إسرائيل تستهدف صحافيي الدرون في غزة

27 مارس 2025   |  آخر تحديث: 13:39 (توقيت القدس)
في موقع اغتيال مصطفى ثريا وحمزة الدحدوح، 7 يناير 2024 (عبد الرحيم الخطيب/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أصبحت غزة أخطر مكان للصحافيين، حيث قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 208 صحافيين منذ أكتوبر 2023، مع استهداف خاص لصحافيي الدرون الذين يوثقون الدمار.
- تُظهر التحقيقات أن لقطات الدرون هي الوسيلة الوحيدة لتوثيق حجم الدمار، مع استهداف ممنهج للصحافيين مثل مصطفى ثريا وعبد الله الحاج بعد تصويرهم آثار الغارات.
- لم تصدر إسرائيل تحذيرات رسمية بشأن استخدام الدرون، رغم تحذيرات مسرّبة من الخلط بين الصحافيين والمقاتلين، مما يثير تساؤلات حول انتهاك قوانين الحرب.

أصبحت غزة المكان الأخطر بالنسبة للصحافيين في العالم حيث قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 208 صحافيين وعاملين في المجال الإعلامي منذ بدء عدوانها على القطاع في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفقاً لرصد المكتب الإعلامي الحكومي. ووسط حرب الإبادة الإسرائيلية التي لا تستثني الصحافيين يبدو أن صحافيي الدرون يواجهون الخطر الأكبر، وفقاً لما وثقته شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية (أريج) بالتعاون مع مؤسسة فوربيدن ستوريز غير الربحية، ضمن "مشروع غزة" الذي جمع أكثر من 40 صحافياً يمثلون 12 مؤسسة للعمل على تقصي ظروف مقتل صحافيين فلسطينيين وإصابتهم في قطاع غزة.

في تحقيق "قصص من السماء: تحقيق في استهداف إسرائيل صحافيي الدرون بغزة" الذي نشر اليوم الخميس ضمن الجزء الثاني من "مشروع غزة"، أفادت "أريج" و"فوربيدن ستوريز" وشركاؤهما باستشهاد خمسة صحافيين يعملون بالدرون وإصابة واحد بجروح خطيرة، من بين مجموعة من نحو عشرة صحافيين، كانوا يعملون في غزة بداية الحرب. ووجد التحقيق أن قتل أو إصابة هؤلاء الصحافيين جاء بعد التقاط الصور الجوية في كل الحالات تقريباً. وفي بعض هذه الحالات، بما في ذلك غارة 15 مارس/آذار الحالي على بيت لاهيا، اتهمت إسرائيل الصحافيين الذين قتلتهم بالانتماء لتنظيمات مسلحة، وبينهم الصحافي الذي يعمل بطائرة درون محمود البسوس، لكنّها لم تقدم أي أدلة.

نظراً لحجم الدمار الهائل في غزة، غالباً ما تكون لقطات الدرون هي الطريقة الوحيدة لتصوير حجم هذا الدمار. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك، مقطع فيديو مدته دقيقة نشرته وكالة الأنباء الفرنسية (فرانس برس) في يناير/كانون الثاني الماضي، بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، يُظهر حجم الدمار في رفح. الصحافي شادي الطباطيبي يعتقد أن استخدام الدرون كان ضرورياً لتصوير حجم الدمار خلال الحرب الحالية، وهو أمر لم يستطع التصوير الأرضي إظهاره؛ لذا استمر في التصوير، حتى يناير 2024. في 7 يناير 2024، كان من المفترض أن ينضم الطباطيبي إلى صديقه مصطفى ثريا في جلسة تصوير. كان الاثنان يتشاركان خيمة واحدة، ويغطيان الحرب معاً. لكن في ذلك الصباح، بقي الطباطيبي لمساعدة زوجته في تطعيم ابنتهما حديثة الولادة. قتلت غارة جوية إسرائيلية ثريا الذي كان يعمل مع وكالة فرانس برس وقناة الجزيرة، بعد تصويره آثار غارة سابقة بطائرة درون، ليكون أول صحافي درون يُقتل في الحرب الحالية، وفقاً لما وثقه التحقيق. حينها زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي بأنه "حدد وقتل إرهابياً كان يُشغّل جهازاً طائراً يشكل تهديداً للقوات الإسرائيلية". لكنّ تحقيقاً أجرته صحيفة واشنطن بوست ناقض هذا الادعاء. حلّلت الصحيفة الأميركية لقطات حصلت عليها من الدرون الخاصة بمصطفى ثريا، ولم تجد أي جنود إسرائيليين أو طائرات أو معدات عسكرية قريبة من موقع التصوير.

في 24 فبراير/شباط 2024، أصيب عبد الله الحاج، وهو صحافي درون آخر، بجروح خطيرة جراء غارة إسرائيلية بعد انتهاء تصويره في مخيم الشاطئ للاجئين. يقول الحاج في التحقيق: "بمجرد أن انتهيت من التصوير ووضعت الدرون داخل حقيبتي، تم استهدافي". بُترت ساقا الحاج جراء إصابته. وبعد عدة أيام من استهدافه، تعرض منزله للقصف. يرى الحاج أن استهداف منزله كان بهدف تدمير الأرشيف الذي جمعه على مدى 20 عاماً. وفي تعليق جيش الاحتلال على هذا الاستهداف، ادّعى أنه ضرب "خلية إرهابية تستخدم طائرة درون". يصف الحاج هذا الادّعاء بـ"الكاذب"، ويقول إن القوات الإسرائيلية دققت هويته مرتين؛ الأولى في مستشفى الشفاء، والثانية قبل مغادرته غزة للعلاج في قطر. وأضاف: "لو كنت من حماس لما تمكنت من مغادرة قطاع غزة لتلقي العلاج".

في إبريل/نيسان 2024، تلقى الطباطيبي مكالمة من المصور إبراهيم الغرباوي الذي اشترى طائرة درون وطلب المساعدة في تعلم تشغيلها. نصحه الطباطيبي بعدم استخدامها، قائلاً إن الوضع "مخيف". نزح إبراهيم وشقيقه أيمن مع أسرتهما إلى رفح. في 26 إبريل 2024، ذهبا إلى خانيونس لتصوير الدمار الذي خلفه الاجتياح الإسرائيلي. تقول إيناس، زوجة إبراهيم، إنه اتصل ليخبرها بالانتهاء من التصوير، وإنهما في طريق العودة. كان هذا آخر اتصال بينهما. وفي وقت لاحق من تلك الليلة، علمت أنهما قُتلا بغارة جوية إسرائيلية.

بعد استهداف إبراهيم الغرباوي، قرر الطباطيبي المغادرة إلى مصر، وباع طائرته الدرون لزميله المصور محمد أبو سعادة (31 عاماً). بعد ثلاثة أشهر، وتحديداً في أغسطس/آب 2024، قتلت إسرائيلي أبو سعادة بغارة جوية على خيمة عمه في خانيونس. يظهر محمد أبو سعادة في آخر منشور مع طائرته وهو يصور الدمار في بني سهيلا شرق خانيونس، قبل نحو أربعة أشهر من استشهاده، وكان الصحافي الوحيد الذي لم يُقتل مباشرة بعد تصويره في الميدان.

في جنازة حسام شبات في بيت لاهيا، 24 مارس 2025 (بشار طالب/ فرانس برس)
إعلام وحريات
التحديثات الحية

بحسب مسؤولين سابقين في جيش الاحتلال، ومنهم جندي الاحتياط السابق مايكل عوفر زيف، فإنه لم تكن هناك إرشادات واضحة حول كيفية التعامل مع طائرات الدرون ذات الاستخدام المدني. ويقول عوفر زيف في التحقيق: "لم أتلقَ في أي مرحلة من مراحل هذه الحرب وثيقة رسمية تحدد قواعد الاشتباك، وهذه مشكلة، لأنها تترك مجالاً كبيراً للتأويل". ويضيف عوفر زيف أن الأجواء العامة في غرفة العمليات كانت واضحة: "إذا رأينا أي شخص يقوم بتشغيل طائرة درون ليست لنا، كان التوجّه هو إسقاط الطائرة وقتل الشخص الذي يتحكم بها، مدون أي تساؤلات".

تُظهر رسائل بريد إلكتروني مسرّبة تعود لعام 2020، تمت مشاركتها مع "فوربيدن ستوريز"، أن مسؤولين في وزارة العدل الإسرائيلية كانوا يحذرون من الإشارة إلى أن الصحافيين الذين يستخدمون الدرون قد يتم الخلط بينهم وبين المقاتلين، إذ يمكن أن يُنظر إلى ذلك على أنه عدم التزام من إسرائيل بقوانين الحرب. وتُظهر الرسائل نقاشاً بين مسؤولَين رفيعَين في مكتب المدعي العام الإسرائيلي، حول قتل الصحافي ياسر مرتجى خلال مسيرة العودة الكبرى في إبريل/نيسان عام 2018. ويشيران إلى تصريح أدلى به وزير الدفاع آنذاك أفيغدور ليبرمان: "لا أعرف من هو، مصور أو ليس مصوراً، من يُشغّل طائرات الدرون فوق جنود الجيش الإسرائيلي يجب أن يفهم أنه يعرض نفسه للخطر". يشير المسؤولان إلى أن مثل هذا التصريح الذي استشهد به في تقرير تحقيق للأمم المتحدة حول مسيرات الحدود في غزة "قد يُنظر إليه على أنه تشويش للخط الفاصل بين الصحافيين والمسلحين، وهو ما حذرا من احتمالية استخدامه "لتقويض مزاعم إسرائيل بأنها تلتزم بقوانين الحرب بشكل عام، ومبدأ التمييز بشكل خاص".

لم يرصد تحقيق "أريج" وشركائها أي تحذير إسرائيلي رسمي للصحافيين من استخدام طائرات الدرون للتصوير. ويؤكد الصحافي والمخرج أشرف مشهراوي الذي أدخل طائرات الدرون في التغطية الصحافية في غزة منذ عام 2014: "لم يصلنا أو نسمع بأي بيان منه (الجيش الإسرائيلي)، ولكن كان هناك نمط واضح في استهداف أي صحافي يستخدم الدرون". ويضيف في التحقيق: "لديهم أدوات لتعطيلها أو حتى الاستيلاء عليها، من دون الحكم على الصحافي بالموت. هناك العديد من الخيارات الأخرى قبل إطلاق الصاروخ". ويفيد المخرج الفلسطيني بأن شركته أوقفت استخدام الدرون بسبب مخاوف على سلامة الفريق، خاصة بعد غارة 15 مارس/آذار الحالي، ويقول: "سيتم استئناف التصوير بالدرون في حال التأكد التام من عدم استهداف الصحافيين بسبب استخدامهم له خلال عملهم الصحافي".

وتوجه فريق مشروع غزة (الجزء الثاني)، بأسئلة للجيش الإسرائيلي عما إذا كانت لديه سياسة محددة بشأن طائرات الدرون في غزة، وكيف يميز بين المدنيين والأهداف العسكرية. كما طلب معلومات حول وقائع محددة. وأكد معدو التحقيق أن الجيش الإسرائيلي "لم يرد على الأسئلة المتعلقة بحوادث محددة، لكنه قال إنه يرفض بشكل قاطع الادعاء بوجود هجوم ممنهج على الصحافيين". وزعم جيش الاحتلال أنه "يتخذ جميع التدابير الممكنة للتخفيف من الأذى الذي يلحق بالمدنيين، بمن فيهم الصحافيون". وأضاف أنه لا يستهدف سوى "الأهداف العسكرية" و"الأفراد المشاركين مباشرة في الأعمال العدائية"، وأن "الحالات الاستثنائية تخضع للمراجعة الداخلية"، من دون تحديد ما إذا كانت أي من الحالات الواردة في التحقيق خضعت لتحقيق داخلي.