الصحافة المصرية تراكم أزماتها في 2025

04 يناير 2026   |  آخر تحديث: 06:18 (توقيت القدس)
أمام مقر نقابة الصحافيين المصريين في القاهرة، 4 مايو 2016 (محمد الراعي/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت الصحافة المصرية في 2025 أزمات متلاحقة، بدأت بتفجر الأوضاع في "البوابة نيوز" واستمرت مع معاناة الصحافيين المؤقتين، وصولاً إلى أزمة صحيفة "الفجر"، مما يعكس خللاً بنيوياً في اقتصاديات الصحافة وحقوق الصحافيين.

- أزمة صحيفة "الفجر" تفاقمت مع توقف الطباعة ووقف الرواتب، وإغلاق المقر لتجنب الإيجار، بينما ترفض شركة المتحدة الاعتراف بالعاملين، مما يهدد بتصفية الصحيفة.

- يعاني الصحافيون المؤقتون من غياب الحقوق والضمانات، حيث يتقاضى 19% منهم أقل من 3 آلاف جنيه شهرياً، مما يبرز الحاجة لإصلاحات جذرية في قطاع الصحافة.

شهدت الساحة الصحافية المصرية خلال 2025 سلسلة أزمات متلاحقة، وصفتها الأوساط المهنية بأنها الأشد وطأة منذ سنوات، لما حملته من تداعيات مباشرة على مستقبل المهنة وأوضاع العاملين فيها. فمنذ مطلع العام الماضي، توالت الأزمات داخل مؤسسات صحافية كبرى، بدأت بتفجّر الأوضاع في "البوابة نيوز"، مروراً باستمرار مأساة الصحافيين المؤقتين في المؤسسات القومية للعام العاشر على التوالي، وصولاً إلى الأزمة الحادة التي تضرب صحيفة الفجر. مجتمعةً، كشفت هذه الوقائع عن خلل بنيوي عميق في اقتصاديات الصحافة ونظم العمل وحقوق الصحافيين.

تصفية صامتة في "الفجر"

تصدّرت صحيفة الفجر المشهد خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما دخلت المؤسسة في أزمة ممتدة منذ عدة أشهر، تمثلت في التوقف الكامل عن طباعة العدد الورقي، بالتوازي مع وقف صرف رواتب العاملين، ما فاقم الأوضاع المعيشية والمهنية للصحافيين والإداريين. وبحسب مصادر من داخل الجريدة، اتخذت الإدارة، التي تصف نفسها بـ"إدارة تسيير الأعمال"، قراراً بإغلاق مقر المؤسسة هرباً من أعباء الإيجار، من دون تقديم أي بدائل تضمن استمرار العمل أو حفظ حقوق العاملين. واعتبر الصحافيون هذه الخطوة بمثابة تصفية تدريجية للمؤسسة وإهدار متعمّد لحقوقهم.
في شهادتها حول الأزمة، تقول الصحافية ميسون أبو الحسن إن الصحيفة توقفت عن الطباعة منذ شهور طويلة، فيما توقفت المرتبات لفترة أطول، مشيرة إلى أن قرار غلق المقر لم يكن بدافع التطوير أو إعادة الهيكلة، بل للتهرب من دفع الإيجار. وأضافت أن صحافيين أمضوا أكثر من عقد داخل المؤسسة وجدوا أنفسهم فجأة بلا عقود أو رواتب أو حتى اعتراف مهني. وأوضحت أبو الحسن أن شركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي اشترت أسهم الصحيفة، ترفض الاعتراف بالعاملين الحاليين أو تحمّل مسؤولياتها القانونية تجاههم، ما وضع كياناً صحافياً استمر نحو 20 عاماً على أعتاب التصفية.

صدام مفتوح في "البوابة نيوز"

لم تكن أزمة "الفجر" سوى حلقة جديدة في سلسلة أزمات 2025، إذ سبقتها أزمة "البوابة نيوز" التي وصلت إلى طريق مسدود بين الإدارة ونقابة الصحافيين. ففي اجتماع طارئ عقده مجلس النقابة يوم 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، قرر اتخاذ إجراءات قانونية ونقابية رادعة، شملت إقامة دعوى قضائية لوقف إجراءات التصفية لمخالفتها المادة (240) من قانون العمل، والمطالبة بإلزام المؤسسة بتطبيق الحد الأدنى للأجور. كما قرر المجلس بالإجماع إحالة مالك الصحيفة ورئيس تحريرها عبد الرحيم علي، وابنته داليا عبد الرحيم رئيسة التحرير التنفيذية، إلى التحقيق النقابي ولجنة القيد، على خلفية مسؤوليتهم عن فصل الصحافيين، والامتناع عن تطبيق الحد الأدنى للأجور، وتقديم بلاغات ضد الزملاء المعتصمين من دون الحصول على إذن خصومة من مجلس النقابة. وأكدت النقابة أنها خاطبت وزارة العمل والمجلس الأعلى للإعلام وهيئة التأمينات الاجتماعية لحصر المشكلة وحماية حقوق العاملين، مشددة على أن أي حل حقيقي يبدأ بصرف الأجور المتأخرة والالتزام بالحد الأدنى للأجور.

أزمة الصحافيين المؤقتين

في قلب هذه الأزمات، تبرز قضية الصحافيين المؤقتين في المؤسسات الصحافية القومية الذين يمثلون العمود الفقري للعمل اليومي في الإصدارات المملوكة للدولة. في بيان صدر منتصف ديسمبر/كانون الأول، أعلن الصحافيون المؤقتون دعمهم لخطط الإصلاح المالي والإداري، لكنهم طالبوا الهيئة الوطنية للصحافة ونقابة الصحافيين بوضع ملف تثبيتهم على رأس الأولويات. وكشف البيان عن أرقام صادمة، إذ يعمل أكثر من 300 صحافي وصحافية بنظام المكافآت المؤقتة، إلى جانب نحو 450 من الإداريين والعمال، منذ سنوات تجاوز بعضها 15 عاماً، من دون أي حقوق وظيفية أو ضمانات اجتماعية. ولا تتجاوز رواتب الغالبية 3 آلاف جنيه شهرياً (63 دولارا أميركيا)، فيما يتقاضى بعضهم 500 جنيه فقط (10 دولارات)، تُصرف بشكل متقطع قد يتأخر لثلاثة أشهر. وطالب البيان بتنفيذ البروتوكول الموقع بين النقابة والهيئة الوطنية للصحافة، لإنهاء معاناة "المكافأة الشاملة".

اقتصاد مأزوم

هذه الأزمات، بحسب مختصين، ليست استثناءً، بل انعكاس لواقع اقتصادي متدهور. فقد أظهرت دراسة تطبيقية أعدها الصحافي حماد الرمحي، عضو مجلس نقابة الصحافيين سابقاً والمتخصص في اقتصاديات الإعلام، صورة قاتمة لأوضاع الصحافيين في مصر. ووفق الدراسة، يتقاضى 19% من الصحافيين أقل من 3 آلاف جنيه شهرياً، و40% أقل من 5 آلاف جنيه، فيما يعمل 20% بلا أجر على الإطلاق. وأكد 84% من الصحافيين أن دخلهم لا يضمن حياة كريمة، في حين يحصل 2% فقط على أجر كافٍ، ويغادر 43% المهنة من دون مكافأة نهاية خدمة.
وعند مقارنة دخل الصحافي المصري بنظرائه إقليمياً ودولياً، تتسع الفجوة بشكل لافت؛ إذ يتراوح متوسط دخله السنوي بين 36 ألفاً و84 ألف جنيه، مقابل 6 إلى 12 ألف دولار في الأردن، و14 إلى 35 ألف دولار في السعودية، وتتجاوز 60 ألف دولار سنوياً في دول مثل قطر والولايات المتحدة.