- غالباً ما تنحاز السينما في تصوير الحروب، مما يفقدها صفتها التأريخية ويجعلها مرشداً ثقافياً يحدد مفاهيم البطولة والظلم، ويؤثر في تشكيل الرأي العام.
- تعتبر الحروب مصدراً للمواد الأولية في السينما، ومع دعم مؤسسات مثل البنتاغون، تصبح أداة لتغذية الحروب المقبلة، مما يثير تساؤلات حول دورها في كتابة التاريخ.
لم يحظ هذا الكوكب، منذ اختراع السينما، بلحظة واحدة من دون حرب. منذ إنجاز أفلام في سلاسل الإنتاج الاستهلاكي، سعت السينما إلى اكتشاف معارك حصلت في حقب زمنية آفلة، ووضعتها قيد الإستهلاك الترفيهي، الذي صادف أن يكون تثقيفياً، بالمعنى التربوي للكلمة. لا تزال أفلام معارك الحقبة الإغريقية الرومانية وحروبها تُستعاد من ذاكرة الإنترنت بوصفها أفلام مغامرات بطولية، كـ"سبارتكوس" (1960) لستانلي كوبريك و"قلب شجاع" (1995) لمِل غيبسون، تبعتها حروب العصور الوسطى، كـ"فرسان الطاولة المستديرة" (1953) لريتشارد ثورب و"الفرسان الثلاثة ـ دارتنيان" (2023) لمارتن بوربولون، ترافقها أفلام الكاوبوي، ثم أفلام الحربين العالميتين، ففيتنام وكوريا والعراق وغيرها، انتهاء بهذه الأيام، المتوّجة بحرب إقليمية ضروس، سيُنتَج أفلام عنها من المشاركين فيها، وأوّلهم هوليوود، التي بدأت بتمرين أول عن إنقاذ الطيار الأميركي، الذي سقطت طائرته في إيران.
في ما يخص الدراما، بوصفها مؤسّسة للحكايات الفنية (هذا عمل تأسيسي للسرد البصري بما يخص المحاكاة)، تبدو الحروب أكثر تناسباً مع السرد البطولي والاحتجاجي، ليس في نقل الحرب إلى الشاشة فقط، بل للاحتجاج عليها وإدانتها أيضاً. مع ذلك، الحرب دراما صافية ومُغرية، وأطراف الصراع فيها واضحة، والمطلوب القتل والإفناء، أي ما لا رجعة فيه، فتصبح الدراما جاذبة إلى أقصى الحدود، تطلب من متلقّيها الانحياز. هنا، تفقد السينما صفتها التأريخية، لتتحوّل إلى مرشد ثقافي، يعرّف البطولة والظلم والقوة. في هذا، لوحظ انحياز السينما. ولعل المثل الأبرز الأفلام عن الهنود الحمر، سكّان أميركا الأصليين. هناك مواقف لكبار المفكرين والفنانين من هذه الأفلام (مارلون براندو، جين فوندا).
لذا، تبدو السينما متّسخة بعد مقاربتها الحروب، مع التنبّه إلى أنّ الأفلام المناهضة لها تُدين مسبقاً أحد الأطراف، خاصة استمرار الإدانة فترات طويلة، كالأفلام الأميركية التي تتناول الشأن الألماني، إذْ يُلمس عدم انتهاء الحرب، رغم أن ألمانيا قدّمت اعتذارات وتعويضات كثيرة، حتى من أجيال لم تكن مولودة في الحرب العالمية الثانية.
طبعاً لا نتكلم عن الأفلام البديلة، محدودة الانتشار، بل عن سياق سينمائي تداولي واجتياحي، بدليل أرقام شباك التذاكر. هذه صياغات سينمائية تعتمد على فهم المستوى الثقافي للسوق، ومقدرته على تلقّي جرعات إضافية من العنف المنحاز إلى قضية حُكِم فيها (مثلاً: ألمانيا والأفلام الأميركية). ينسحب الأمر أيضاً على روسيا (الاتحاد السوفييتي السابق)، وسينسحب حُكماً على إيران في المستقبل، إذْ لا يكون للسينما مكان على مقاعد البدلاء، بل مشاركة في الحرب بجدية، في سياق تجنيد مشاهدي العالم إلى جانب حق تراه، ليصبح الدم المراق مُبرّراً، أو ضرورياً لاستمرار الحياة على الكوكب، وتصبح الغزوات الفضائية والدفاع عن الكرة الأرضية جزءاً من هذه الحروب الأرضية. عندها، تتحوّل السينما، بطريقة خلّابة لكن مواربة، من الفن السابع إلى إحدى صناعات الإعلام والإعلان. حتى في إدانة الحروب والاحتجاج عليها، كـ"القيامة الآن" (1979) لفرنسيس فورد كوبولا و"رقصات مع الذئاب" (1990) لكيفن كوستنر وغيرهما، بصفتهما استثناءً يؤكد القاعدة.
تبدو الحروب، في ما يخص الصناعة السينمائية، منجماً للمواد الأولية، يُقدّم خامات طازجة لبطولات ذات أبعاد تكنولوجية، إلى درجة تبدو فيها هذه الصناعة كأنها تنتظر حروباً لتسلّي مشاهديها بتفاصيله، وبحكايات غريبة تحصل فيها. ربما الأمر أبعد من ذلك، كاحتمال تغذيتها لحروب مقبلة، للحصول على قصص وغرائب. هذا غير مستغرب، مع معرفة كثيرين أنّ البنتاغون أحد ممولي الأفلام الحربية، أو التي تدعو إلى التجنيد والذهاب إلى المعارك بدوافع وطنية، من دون أن تكون الحرب نفسها ذات طابع وطني.
المشكلة الكبرى في أفلام الحروب أنها لا تُقدّم الآخر "العدو" بصفته شخصاً سوياً انسانياً، رغم معرفة صنّاعها بأنْ لا أحد يحب أو يريد الحروب، إلا بعد عملية غسل للإرادة عبر بروباغندا تربوية. لا أحد يريد الموت، وهذه طبيعة بشرية أصلية. لكن، أن يُزجّ بالإنسان بمهمة قتل الآخر، من دون محاسبة على الجريمة، فهذا خداع، أو نذالة بشرية، ما يُفقد المنتوج الإبداعي القيمة القيميّة للفعل الجمالي، ذي الاستثمار الاستراتيجي في التربية الإنسانية، فتفقد الفلسفة أبعاداً مهمة من فعالياتها، ويتحوّل المنظور الجمالي في حالة الحروب إلى منظور مُدنّس، غير قابل للتعميم على البشر. عليه، تُقدّم جُلّ الأفلام الحربية طرحاً سياسياً بلبوس اجتماعي، ما يعادل طرحاً عنفياً بلبوس فني/إبداعي/شاعري، كما في "لمن تقرع الأجراس" (1958)، رواية إرنست همنغواي.
هل يمكن القول إنّ السينما تكتب التاريخ بوصفها وثيقة تاريخية تُصنّف مع الزمن شاهداً على مراحل تاريخية، منها الحروب؟ لكن، يبدو أنّها تكتب التاريخ، ليس شاهداً محايداً أو موثوقاً به. فما نراه على الشاشة، بحسب زادنا المعلوماتي والمعرفي، تاريخاً، بغض النظر عما إذا كان تأريخاً سينمائياً أو وقائع تاريخية. مثلاً، "الناصر صلاح الدين" (1963) ليوسف شاهين شاهد على الشريحة العربية من مشاهدي الأفلام، الذين اعتبر جُلّهم أنّ صلاح الدين هو أحمد مظهر.
بكل الأحوال، لو تحوّلت سينما الحرب إلى تاريخ، ستشارك في صياغة الرأي الإنساني المقبل تجاه الحرب بوصفها فعالية إجرامية، تحاول البشرية تفاديها. لذا، تبدو السينما نفسها حرباً، لا مُجرّد التقاطات بطولية في زمن بشع. ربما هذا ما أراد قوله تولستوي، في رائعته "الحرب والسلم" (1865 ـ 1869)، التي تحوّلت مرات عدّة إلى أفلام خلاّبة: الحرب تصلح للإدانة فقط.