الستاند أب كوميدي في المغرب... جلسة على مقعد سيختفي سريعاً

04 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 00:03 (توقيت القدس)
طاليس ورشيد رفيق في عرض كوميدي (طاليس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشهد فن الستاند أب كوميدي في المغرب ازدهاراً، مستلهماً من فن الحلقة والحكواتي، ومتأثراً بالستاند أب الفرنسي والأميركي. برامج مثل "كوميديا" و"كوميديا شو" ساهمت في بروز نجوم جدد.

- قاد "طاليس" فرقة "إيموراجي" إلى نجاح كبير، حيث نظمت 300 عرض في 30 مدينة وحققت 85 مليون مشاهدة. يركز الفنانون على المفارقات اليومية دون التطرق للتابوهات، مما يضمن جمهوراً واسعاً.

- رغم النجاح، يظل العنصر النسائي نادراً. يواجه الفنانون تحديات الرقابة الذاتية والسوق، ويدعو النقاد لتحسين النصوص والاستعانة بمخرجين، مع التركيز على القضايا الفكرية والجمالية.

عندما يعلن مؤدي الستاند أب الكوميدي المغربي، يسار، أو فرقة "إيموراجي"، عن عرض مقبل، سيكون على الراغب في الحضور الإسراع بشراء التذكرة، فالمقاعد تختفي سريعاً، بالرغم من أن فناناً مثل يسار يقدم عروضاً في الملاعب بدل المسارح لتكفي المقاعد الحضور الكبير، وبالرغم من أن "إيموراجي" نظمت أكثر من 300 عرض في 30 مدينة. ففي المغرب، تمرّ سوق الستاند أب بمرحلة ازدهار، إذ يقبل الجمهور بكثافة على عروض عالية الترفيه وذات مواضيع قليلة المخاطرة.

الستاند أب كوميدي ليس غريباً على الثقافة المغربية. تربى المغاربة على فن الحلقة في ساحة جامع الفنا، حيث كانت الفقرات الكوميدية عنصراً ضرورياً فيها. يقول المخرج والناقد المسرحي، بوسرحان الزيتوني، لـ"العربي الجديد": "تاريخياً، لم يولد الستاند أب من فراغ. خرج من رحم الحلقة، ومن تقاليد الحكواتي والسخرية الشعبية، ثم لبس معطفاً عصرياً متأثراً بالستاند أب الفرنسي والأميركي. لغته في الغالب هجينة: دارجة أساساً، تتسلل إليها العربية الفصحى والفرنسية والإنكليزية حسب النكتة والموضوع والجمهور".

لكن رغم تاريخ النكتة في المغرب القديم، ظلّ عدد فناني الستاند أب قليلاً في تاريخ المغرب الحديث. كانوا أفراداً مثل حسن الفد ومحمد الخياري وسعيد الناصري، أو ثنائيات مثل بزيز وباز؛ والعروض كانت في مسارح قليلة من أجل جمهور قليل، بينما كانت غالبية شهرة هؤلاء النجوم تُكتَسب من ظهورهم في التلفزيون وأحياناً عبر الأقراص المضغوطة.

يسار في أحد عروضه (يسار)
يسار في أحد عروضه (يسار)

سنة 2008 تغيّر كل شيء. انطلق برنامج "كوميديا"، مسابقة اختيار أفضل كوميدي مغربي صاعد، وقد نجح في لفت انتباه الملايين، وسرق البسمة من وجوه المشاهدين في أنحاء المغرب. تلاه برنامج "كوميديا شو"، الذي صار موعداً نصف شهري للعروض الكوميدية تقدمها وجوه مسابقة "كوميديا" نفسها، وهؤلاء هم من تحوّلوا اليوم إلى نجوم شباك.

من أبرز هؤلاء نجد يسار المغاري، محمد باسو، رشيد رفيق، وآخرين عدة. أسماء اليوم يتسابق عليها الجمهور وتحقق الأرباح والنجاح. مثلاً قدّم يسار عرضه "لمهيّب" 76 مرة خلال سنة واحدة، وقدّم عرضه "ولد الناس" 124 مرة في ثلاث سنوات، في رقم قياسي في تاريخ الستاند أب الفردي المغربي.

وبينما بدأ بعض نجوم الستاند أب بظهور تلفزيوني، بدأ بعضهم الآخر من خلف الشاشة، خصوصاً حسن الفد، فنان الستاند أب الأول في المغرب. دخل عبد الرحمن أوعابد، المعروف باسم "إيكو"، عالم الاحتراف في عالم الستاند أب مع الفد عام 2009، حين شارك إلى جانبه في عرض ساخر في الدار البيضاء، بينما بدأ عبد العالي لمهر، المعروف بلقب "طاليس"، قفزته الكبيرة مع الفد أيضاً من خلال المشاركة في كتابة "لكوبل"، السلسة الكوميدية الأشهر في تاريخ المغرب.

"طاليس" ليس مجرّد نجم ستاند أب يحقق إقبالاً، بل هو كذلك قائد أوركسترا من الكوميديين البارزين، فهو مدير "إيموراجي"، وهي فرقة تقدم عروض ستاند أب جماعية، تتكون من شخصيات واسعة الشهرة في المسلسلات والإنترنت وعلى خشبة المسرح. يقول طاليس لـ"العربي الجديد" إن فكرة المشروع جاءته حين وجد ندرة في العروض الحية والإقبال عليها، فقد "كانت هناك مسرحيات لكن الستاند أب لم يكُن راسخاً كفاية. لذا قرّرت أن أضرب موعداً شهرياً مع جمهور الدار البيضاء لمشاهدة عرض مكون من مجموعة من الكوميديين. هذا منحنا الفرصة لنقدّم ما نعرفه للجمهور".

طاليس في أحد عروضه (طاليس)
طاليس في أحد عروضه (طاليس)

يقول طاليس: "لم نكن نربح المال لكن كنّا نربح حب الجمهور. عندما بدأنا إيموراجي ظللت لثلاث سنوات أوزع الدعوات المجانية على الناس، وأطلب أن يشتروا التذاكر، لكن لم يكن أحد يريد الشراء". يذكر طاليس أنّ الفنانين الذين كانوا في المشروع لم يثقوا فيه جميعاً أيضاً، فقد "بدأت بنحو 24 فناناً، لكن لم يبقَ منهم سوى النصف. أكلمنا الطريق معاً". ويشير إلى أن تصوير العرض وخروجه إلى الإنترنت "ساعدنا كثيراً،إذ بدأ الناس يثقون ويتفرجون ويشترون، حتى أمست التذاكر مباعة كاملةً"، ويضيف: "المشروع جعل مجموعة من الشباب يتحركون ويثقون في أنفسهم".

النتيجة كانت غير مسبوقة. بين عامَي 2015 و2024، نظمت "إيموراجي" أكثر من 300 عرض في 30 مدينة مغربية، إضافة إلى ثمانية بلدان، حضرها نصف مليون متفرج، وحقق محتوى الفرقة 85 مليون مشاهدة. فكرة عروض الستاند أب الجماعية اكتسبت بريقاً، فظهرت مجموعات أخرى، أبرزها "بومباكوميك"، وحققت بدورها الشهرة والإقبال، سواء في المسرح أو في الإنترنت. يعلّق طاليس: "لقد أظهر المشروع للشباب أنه حتى نحن نستطيع جمع فرقة وفرض أسلوبنا والكوميديا كما نريدها".

يركز فنانو الستاند أب المغربي في عروضهم على المفارقات التي يعيشها الإنسان في الحياة اليومية، فهي تشبه نكات الميم المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها تأخد وقتاً أكثر في الكتابة والربط في عرض متقن تتسابق عليه الجماهير. يربط كثيرون بين نجاح الكوميديا وضرورة تناولها للتابوهات، خصوصاً الجنس والدين والسياسة. لكن تبدو عروض الستاند أب في المغرب ناجحة من دون تناولها.

يسار في أحد عروضه (يسار)
يسار في أحد عروضه (يسار)

يقول يسار لـ"العربي الجديد": "ليس هناك داعٍ للنبش في السياسة لتُظهر للجميع أنك عكس التيار أو أنك مثقف، ولا النبش في الديانات والاستهزاء بواحدة على حساب الأخرى. ومحاولة كتابة القفشات على حساب الدين أو في موضوع الجنس يعني أنك ستخسر جمهوراً كبيراً". يعلّق طاليس مذكراً بأن المغرب "بلد محافظ، مهما انفتحنا سنبقى نراعي هذا الأمر"، ومع ذلك "كل ممنوعٍ مرغوب، وبالرغم من أن هذه المواضيع الثلاثة يصعب الحديث فيها، فهي ما يريد الناس سماعه". 

لا يعني ذلك أن الكوميديين لا يتطرقون إطلاقاً إلى المحظورات. محمد باسو مثلاً اشتهر بالانتقادات اللاذعة لممارسات سياسيّة وإدارية في المغرب، سواء من خلال عروضه الخاصة، أو عبر الإنترنت من خلال سلستَي "ناطق غير رسمي" و"سي الكالة". طاليس أيضاً، من خلال سلسلته "صلاح وفاتي"، تناول المشاكل سياسية إلى جانب المشاكل الاجتماعية المرتبطة بها.

عن هذا التناول يقول طاليس: "نحن فنانون لكننا كذلك مواطنون، ونعاني ما يعانيه باقي الناس"، يضيف: "نناقش مواضيع عادية، ونستطيع أيضاً زيادة الجرأة قليلاً. نحن نعرف أن المقدسات الثلاثة في المغرب هي الله والوطن والملك، ولا نتجاوزها، ونناقش المواضيع المسموح بها، من خلال دفع حدود الكتابة وبذل مجهود أكثر فيها".
 

طاليس في أحد عروضه (طاليس)
طاليس وفدوى طالب (طاليس)

لا يبدو أن المرأة مستفيدة من هذا الازدهار الذي تشهده ساحة الستاند أب في المغرب. في الماضي، كانت الكوميدية حنان الفاضلي الاسم شبه الوحيد في هذا المجال، واليوم لم يختلف الوضع كثيراً، فالنساء في عالم الستاند أب المغربي يمكن عدُّهنّ على رؤوس الأصابع. يعلّق طاليس: "ندرة العنصر النسوي مشكلة أعاني منها شخصياً في المجموعة". يتابع: "أحاول منح العنصر النسوي فرصة لأن لدينا نقصاً كبيراً. المواهب موجودة لكن لا تزال صعبة الحضور في الستاند أب".

بدوره، يرى الناقد بوسرحان الزيتوني أن الستاند أب في المغرب "لا يزال بين سندان الرقابة الذاتية ومطرقة السوق"، ويقترح تطوير هذا المجال على مستوى الفكر وكذلك على الأدوات. بالنسبة إلى الأدوات، ينصح الزيتوني بتجاوز فكرة الارتجال الدائم، الذي يظهر عفوياً، بينما هو في الحقيقة ارتباك غير مُدرّب: "يُستحسن أن يتغير التعامل مع النص: نكتة تُكتب، تُجرَّب، تُحذَف، تُعاد صياغتها، ولا تُرمى كيفما اتفق". كذلك، ينصح بتجاوز الارتهان إلى الموضوعات السهلة، حتى لا يصبح الضحك "رخيصاً وقصير العمر".

علاوة على ذلك، ينصح الناقد بالاستعانة بمخرجين ومدربي تمثيل، وذلك "لتهذيب الكثير من الحركات والتحركات والنبرات والإشارات المجانية التي تظل سجينة الشخص الاجتماعي، ولا تطور من بناء أداء واعٍ بذاته وأدواته".

ولتطوير الستاند أب فكرياً، يدعو الزيتوني إلى تغيير النظرة إلى الستاند أب بوصفها تفريغاً فقط، ويوضح أن "الستاند أب يمكن أن يكون تفكيراً ضاحكاً، وليس مجرد ضحك. من المهم الوعي بأنه فن إرباك المسلَّمات والبديهيات، وأن يبتعد عن النقد السياسي والفكري الضحل"، كما يشير، فلا يمكن أن يشتد عود الستاند أب خارج وعي صُنّاعه بوظائفه الفكرية والثقافية والجمالية، وحاجته إلى تخصص كتابي صارم، وعدم السقوط في التبسيط، والاستسهال: "ليحقق وجوده يحتاج، أيضاً، إلى مناخ من حرية التعبير ورفع سقف النقد الاجتماعي والسياسي، وأن يكون له رأي وموقف من قضايا الإنسان"، يقول الناقد. 

يقول طاليس: "لقد بدأنا بحماس، لا نفكر في المال في البداية، كنّا نريد فقط أن نُظهِر موهبتنا أولاً. الله أعطانا موهبة ووثقنا بها، في البداية أردنا فقط نيل الاعتراف، أردنا أن تصل الموجة إلى أقصاها". اليوم، يقول يسار إنّ "الستاند أب في المغرب في المنحى الصحيح بعد ركود دام سنوات.

الآن مع ولادة جيل جديد من الشباب الكوميديين وبناء مسارح عدّة بمواصفات عالمية، أظن أن مستقبل الستاند أب في المغرب يبشر بالخير". يؤيده طاليس، لكن ينبّه إلى أنه "حتى يستمر في التطور، وجود الشباب ضروري، لأن الكوميديا يجب ألّا تبقى حكراً على أحد، بل أن تكون مجالاً مفتوحاً للجميع، وأي شخص قادر على تحقيق إضافة سيكون مُرحّباً به".