أزهار شنغهاي: عودة وونغ كار واي الذهبية

21 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:00 (توقيت القدس)
أمام ملصق الملسلسل في شنغهاي (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- وُلد وونغ كار واي في شنغهاي وحقق نجاحاً كبيراً في الصين بمسلسله "أزهار شنغهاي"، الذي عُرض بين ديسمبر 2023 ويناير 2024، لكنه واجه تحديات في التسويق الدولي حتى توفر على منصة موبي بعد عام ونصف.
- تدور أحداث المسلسل في شنغهاي خلال التسعينيات، مسلطاً الضوء على النمو الاقتصادي وتورط الشخصية الرئيسية، أباو، مع أربع نساء، مما يعكس تأثير الثروة والاقتصاد الرأسمالي.
- يتميز المسلسل بأسلوب وونغ السينمائي المعروف، مع تصميم إنتاجي وموسيقى مميزة، رغم بعض الانتقادات حول الطابع الدرامي المبتذل.

طوّر وونغ كار واي (1958) جزءاً كبيراً من مسيرته المهنية في هونغ كونغ، ولكنه في الواقع وُلد في شنغهاي، وفي هذه المدينة الصينية صوّر آخر مشاريعه الملحمية "أزهار شنغهاي" (Blossoms Shanghai)، بعدما استغرق عدة سنوات من العمل (في نهاية عام 2013، حصل على حقوق العمل الأدبي المستند إليه المسلسل، وهي رواية بالاسم نفسه نشرها جين يوتشنغ قبلها ببضعة أشهر، وبدأ العمل على السيناريو في 2017، واستمرّ التصوير من سبتمبر 2020 إلى منتصف 2023، ثم سابق الزمن في مرحلة ما بعد الإنتاج).
النتيجة؟ مسلسلٌ تؤلّفه 30 حلقة حطّم أرقاماً قياسية في عدد المشاهدين وكبار المعلنين عندما عُرض في الصين بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ويناير/كانون الثاني 2024. مع ذلك، ورغم احتفا النقّاد والجمهور به، فقد استغرق تسويقه في الخارج وقتاً أطول من المتوقّع، لدرجة أن عديداً من السينيفيلّلين شاهدوه في نسخٍ مقرصنة بدأ تداولها بعد ذلك بوقتٍ قصير. الآن فقط، بعد عام ونصف، يُتاح المسلسل للمشاهدة عالمياً عبر منصة موبي.
تدور أحداث العمل على خلفية النمو الاقتصادي الهائل في شنغهاي في التسعينيات، كاشفاً عن توابع الثراء المذهل لرجلٍ عصامي وتورّطه مع أربع نساء رائعات يمثّلن مساعي حياته: المغامرة والاحترام والحبّ والبراءة. من شارة البداية، الغالب عليها ألوان بُنّية داكنة، والموسيقى المشابهة للمقدمة الرئيسية لمسلسل Succession، ينقلنا "أزهار شنغهاي"، بنبرة نوستالجيّة وميلانكولية، إلى أوائل التسعينيات (نهاية عام 1992 وبداية عام 1993) ليروي قصّة أباو (هو جي)، الشابّ الذي نلتقيه في البداية مُفلساً، ونراه ينجو بأعجوبة بعد أن دهسه سائق تاكسي عمداً.
سيمتدّ المسلسل عبر الزمن (ستكون هناك عودة مبدئية إلى عام 1987 لمعرفة أصول القصّة، ثم ستغطّي جزءاً كبيراً من تسعينيات القرن العشرين)، لكشف هوس أباو، وهوس جزء كبير من النخبة الثرية في شنغهاي، بالثروة في ذروة الطفرة المالية، وتحرير الضوابط (رغم أن السلطات الصينية حاضرة دائماً)، والتوسّع الاقتصادي نحو التجارة الخارجية والممارسات الأكثر شيوعاً للرأسمالية الجامحة.
حكاية فهدٍ عجوز تُهدّده جحافل الضباع، من أثرياء محدثي نعمة ذوي أنيابٍ. هؤلاء تمثّلهم المالكة الجديدة لمطعمٍ عصري، لي لي (شين تشيلي)، والكلاب التي تتاجر في مؤسّستها، من فان (دونغ يونغ)، المُصنِّع الاحتكاري لعلامة غربية عصرية، إلى وي (تشنغ كاي)، منافسٌ في التجارة الخارجية يتظاهر بأنه أسد ولكنه لا يعدو كونه مهرّجاً ثرياً. من حاضرٍ تهيمن عليه حماقات الأثرياء، يصعب عدم قراءة بستان الكرز الصيني هذا بروح نهاية العالم.
مع ذلك، قرّر كاتب السيناريو تشين وين، الذي حرّر وونغ كار واي من واجبات الكتابة لأول مرة في مسيرته، أن يبدأ القصة قبل سنوات، عندما يتعلّم أباو القواعد الأساسية للفروسية الاقتصادية والاجتماعية من عمّه المخضرم يي (يو بينشانغ، ممثلٌ شهير في الثمانينيات، والآن راهبٌ بوذي). أوّل هذه التعاليم يختزل كل انتصار في عالم المصارف إلى إتقان الأسلوب، والمسرح، والوصول، أي، بعبارة أخرى، مسألة أناقة. الجوهر ينسجم مع الشكل. "يدخل المبتدئون من الباب الرئيسي، والمحترفون من الخلف"، يقول المعلّم، مُشيراً إلى عالمٍ تعدّ فيه الرفاهية، إن فُهمت على النحو الصحيح، مسألةً رمادية.
في البداية، يُظهر المسلسل صعود أباو التدريجي تحت إشراف العمّ يي، ليصبح مرشده في عالم الأعمال والاستثمارات (نجح وونغ كار واي في إعادة فتح بورصة شنغهاي القديمة مؤقتاً للتصوير). بعد دقائق قليلة من بداية أحداث المسلسل، ستظهر حليفة مثل الآنسة وانغ (تيفاني تانغ)، ممثلة مكتب التجارة الخارجية الصاخبة، وحبيبة أباو المفترضة، إضافة إلى منافسين، مثل المستثمرة القوية والغامضة السيدة لي لي، التي ستتآمر ضد توسّع إمبراطورية أباو، في ما يشبه إلى حدّ كبير "غاتسبي العظيم" ولكن في شنغهاي.
التوازن الدقيق بين مخاطرات رأس المال والكشف الدقيق للأنا يُروى عبر نصٍّ مُلتزمٍ دائماً بالسطحية: سهل الفهم، وقليل الاهتمام بالغموض، كالتماثيل الضخمة وأضواء النيون التي تضيء شارع هوانغهي المُترف. تُمهّد الحلقة الأولى لقصّة بوليسية تُحل من دون عائق أو مؤامرة، بعد خمسين دقيقة فقط. كذلك، لا يوجد أي عمق في عروض الدُمى التي يقدّمها "أشرار" و"طيّبو" المسلسل، مثل فان، الذي يُعلن عنه بضحكة أنفية مزعجة، أو وي، الذي يرتدي معاطف فرو لحماية جسده الصغير. حتى شخصية لامعة مثل ليلي، الفاتنة، التي تُلقي شعرها باستمرارٍ في تناغمٍ شريرٍ مع لقطات جين تشن يو، مدير التصوير، تُبدي استمتاعاً بطبيعتها النمطية. أو لينغ زي (ما ييلي)، نسخة المخرج من "فتاة الأحلام المهووسة"، صديقة السيد أباو وصاحبةُ مطعمٍ "أصيل" دائماً ما يُعاني الخسائر؛ تأتي نسخةٌ طبق الأصل من فوضوية فاي وونغ في فيلم "تشونغ كينغ إكسبريس"، التي تُسحر وتُسلّي وتُربك في فوضاها.
كان الشكل دائماً جوهر أعمال وونغ كار واي السينمائية. ولا يختلف الأمر هنا. وفي حين أنه لم يُخرج جميع الحلقات (أنجز مساعده رونالد بعضها)، إلا أن عديداً من المقاطع تكشف عن هواجس صاحب أفلام "تشونغ كينغ إكسبريس" و"رماد الزمن" و"سعداء معاً" و"في مزاج للحبّ" و"2046"؛ تلك البراعة الشكلية، وتلك الدقّة، وذلك الأسلوب (مثل استخدام الحركة البطيئة، واللقطات المقرّبة للعقارب أو الساعات) التي أصبحت الآن جزءاً من أسلوبه المميّز والشخصي.

سينما ودراما
التحديثات الحية

مع غياب زميله القديم الأسترالي كريستوفر دويل مديراً للتصوير، كان حليفه الأبرز في المجال البصري هذه المرة نان تاو؛ الحائز على جائزة أوسكار عن فيلم "نمر رابض، تنين خفي" (2000، آنغ لي)، والمسؤول عن تصميم المشاهد الملحمية في فيلم "إعادة بعث" لبي جان. التصميم الإنتاجي والموسيقى التصويرية (تضمّ 59 أغنية) رائعان، كما هو الحال في جميع مشاريع وونغ كار واي، الذي يلجأ هذه المرة أحياناً إلى صور أرشيفية تُدمج بسلاسة وعفوية في السرد الروائي الذي ابتكره بنفسه.
رغم أنه ليس من بين أفضل أعماله، يحتوي "أزهار شنغهاي" جميع العناصر المميّزة لسينما وونغ كار واي. ورغم أن المسلسل يبدو أحياناً ممطوطاً، بل ويحمل طابعاً درامياً مبتذلاً (واضح أنه ليس مشروعاً خالصاً لوونغ كار واي)، إلا أنه من اللافت دائماً اتباع خطى صانع سينمائي (وتلفزيوني الآن) لا غنى عنه، يعرف كيف يوائم الجوهر مع الشكل.

المساهمون