الصحافة المصرية: الفنانون ضيوفاً على المؤثرين بدلاً من الإعلاميين
استمع إلى الملخص
- كشفت الأزمة عن فجوة متزايدة بين الفنانين والصحافة، حيث فقدت الصحافة المصرية دورها في صناعة الفن والنقد، وأصبحت تركز على المحتوى الترفيهي السطحي، مما دفع الفنانين لتفضيل وسائل التواصل الاجتماعي.
- تواجه الصحافة المصرية تحديات كبيرة في استعادة ثقة الجمهور، حيث يجب عليها التركيز على تقديم محتوى ذي قيمة وخدمة القراء بدلاً من الاعتماد على المشاهير، واستعادة حريتها وصورتها من خلال أداء المهام الصحافية بشكل صحيح.
انفجرت أزمة جديدة بين الصحافيين في مصر والوسط الفني بعد جنازة الفنان الراحل سليمان عيد الذي غادرنا في 18 إبريل/نيسان الماضي. تمثّل الحدث الرئيسي في صورة عشرات الأشخاص يحاصرون الجنازة والجثمان بكاميرات هواتفهم، وأثارت الصورة انقساماً جديداً بين فريقين؛ واحد يرى أهمية تصوير الجنازات باعتبارها توثيقاً ضرورياً، وآخر يرفض وجود الكاميرات والمتطفلين في مثل هذه اللحظات الخاصة.
لم ينتبه أحد في المعركة الأخيرة إلى أن المنتَج الصحافي الوحيد من الجنازة كانت مشاهد المصورين أنفسهم وهم يطاردون الفنانين والجثمان بحثاً عن أي لقطة للترند. تحول وجود المصورين إلى اللقطة الصحافية الأبرز، وأوجزت الصورة الوضع البائس الذي تعيشه الصحافة المصرية في السنوات الأخيرة، واكتمل بؤس المشهد باتجاه النقاش حول حال الصحافة في مسألة تغطية الجنازات وحسب، لدرجة اجتماع عدة نقابات للتفاوض حول الطريقة الصحيحة لتصوير الجنازات، وكأنها المشكلة الوحيدة التي تعانيها الصحافة المصرية، أو اعتبارها الدور الوحيد للصحافة.
والجميع يعرف أن القصة ليست توثيقاً للأحداث، خاصة أن معظم هذه الجنازات لا تهم الجمهور، ولا تحقق أي قيمة صحافية، فهي ليست أحداثاً تاريخية أو جماهيرية، مثل جنازة عبد الحليم حافظ وأم كلثوم، بل أغلبها جنازات لأقارب الفنانين ومناسبات عائلية محدودة. لكن هذه المناسبات تمثل فرصة للصحافيين والأفراد العاديين في صنع محتوى لوسائل التواصل الاجتماعي، حتى لو كان المحتوى عبارة عن تلقي الشتائم والتعنيف من المشاهير.
كشفت الأزمة الأخيرة عن فجوة تزداد عمقاً بين الفنانين والصحافة، بعدما انتقل الحديث من الجنازات إلى عدم احترام الفنانين لمهنة الصحافة، خاصة الأجيال الجديدة من الفنانين الذين قد لا يعرف عدد كبير منهم ما هي الصحافة من الأساس، ويتصورون أنها الصفحات الترفيهية على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يجدد الحديث بالضرورة حول مأساة الصحافة المصرية في الوقت الحالي، بعدما خسرت حريتها مع بداية 2014، وبعدما فرطت بإرادتها في القيمة المتبقية منها بكامل إرادتها من أجل الترند.
قبل ذلك، كان الفنانون يعتبرون نشر بعض الصحف والمجلات عنهم بمثابة اعتراف بنجاحهم ووثيقة اعتماد رسمية، ولكن الآن ما الفائدة من تجاوب الفنانين مع الصحافة؟ يردد بعضهم باستمرار أنه لا غنى للوسط الفني عن الصحافة، ولكن الحقيقة التي لا يريدون سماعها هي أنه الصحافة المصرية لا دور لها حالياً في صناعة الفن عامة؛ فهي لا تدخل في عملية صنع الشهرة والنجومية، ولا تخلق تيارات نقدية مؤثرة في الصناعة، ولا تكشف حقائق ولا تلعب حتى دور الوسيط بين الجمهور وصناع الفن.
قد يعطي تجنبها قيمة إضافية للفنانين، بعدما تحولت غالبيتها إلى مصدر إزعاج وإلى صفحات تهتم بالمحتوى الرديء، ولكن السؤال الأهم: هل انتهى دور ومحتوى الصحافة فقط لأن الفنانين لا يعيرونها اهتماماً ولا يتجاوبون مع طلباتها؟ في ذلك بؤس آخر إلى جانب حصر الصحافة في تصوير الجنازات، وهذه مشكلة الصحافيين أنفسهم وليس الفنانين.
ومع هذا الوضع، وُجدت القيمة المفقودة في بعض البرامج التلفزيونية، مثل "معكم" لمنى الشاذلي و"صاحبة السعادة" لإسعاد يونس. نجحت هذه البرامج في البداية بخلق أهميتها من طريقة اختيار الضيوف، وركزت على اختيار الناجحين والملهمين أو أصحاب التاريخ الفني الثري، ما جعل فكرة الجلوس أمام المذيعتين تكريماً لهم ودليلاً على النجاح وتحقيق الأحلام. ولكن في السنوات الأخيرة انحرفت هذه البرامج عن مسارها، وأصبح مقعد الضيف متاحاً لأي شخص لديه عدد معين من المتابعين، أو لأي فنان لديه قصة طلاق وزواج، أو حالة إنسانية تجلب التعاطف والمشاهدات.
نقطة الانحدار في هذه البرامج بدأت مع تخليها عن دورها وسبب تميزها مقابل منافسة الصفحات الترفيهية الخفيفة، التي تعتمد على الألعاب والحوارات الشخصية الطريفة خارج الفن، ولاقت قبولاً واسعاً لدى الفنانين لأنها في النهاية تشكل قيمة تسويقية بالنسبة إليهم، وتجعلهم أقرب إلى الجمهور بتقديم شخصياتهم بالطريقة التي يحبونها والترويج لأعمالهم من خلال محتوى ملائم للوسيلة نفسها، ولكن نقل هذا المحتوى للبرامج التلفزيونية جعلها تخسر الميزتين وتتحول إلى فقرات ثقيلة الظل ومثيرة للسخرية، ولم يعد هناك أهمية في الظهور بالبرامج سوى الأجر المادي، لذلك لا فرق بين الجلوس على مقعد منى الشاذلي أو مقعد "شيخ الحارة" و"حبر سري"، طالما مقاعدهم بلا قيمة أو ميزة.
يخسر الإعلام المصري في منافسة صفحات وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين على الأرقام والمشاهدات، ووضع نفسه في مقارنة معها، لذلك لا عجب في تفضيل فنان ما الذهاب إلى منزل أحد المؤثرين وتصوير فيديو معه على أن يجري حواراً صحافياً، خاصة مع منافسة الإعلام للمؤثرين في الإعلانات، وتحول الصحافة المصرية إلى كيانات دعاية وعلاقات عامة، ما يجعلها في علاقة اعتمادية على المشاهير، واعتبارهم مصدر الرزق والمحتوى الوحيد، لأنه لسوء الحظ في هذه المنافسة ستخسر الصحافة أيضاً أمام المئات من المؤثرين واليوتيوبرز من أصحاب ملايين المتابعين المخلصين.
يرى بعضهم أن الحل في اعتبار النجوم أنداداً للصحافيين أو أعداء، ولكن الحل هو إخراج المشاهير عموماً من المعادلة، فهم ليسوا هدف الصحافة بل القراء، هم مجرد جانب واحد من الجوانب التي تهتم بها الصحافة لتقديم خدمة صحافية للجمهور، الطرفان يعملان في الأساس من أجل التأثير بالجمهور.
وانتزاع الصحافة ثقة واحترام الجمهور هي المهمة والتحدي الأساسي، لذلك على الصحافة المصرية إلقاء اللوم على نفسها أولاً على التفريط بدورها الأساسي وصورتها وحريتها، ومن بعدها البحث عن استعادة أهميتها بطريقتها، ربما من الاكتفاء فقط بأداء أبسط المهام الصحافية بشكلها الصحيح، وطرح السؤال البديهي قبل كل شيء: ما الأهمية والغرض من وراء هذا الشيء الذي ننشره؟ وهل هذا دورنا والوضع الذي نرتضيه لأنفسنا ومهنتنا؟