- فيلم "دو يو لاف مي" في مهرجان فينيسيا: يعرض الفيلم اللبناني "دو يو لاف مي" للمخرجة لانا ضاهر في مهرجان فينيسيا، مستعرضًا تاريخ لبنان الحافل بالحروب عبر سرد بصري مبتكر، يجمع مقتطفات من أفلام وأرشيفات صحافية.
- جمالية التوليف في الفيلم: يتميز الفيلم بقدرته على تحويل مقتطفات بصرية إلى سياق درامي، مما يجعل الماضي اللبناني حاضرًا، ويحث على التأمل في الذات وفهم الحروب المتكررة.
مُجدّداً، تُطرح الأسئلة نفسها: أتَجوز كتابة نقدية، تتناول فيلماً أو مسألة أو شخصية سينمائية، لحظة اندلاع حرب جديدة في المنطقة؟ ألن تكون هذه الجغرافيا، بسبب احتلال إسرائيل بلداً وشعباً وثقافة وتاريخاً ومستقبلاً، وبسبب غلبة انعدام حسّ أخلاقي وانتماء وطني أيضاً، حيّزاً "دائماً" لحروب لا يُراد لها نهاية ثابتة، قبل إبادة ناسها ومكوّناتها؟ أي كتابة تنفع (سؤال مُكرّر في مناسبات سابقة مشابهة): تذكّر أفلام، لبنانية وعربية وأجنبية، تعاين حروباً ومخلّفاتها وآثارها ووقائعها، فتكون الكتابة عنها، "الآن هنا" (ترويسة مقالات للراحل جوزف سماحة)، محاولة لمزيد من فهم علاقة السينما بالحياة والواقع والناس؟ تأليف سيناريو عن شعور أو تفكير أو تأمّل أو قلق أو خوف شخصي إزاء الحاصل، قبلاً وراهناً ومستقبلاً؟
أيضاً، أتكون مصادفة أن تندلع حربٌ إسرائيلية جديدة في المنطقة، تضاف إليها حربٌ أميركية مباشرة هذه المرة، تزامناً مع مشاهدة (وإنْ متأخّرة قليلاً) فيلم لبناني، يُعرض للمرة الأولى في برنامج "أيام المؤلّف"، بالدورة الـ82 (27 أغسطس/آب ـ 6 سبتمبر/أيلول 2025) لمهرجان فينيسيا؟ ففيلم لانا ضاهر، "دو يو لاف مي" (العنوان العربي الرسمي لـDo You Love Me، مقتبس من أغنية لبنانية قديمة، والتباساته جميلة، نبرة ومضموناً وارتباطاً بما "يُروى" في الفيلم)، يستعيد تاريخاً لبنانياً حافلاً بحروبه الملعونة والتائهة في أزقّة الطوائف والمليشيات والقبائل، خاصة منذ عام 1975، بسرد بصري مبني على توليفٍ (قتيبة برهمجي، كاتب الفيلم مع ضاهر)، يصنع نصّاً سينمائياً من مقتطفات مختارة من أفلام مرتبطة بالحرب اللبنانية، وباللاحق على نهايتها الهشّة والناقصة (1990).
إلى عشرات الأفلام، الروائية والوثائقية والتجريبية، هناك تسجيلات لأغنيات (أشرطة فيديو وأخرى موسيقية) وإعلانات وصُور فوتوغرافية، وأرشيف يُطَّلع عليه في مؤسّسات صحافية لبنانية ("النهار" و"السفير" و"دار الصياد")، وغيرها من المراجع البصرية، التي يكشف اختيار المقتطفات منها قدرة جمالية على تحويل كلمة أو نظرة أو موقف أو حالة، يُكثّفها هذا الفيلم أو ذاك الأرشيف، إلى قولٍ يكشف مناحي كثيرة من أهوال تلك الحرب، المتشابهة (والتشابه يبلغ حدّ الشعور بعجزٍ عن وصفه) بالحاصل كلّ لحظة، في بلدٍ يزداد انهياراً وخراباً.
براعة الاشتغال في "دو يو لاف مي" وجماليته التوليفية، اللتان تصنعان من صُور مختلفة سياقاً درامياً (مع تلاعب بالتسلسل التاريخي وبدقّة المعطيات، وجينيريك البداية يذكر، من بين أمور عدّة، أنّه "عند الإشارة إلى أمور وقعت فعلاً، لم نكترث كثيراً لمقتضيات الدقّة التاريخية")، إذاً هاتان البراعة والجمالية تجعلان بعض الماضي اللبناني القريب راهناً، يُفترض به الحثّ على الوقوف أمام مرآة الذات، في هذه الحرب الجديدة، وفهم المُراد قوله عبر المقتطفات تلك.
المشاهدة، وإنْ المتأخّرة قليلاً، الحاصلة لحظة عيش حرب إضافية، تقول إنّ قدراً ملعوناً يرافق المرء منذ نصف قرن. أي حظٍّ هذا؟ أي قدر؟