أفلامٌ عن الخرطوم وغزة: التوثيق لمنع التغييب والتزوير

08 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 10:03 (توقيت القدس)
الحرب في السودان 2023: إنّهم يسرقون الثورة (عمر إردم/الأناضول/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تتناول الأفلام موضوعات تتعلق بالخرطوم وغزة، مركزة على التحديات الفردية والجماعية في ظل الظروف القاسية، مع طابع ريبورتاجي وقلة العناصر السينمائية.
- يبرز فيلم "مدنياااو" دور الفن في الثورة السودانية، بينما يركز "وين صرنا؟" على تجارب ثلاث شقيقات فلسطينيات في القاهرة بعد معاناتهن في غزة.
- "سودان يا غالي" يعرض العلاقات الشخصية للمخرجة مع الشباب السودانيين، و"غزة التي تطلّ على البحر" يركز على الحياة اليومية في غزة قبل الحرب، مما يعكس أهمية السينما في توثيق الأحداث.

 

فيلمان عن الخرطوم وآخران عن غزة (2024). مُشاهدتها تُنبّه إلى نبضٍ حيوي في مروياتها، وإلى طغيان همّ فردي ـ جماعي إزاء الحاصل في الخرطوم والقطاع. قسوة الحاصل تُلهي، أحياناً، عن اشتغال سينمائي، خاصةً إنْ يُنجز الفيلم لحظة الغليان.

هذا السؤال معروفٌ: إلى أي مدى يُمكن للسينما أنْ تحضر في فيلمٍ، يوثِّق الحاصل لحظة حصوله، أو بعده بقليل؟ والسؤال، رغم تكراره بين حينٍ وآخر، يعني نقاشاً حول قدرة السينمائيّ على إيجاد توازنٍ فعلي بين ما يرويه وكيفية سرده، أي بين النصّ وشكل كتابته بالصُّور. في الوثائقيّ، هناك خطر الانزلاق إلى الريبورتاج التلفزيوني. في الروائي، يُخشى الوقوع في أفخاخٍ عدّة، كالنضال والتسرّع والانفعال، التي تُشكّل جزءاً من خطر الانزلاق إلى الريبورتاج أيضاً.

الأفلام الأربعة تتشابه في أنّ السينما قليلة (تختفي كلّياً في بعضها)، والريبورتاج حاضر: "سودان يا غالي" للفرنسية هند المدب، و"مدنياااو" (أي مدنيّة) للسوداني محمد صباحي، و"وين صرنا؟" للتونسية درة زروق، و"غزة التي تطلّ على البحر" للفلسطيني محمود نبيل أحمد. الميل التلفزيوني حاضرٌ في "مدنياااو" و"وين صرنا؟". الأول يوثِّق أساساً دور الفن في الثورة السودانية. الثاني يُسجِّل ما تقوله ثلاث شقيقات فلسطينيات، يأتين إلى القاهرة بعد قسوة اليوميّ في غزة. الأول غير غائصٍ كلّياً في التلفزيوني، إذْ تظهر محاولات بصرية لإيجاد معادلات جمالية بين المرويّ على ألسنة شابات وشبّان سودانيين زمن ثورتهم الأخيرة (2019)، والحاصل في الشارع، بلغة تتحرّر قليلاً من المباشرة، رغم أنّ المباشرة، الحاضرة في "وين صرنا؟" كثيراً، ضرورية في أفلامٍ، يهتمّ منجزوها بتوثيقٍ، أقرب إلى التأريخ، وهذا مطلوبٌ.

 

سينما ودراما
التحديثات الحية

 

في "سودان يا غالي"، شيءٌ من الذاتي ـ الشخصي يشارك في فهم بعض الحاصل. فلهند المدب علاقات (تبدو وطيدة) مع شابات وشبّان، تتصلّ ببعضهنّ من باريس، وتُصوّر الجميع في الخرطوم، زمن الثورة نفسها. تختار لقطات صامتة، لتكون امتداداً لغليان ذاتٍ وروح، في لحظات قسوة، أو لتستكمل فرحاً آنيّاً وسط خرابٍ ووجع. بعض هذا يُشاهَد في "غزة التي تطلّ على البحر"، المُنجز بفضل ورشة سينمائية لـ"محبّي صناعة الأفلام" في القطاع، كما يُكتب قبيل نهايته: لا خراب ولا حرب، بل أفراد يعيشون يومياتٍ معتادة، في جغرافيا تُصبح سريعاً مساحة للموت والأنقاض. يوميات هؤلاء مُصوّرة قبل حرب الإبادة الإسرائيلية، بينما يوميات سودانيين وسودانيات مرتبطة مباشرة بحراك شعبي يتعرّض لقمع، كأي قمع ديكتاتوري.

"مدنياااو" يوثّق الفن في الثورة، بوصفه مدخلاً إلى معاينة أحوال شبابية في لحظة مصيرية كهذه، ويكشف وقائع يومية، بعيون ثلاث شخصيات أساسية، مؤمن وِدْ زينب ومحمد عبد الرحمن "الجنقو" وإسراء بدر الدين، بين إقالة الرئيس عمر البشير (11 إبريل/نيسان 2019) وبداية الاقتتال بين الجيش وقوات الدعم السريع (15 إبريل/نيسان 2023). الفيلم يبدأ عام 2021، ثم يعود إلى 2019، وكتابة على الشاشة تنقل بعض ما يعيشه هؤلاء، إذْ تتضارب مشاعرهم بين أحلامٍ بالحرية والسلام والعدالة، والخوف والتوجّس من المقبل: "عندما شهدنا توقيع اتفاق الفترة الانتقالية، وأصبح الدكتور عبد الله حمروك رئيساً للوزراء، لم يرض بعضنا". في جينيريك النهاية، يُكتَب قول لبدر الدين (بالعامية السودانية): "نحن خائفون من أمرٍ: أنْ يسرقوا ثورتنا. وهذا يحصل الآن".

اللعبة الزمنية في "مدنياااو" (بين 2019 و2023) تحول دون ركون إلى تسلسلٍ تاريخي، ما يجعل الفيلم ريبورتاجاً تلفزيونياً. الأرشيف جزءٌ من البناء البصري (هناك لقطات مُصوّرة بهواتف محمولة)، كعادة أفلامٍ كثيرة تتناول مسائل كهذه. "وين صرنا؟" يكتفي بشخصياته التي تروي، دامعةً أحياناً، بعض ماضٍ قريب لها، ومن غزة صُور مُلتقطة تُضاف إلى فيلمٍ ـ شهادة عن خراب بلد، وآلام أفراد.

يتميّز "غزة التي تطلّ على البحر" (العربي الجديد، 28 يوليو/تموز 2024) بابتعاده عن حدثٍ جماعي، لاهتمامه بحكايات أفرادٍ، يعيشون يومياتهم برتابة يخترقها نزاعٌ عادي، وبتفاصيل معيشية طبيعية. أفراد (رجال وشبّان، وامرأة عجوز واحدة، يُشكّلون الشخصيات الأساسية) يعملون أو لا، يلعبون ويتحاورون ويهتمّون بأشياء وحيوانات، وهناك من يُقيم على شاطئ البحر، متأمّلاً فيه غالباً.

بين انشغال مطلق بالنصّ فيكون الشكل عادياً أو مُطعّماً ببعض السينما، واهتمام قليل بشكلٍ سينمائيّ غير حاجبٍ الموضوع وأهمية توثيقه، تُصنع هذه الأفلام، وغيرها أيضاً، فإنجازها يمنع "سرقة" ما توثّقه، أو تزويره أو تغييبه.

المساهمون