إليزابيث فايبرت (1/ 2): "الحفاظ على الثقافة الغذائية مقاومة حقيقية"
- عرض الفيلم وتأثيره: عُرض الفيلم الوثائقي "قصة عائشة" في المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، حيث ناقشت المخرجة إليزابيث فايبرت دور ثقافة الطعام في الحفاظ على الإرث الفلسطيني، مستلهمة من قصة عائشة الشخصية.
- التحديات والرسائل: واجه الفيلم تحديات في تصوير الطعام بعيدًا عن الفخ التجاري، مركزًا على دوره في تعزيز الروابط الثقافية، ونجح في تقديم صورة حقيقية للنضالات الفلسطينية وأهمية الطعام في الثقافة والمجتمع.
أنشأت عائشة عزام وزوجها مطحنة حبوب عائلية، خاصة بهما، في مخيم البقعة بالأردن، منذ 35 عاماً. منذئذ، ظلّت معتزّة بدورها في الحفاظ على الثقافة، بطحن القمح والأعشاب الأساسية للمطبخ الفلسطيني. عبر الطعام، ودوره في جمع العائلة والحفاظ على تماسكها، يتتبّع "قصة عائشة" لإليزابيث فايبرت (مخرجة ومؤرّخة كندية، جامعة فيكتوريا بكندا، متخصّصة في تاريخ الفقر والاستعمار) حكاية النزوح الفلسطيني، وإعادة بناء الأسرة والمجتمع في مخيم لاجئين، حيث تشكل عمليات الحصاد والطحن والطهي والولائم أساس رواية النزوح والشوق والمقاومة: "الطعام يُبقينا متّحدين بوصفنا فلسطينيين"، تقول عائشة.
يتوقّف الفيلم عند محطات من مأساة الشعب الفلسطيني، بفضل صور أرشيف مُعبّرة، يمزجها مونتاج ديناميكي بلحظات من اجتماع عائلة عائشة (ثلاثة أجيال)، مُصوّراً بشكل عميق الخسارة والجمال والثبات التي تميّز حياة الفلسطينيين. يبدو هذا التمسك بمظاهر الثقافة الفلسطينية فعلاً حقيقياً للمقاومة، لانجراف الهوية ومساعي طمسها، ويظلّ حجر الطاحونة الذي لا تزال تحتفظ به عائشة، بصفته تذكاراً من قرية أجدادها بيت محسير (غرب القدس)، رمزاً لحق العودة.
عُرض "قصة عائشة" بالمسابقة الرسمية للدورة الـ18 (22 ـ 27 سبتمبر/أيلول 2025) للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، فكان لنا حوار مع فايبرت عن رؤيتها التاريخية لدور ثقافة الطعام في الحفاظ على الإرث الفلسطيني، وسيرورة إنجاز الفيلم منذ انبثاق الفكرة إلى عرضه الأول، بحضور عائشة وعائلتها الكبيرة.
(*) كيف خطرت لك فكرة صنع هذا الفيلم؟ أكان ذلك نتيجة لقائك عائشة، أم لسبب آخر؟
ذهبت إلى مهرجان سينمائي للمرأة، نظّمته الأمم المتحدة في عمّان عام 2018، لعرض فيلم كنتُ منتجته وكاتبته والباحثة فيه، إخراج كريستين ويلش من كندا: مُزارعات مسنّات جنوب أفريقيات، يقمن بشيء مشابه قليلاً لما تفعله عائشة، بإنشائهن مزرعة جماعية لتأكيد هويتهن بوصفهن مزارعات، رغم كونهن فقيرات ومهمّشات. عُرض الفيلم مرتين في المهرجان. بعد العرض الثاني، سألت شابة بعد تعريفها عن نفسها بأنها فلسطينية: "متى ستصنعين فيلماً كهذا عن النساء الفلسطينيات؟".
أنا مؤرّخة. أدرّس تاريخ الإمبريالية البريطانية، وفيه فلسطين بالقرن الـ20. منذ فترة طويلة، مهتمّة جداً بالقضية التاريخية الفلسطينية، وبنزع ملكية الفلسطينيين. بسؤالها هذا، ترسّخت الفكرة في ذهني فوراً. أشكرها، وأحرص على رواية قصتها، لأن الناس يسألون دائماً: "كيف تعرّفت امرأة كندية إلى عائشة؟". تحدثّت إلى أشخاص عديدين في مجتمع المنظمات غير الحكومية، مثل هيئة الأمم المتحدة للمرأة. سألتهم أين يمكنني التعرف على مشاريع تقوم بها نساء للحفاظ على هويتهن بوصفهن فلسطينيات، ودعم الاقتصاد الغذائي، إلخ. فاصْطُحبت لاكتشاف 13 مشروعاً نظّمتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، أولها مطحنة عائشة. كان يُفترض بمدة الزيارة أن تكون نصف ساعة، لكننا تحدثنا 90 دقيقة بواسطة مترجمة رائعة، استطعتُ بفضلها لمس دفء عائشة وذكائها وحسها الفكاهي. نوعاً ما، شعرت من اللقاء الأول أني راغبة في سرد قصة هذا المشروع، أو توفير منصة له. اطّلعت على المشاريع الأخرى، وكلّها جديرة بالاهتمام. لكن عائشة كانت في ذهني وقلبي منذ البداية.
(*) ما الذي جذبك في مشروعها ليصير موضوع فيلمك؟ طريقتها في الحديث عن التراث، أم غنى تراث المطبخ، أم الجوانب العائلية للقصة؟
كل هذه العناصر كانت متشابكة معاً. روح تلك المرأة القوية والحازمة والذكية التي نراها على الشاشة مهمّة. إضافة إلى الدفء وروح الدعابة، هذه الأمور أثّرت بي: طريقة سردها قصة مطحنتها العائلية، وكيفية إنشائها، وأسلافها في فلسطين طحّانون أيضاً، وعائلتها شُرّدت أولاً عام 1948، ثم عام 1967. القصة الشخصية لعائشة وقصة عائلتها الأشمل صورة مُصغّرة لتاريخ الفلسطينيين. بصفتي مؤرّخة، استطعت لمس ذلك. وبصفتي مؤرّخة أيضاً، أحب سرد قصص الناس العاديين في حياتهم اليومية، التي تبدو عادية في بعض النواحي، لكنهم يعيشون عبرها القصص، المُهيكلة الأكبر للعالم.
تدرك عائشة أن قصتها الشخصية وقصة عائلتها وأسلافها قصة فلسطين. لذا، تتمتّع بنوع من حس المؤرّخ، وربما يكون أحد أسباب ترابطنا أنها تمتلك حساً تاريخياً يتيح لها فهم البنى الأوسع التي تدور فيها حياتها اليومية، وتعلم جيداً أن حفاظها على الثقافة الغذائية فعل مقاومة حقيقي. لم أكن بحاجة إلى اقتراح هذا عليها.
(*) أكان لديك سيناريو مكتوب أو نهج ما عندما بدأت التصوير معها؟ أم كان واضحاً لك أن الوثائقي سيستند إلى مقابلة معها، مع مواد أرشيفية، كصُور ومقاطع فيديو؟
لم يكن الأمر واضحاً في ذهني فوراً. هذه دعوتي لها عام 2018: "أيمكننا القيام بمشروع تاريخ شفوي معاً؟". هذا أفعله عادة بصفتي مؤرّخة. أقوم بأبحاث تاريخ شفوي تشارك فيها مجتمعات محلية. لكن، لم يكن لدي ذاك العام التمويل اللازم لإنتاج فيلم سينمائي. مشروع التاريخ الشفوي أقل كلفة بكثير. فقط عليّ الذهاب إلى هناك، وإخراج مسجّلتي أو هاتفي، وتسجيل محادثاتنا. زرت عائشة مرّتين عام 2018. فيهما، اعتقدت أن المطحنة مثيرة للذكريات بشكل لا يصدق، سينمائياً وبصرياً. وعائشة مثيرة للذكريات بصرياً، كما أن عائلتها تحيط بها الوقت كله. أبناؤها يعملون في المطحنة، وأحفادها يأتون إلى هناك بعد المدرسة، وهي ترعاهم بينما يعمل آباؤهم. حلقة عائلية جميلة، مع توترات ومشاحنات، وحب كثير.
في مقابلاتنا، اقتنعت حقاً أن قصة عائشة ستنتج فيلماً جميلاً بصرياً، وأن كشفه إلى العالم الغربي خاصة ضروري، لأن لدى هذا الأخير صُور نمطية سلبية للغاية، وافتراضات خاطئة عن الفلسطينيين، تشكّلت في عقود عدّة، وأنه يمكن أن يكون عملاً مهماً للغاية لعرض الحياة اليومية والنضالات والحب والرغبات والحياة الأسرية، بطريقة كونية.
أصبح ذلك واضحاً بذهني في لقائي الثاني بها. أبدت بدورها اهتماماً بالفكرة فوراً.
(*) هناك دائماً فخّ عند تصوير الطعام، أي أن يغدو الفيلم، كما تعلمين، مجرّد كتالوغ للأطباق. لم يكن الأمر كذلك تماماً في فيلمك.
لكنه، كان يُمكن أن يكون.
(*) كان يُمكن. سؤالي: كيف تمكّنت من تجنّب الفخّ؟
ربما يظن البعض أننا لم نتجنّب هذا الفخّ تماماً. يُلاحظ ذلك في اللقطات القصيرة التي تسبق ظهور عائشة على زوم، إذ نعرض أطباقاً جميلة على طريقة نيتفلكس، أو مشهد طاولة رئيس الطهاة. عائشة لا تحب هذا المشهد. انتابها الضحك عندما اكتشفته على زوم. بدوري، لا أحب هذا المشهد. استغرق الأمر أربع ساعات لتصوير خمسة أطباق بأربع كاميرات. كان عملاً ضخماً ومتعباً للغاية. مدير التصوير تشين وانغ يحب المشهد. أقنعني أنه مهم بالنسبة إلى الجمهور الغربي، لأننا نرفع الطعام إلى مستوى يحتاج الغربيون إلى رؤيته. شعرت أنه غير ملائم ثقافياً، نوعاً ما. في النهاية، عند لقائي عائشة بعد مشاهدتها الفيلم في عمّان، قلت لها: "عائشة، أخبريني: لماذا ضحكتِ على ذلك المشهد؟"، أجابت: "لأننا لا نأكل في تلك الأطباق الصغيرة، وأنا لا أحبها. الطبق الكبير مُبارك، لأنه يجمع العائلة معاً".
هذا نراه في بقية الفيلم. فلسطينيون آخرون في عمّان علّقوا على الملاحظة نفسها. شاب قال: "قلتِ إنكِ ربما تستهدفين الجمهور الغربي لتقويض الصُور النمطية عن الفلسطينيين. أنا فلسطيني. أحببت الفيلم". رائع سماع ذلك. لكنه جاء إليّ لاحقاً، وقال لي على انفراد: "لا أحب مشهد تقديم الأطباق، لأنها ليست الطريقة التي نأكل بها".
(*) بالحديث عن الطعام، الجيّد في الفيلم أنك ربما تأخذينه مجرّد ذريعة لتجميع الناس معاً، أثناء التحضير والأكل، للحديث عن رؤيتهم للأشياء.
الطعام نوع من محرك أسري بالمعنى البيولوجي، ولكن أيضاً بالمعنى الثقافي. بالمعنى اليومي، الطعام محرّك الأسرة، التي يلتفّ أفرادها حول تلك الأطباق الكبيرة، إن كان عددهم ستة أشخاص أو 26، ويأكلون بهذه الطريقة يومياً. كذلك في المخيم، أو عندما صوّرنا المشهد قبيل النهاية، في بستان الزيتون بمزرعة ابن عائشة. يقومون بنزهات هناك، ويحيون حفلات عشاء الزفاف هناك. أليس كذلك
إنه طقس حقيقي ومهمّ بحدّ ذاته. لا أعتقد أنه مجرد ذريعة.