور سيقتصر على المشتركين المدفوعين، لكن خبراء الأمن السيبراني أكدوا أن الحلول الشكلية غير كافية لمعالجة الثغرات.
- اتخذت دول مثل بريطانيا والاتحاد الأوروبي إجراءات صارمة ضد "غروك"، بينما لم تصدر الولايات المتحدة بيانًا رسميًا، رغم قلق بعض المسؤولين من استخدام الذكاء الاصطناعي للتلاعب بالصور.
تحوّلت أداة الدردشة الذكية "غروك" المطوّرة من شركة إكس إيه آي التابعة لإيلون ماسك، والمندمجة في منصة إكس، إلى محور أزمة دولية متصاعدة، بعدما انكشفت قدرتها على توليد صور جنسية مُفبركة لنساء وقاصرين باستخدام أوامر نصيّة بسيطة، ما فجّر غضباً واسعاً من أوروبا إلى آسيا، ودفع حكومات وهيئات تنظيمية إلى فتح تحقيقات عاجلة، وتهديدات غير مسبوقة بإجراءات قانونية قد تصل إلى الحظر.
بدأت الأزمة حين اتّضح أن "غروك" تمكّن مستخدمي "إكس" من نزع ملابس النساء والقاصرين رقمياً، عبر أوامر مباشرة مثل "ألبسها بيكيني" أو "تخلص من ملابسها". وسرعان ما انتشرت صور مفبركة على المنصة، بما فيها صور لضحايا جريمة إطلاق النار في مينيابوليس، حيث استخدم البعض الأداة لتجريد الضحية من ملابسها في صور قديمة وصور لجثتها بعد الحادثة. وامتد التلاعب إلى امرأة أُخرى جرى التعريف بها خطأً على أنها الضحية، ما فاقم الغضب العام. وعلى الرغم من ذلك، فإن الصور المفبركة واصلت الانتشار على "إكس" ومنصّات أخرى.
في مواجهة الضجة، أعلن "غروك"، ليل الخميس، أن إنشاء الصور وتحريرها سيقتصر على المشتركين المدفوعين، وذلك عبر رسالة آلية داخل "إكس" دعت المستخدمين إلى الاشتراك للاستفادة من الميزة. لكن الخطوة اعتُبرت محاولة التفاف وليست معالجة للمشكلة الأساسية. ويرى خبراء الأمن السيبراني أن المشكلة لا تُحلّ بقيود شكلية. وقال كليف ستاينهاور، من التحالف الوطني للأمن السيبراني، لوكالة فرانس برس، إن حصر أدوات إنشاء الصور بالمشتركين "قد يحدّ من الانتشار، لكنه لا يعالج الثغرات التي سمحت بظهور المحتوى الجنسي وغير التوافقي". وأضاف: "المستخدمون ذوو النيات السيئة سيجدون طرق التفاف. الحماية الفاعلة تبدأ من تصميم الأداة وحوكمتها".
تحرّك أوروبي أوّل
دان مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الإجراء، قائلاً إنه "يحوّل ميزة تتيح إنتاج صور غير قانونية إلى خدمة مميزة مدفوعة"، ووصف ذلك بأنه "إهانة لضحايا العنف الجنسي، ويعكس كراهية للنساء". وزيرة التكنولوجيا ليز كيندال ذهبت أبعد، وأشارت إلى أن الصور التي أنشأها برنامج غروك "صادمة وغير مقبولة"، ودعت إلى إجراءات أكثر صرامة. وأعلنت دعمها الكامل لهيئة الاتصالات البريطانية "أوفكوم" إذا قررت اتخاذ إجراءات قد تصل إلى حظر "إكس" في المملكة المتحدة. وقالت كيندال: "لا يمكننا ولن نسمح بنشر هذه الصور المهينة والمذلة التي تستهدف النساء والفتيات". وأضافت أن "التلاعب الجنسي بصور النساء والأطفال أمر حقير وكريه".
بدورها، أعلنت هيئة أوفكوم، الاثنين الماضي، أنها أجرت "اتصالاً عاجلاً" مع "إكس" و"إكس إيه آي" بشأن الالتزام بالقوانين، ثم أكدت أنها تلقّت رداً من الشركتين وأنها تُجري "تقييماً معجّلاً كمسألة طارئة". إنشاء أو مشاركة صور حميمة من دون موافقة أصحابها، أو مواد تتعلق بإساءة معاملة الأطفال، بما في ذلك الصور الجنسية فائقة الواقعية المُنتَجة بالذكاء الاصطناعي، تعدّ فعلاً غير قانوني في بريطانيا. إضافة إلى ذلك، تلتزم المنصات التقنية باتخاذ خطوات تمنع المستخدمين في بريطانيا من الوصول إلى المحتوى غير القانوني، وبإزالته فور علمها بوجوده.
وفي بروكسل، اعتبر المتحدث باسم الشؤون الرقمية في الاتحاد الأوروبي، توماس رينييه، أن تقييد الخاصية للمشتركين "لا يغيّر جوهر المشكلة"، وأضاف: "لا نريد رؤية صوراً كهذه، الأمر بهذه البساطة". ودعا المنصات إلى تصميم أنظمة تمنع بالأساس إنتاج المحتوى غير القانوني. وفي خطوة استثنائية، فرضت المفوضية الأوروبية، الخميس، إجراء احترازياً على "إكس"، وأصدرت "أمر حفظ"، وهو إجراء قانوني يُلزم شركة إكس بـ"الاحتفاظ بكل وثائقها الداخلية المتعلقة بأداة غروك حتى نهاية عام 2026"، على ما قال متحدث باسم المفوضية في تصريحات صحافية.
وجاءت تصريحات المسؤولين في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا بعدما أحال وزراء في فرنسا منصة إكس إلى النيابة العامة والجهات التنظيمية، على خلفية الصور، قائلين في بيان يوم الجمعة إن المحتوى "الجنسي والتمييز الجنسي" الذي ظهر على المنصة "غير قانوني بشكل واضح". ودعا وزير الإعلام الألماني وولفغانغ فايمر، الثلاثاء الماضي، المفوضية الأوروبية إلى اتخاذ خطوات قانونية، قائلاً إنّ القواعد الأوروبية توفر أدوات لمعالجة المحتوى غير القانوني، وحذّر من أن المشكلة قد تتحول إلى "تصنيع للتحرش الجنسي على نطاق واسع". وحذّرت هيئة حماية البيانات الإيطالية، الخميس الماضي، من أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور مزيفة تُظهر "نزع الملابس" عن أشخاص حقيقيين من دون موافقتهم قد يشكل انتهاكاً خطيراً للخصوصية وقد يرقى في بعض الحالات إلى جرائم جنائية. ودان سياسيون سويديون، خلال اليوم نفسه، المحتوى الجنسي الناتج عن "التعرية الرقمية" الذي أنشأه "غروك"، بعدما تبيّن أن صوراً متعلقة بنائبة رئيس الوزراء السويدية جرى توليدها استجابة لأمر من أحد المستخدمين.
الإجراءات ضد "غروك" تمتد عالمياً
في سابقة عالمية، أعلنت إندونيسيا، أمس السبت، حظر "غروك" مؤقتاً، بسبب مخاطر المحتوى الإباحي المُولّد بالذكاء الاصطناعي. وقالت وزيرة الاتصالات الرقمية، ميوتیا حافيد، إن "الصور الجنسية المولدة من دون إذن صاحبها انتهاك خطير لحقوق الإنسان وكرامة المواطنين". واستدعت الوزارة ممثلي "إكس" لجلسة مساءلة. إندونيسيا، التي تضم أكبر عدد من المسلمين في العالم، تفرض قواعد صارمة تحظر نشر أي محتوى يُعد فاضحاً عبر الإنترنت.
ويوم الجمعة، أمرت السلطات الهندية منصة إكس بإزالة المحتوى ذي الطابع الجنسي، والتضييق على المستخدمين المخالفين، وتقديم "تقرير بالإجراءات المتخذة" خلال 72 ساعة، تحت طائلة العواقب القانونية، وفقاً لوسائل إعلام محلية. وفي 3 يناير/كانون الثاني الحالي، أعربت هيئة الاتصالات والوسائط المتعددة الماليزية عن "قلقٍ بالغ"، إزاء الشكاوى العامة المتعلقة بمحتوى "فاحش ومسيء بشكل صارخ" على منصة إكس، مشيرةً إلى أنها تحقق في الانتهاكات وستستدعي ممثلي الشركة. وكانت المحامية الماليزية، أزيرا عزيز، أعربت عن صدمتها بعدما طلب مستخدم، يُعتقد أنه في الفيليبين، من "غروك" إلباسها بيكيني في إحدى صورها. وقالت عزيز لوكالة فرانس برس إنّ "الاستخدام البريء أو المرح للذكاء الاصطناعي، مثل وضع نظارات شمسية على صور شخصيات عامة، أمرٌ مقبول". وأضافت: "لكن العنف القائم على النوع الاجتماعي، الذي يُسخّر الذكاء الاصطناعي ضد نساء وأطفال من دون موافقتهم، يجب أن يُواجَه بحزم"، داعيةً المستخدمين إلى الإبلاغ عن الانتهاكات لدى منصة إكس والسلطات الماليزية.
وأكدت هيئة السلامة الإلكترونية الأسترالية، الأربعاء الماضي، أنها تحقق في الصور وتقيّم المحتوى الخاص بالبالغين ضمن برنامجها لمكافحة الإساءة القائمة على الصور، مشيرة إلى أن الأمثلة المتعلقة بالأطفال التي راجعتها حتى الآن لا ترقى إلى مستوى "محتوى إساءة معاملة الأطفال" وفق القانون الأسترالي. وذكر متحدث باسم الهيئة أنها "منذ أواخر عام 2025 تلقت بلاغات عدة تتعلق باستخدام غروك لإنتاج صور جنسية من دون موافقة أصحابها". وأضاف: "تتعلق بعض البلاغات بصور بالغين، وتُقيَّم ضمن برنامجنا لمكافحة الإساءة القائمة على الصور، بينما تتعلق بلاغات أخرى بمواد محتملة لاستغلال الأطفال، وتُقيَّم ضمن برنامج المحتوى غير القانوني أو المقيّد".
الموقف الأميركي
بدت الولايات المتحدة غائبة إلى حدّ كبير عن موجة الإجراءات التنظيمية العالمية ضد "غروك"، إذ لم تُصدر أي جهة فيدرالية أي بيان أو توجيه بشأن الفضيحة، رغم أن المنصّة نفسها أميركية وتستهدف سوقاً داخلية واسعة. وينسجم هذا التريّث مع نهج واشنطن التقليدي المتحفظ تجاه تنظيم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ومع شبكة العلاقات المعقدة التي تربط الإدارة الأميركية الحالية بإيلون ماسك، أحد أبرز الفاعلين في قطاعات الفضاء والاتصالات والبنى التحتية الدفاعية من خلال عقود حكومية واسعة لشركتَي "سبايس إكس" و"ستارلينك".
غير أن نائب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لامي كشف لصحيفة ذا غارديان، أمس السبت، أنه أثار قضية "غروك" مباشرة مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال لقائهما في واشنطن. وبحسب لامي، وصف فانس استخدام الذكاء الاصطناعي للتلاعب بصور النساء والأطفال بأنه "غير مقبول"، وأبدى قلقاً بالغاً من انتشار ما سمّاه "فيضاً بورنوغرافياً مشوّهاً" عبر هذه الأدوات. وأضاف لامي أن فانس كان "متعاطفاً للغاية" مع الموقف البريطاني، وأنه يدرك خطورة السماح لتقنيات الذكاء الاصطناعي بإنتاج صور جنسية مفبركة تستهدف النساء والأطفال من دون موافقتهم. ويمثّل هذا التصريح أول إدانة صريحة تصدر عن مسؤول بارز في الإدارة الأميركية، وإن لم تُترجم بعد إلى بيان رسمي أو إجراء تنظيمي.
وفي موازاة ذلك، وجّه ثلاثة سيناتورات ديمقراطيون رسالة رسمية إلى شركتَي آبل وغوغل، الجمعة، يطالبون فيها بإزالة "إكس" و"غروك" من متجري التطبيقات إلى حين معالجة الانتهاكات. واتّهم السيناتورات المنصّة بالسماح بانتشار صور جنسية غير توافقية لنساء وقاصرين، مؤكدين أن هذا السلوك "ينتهك صراحة شروط الخدمة لدى شركتَي آبل وغوغل التي تحظر المحتوى الجنسي، لا سيما ما يتعلق باستغلال الأطفال".