استمع إلى الملخص
- انضمت فرق أخرى مثل Godspeed You! Black Emperor إلى حملة "لا موسيقى للإبادة"، داعية لإزالة الموسيقى من منصات إسرائيلية احتجاجاً على الإبادة في غزة، مستلهمة من مقاطعة ثقافية سابقة لجنوب أفريقيا.
- شركة "هلسينغ" الألمانية، التي تأسست في 2021، تركز على تطوير برمجيات عسكرية وتوسعت في تصنيع طائرات مسيّرة، مما يثير الجدل حول علاقتها مع إسرائيل ودورها في بنية اقتصادية تُغذي الحروب.
أعلنت فرق موسيقية بارزة مثل Massive Attack وKing Gizzard and the Lizard Wizard انسحابها من منصة سبوتيفاي، احتجاجاً على استثمارات رئيسها التنفيذي ومؤسسها دانيال إيك في الشركة الدفاعية الألمانية "هلسينغ". ما بدا في البداية "موقفاً فنياً احتجاجياً" ضدّ إدارة المنصات الرقمية سرعان ما سلط الضوء على صناعة الموسيقى وتكنولوجيا الحرب.
فرقة Massive Attack البريطانية الشهيرة، المعروفة بتاريخها السياسي المناهض للحروب، أعلنت في بيان أنها طلبت من شركتها المنتجة إزالة كامل أرشيفها من "سبوتيفاي" في أنحاء العالم كافة، وجاء في البيان: "بعيداً من مبادرة (لا موسيقى للإبادة)، وبالنظر إلى الاستثمارات الكبيرة المعلنة لمدير سبوتيفاي التنفيذي في شركة تنتج الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي المدمج في المقاتلات الحربية، قدّمنا طلباً مستقلاً لإزالة موسيقانا من المنصة". الفرقة شددت على أن القضية تتجاوز مسألة العائدات المالية المنخفضة التي طالما اشتكى منها الفنانون على "سبوتيفاي"، لتصل إلى "عبء أخلاقي"، إذ يجد الفنانون أنفسهم مضطرين للتساؤل: هل تُستخدم الأموال التي يدرّها إبداعهم ومجهودهم لتمويل تكنولوجيا مميتة على جبهات القتال؟ وفي منشور آخر على "إنستغرام"، ربطت الفرقة بين نجاح المقاطعة الثقافية لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وبين ما يجري اليوم من حرب إبادة إسرائيلية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، معتبرة أن مقاطعة إسرائيل ثقافياً، ورفض تمويل شركات متورطة في صناعات حربية، هو الفعل الأخلاقي الملحّ في عصرنا، وكتبت: "كفى وأكثر من كفى. ثمة درب آخر ممكن".
وMassive Attack ليست وحدها. الفرقة الأسترالية King Gizzard and the Lizard Wizard، التي تمتلك أرشيفاً هائلاً يضمّ 27 ألبوماً، سحبت أعمالها من "سبوتيفاي" في يوليو/تموز الماضي، وأوضحت عبر "إنستغرام": "مدير سبوتيفاي دانيال إيك يستثمر الملايين في تكنولوجيا الطائرات العسكرية المسيّرة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي… أزلنا موسيقانا من المنصة (سبوتيفاي)… فلنضغط على هؤلاء الأشرار من تقنيي المال لفعل ما هو أفضل". الفرقة دعت جمهورها إلى متابعة أعمالها على منصات بديلة، خصوصاً "باندهامب"، إذ جعلت ألبوماتها متاحة وفق نظام "ادفع ما تشاء"، واحتلت ألبوماتها الـ27 المراتب الأولى في قائمة المبيعات على المنصة، ما قدّم نموذجاً لنجاح المقاومة الثقافية في وجه الرأسمالية الرقمية.
كما انضمت فرق وفنانون آخرون إلى الحملة، من بينهم Godspeed You! Black Emperor، وDeerhoof، وWu Lyf، بالإضافة إلى مئات الفنانين الذين وقعوا على مبادرة "لا موسيقى للإبادة" التي تدعو لإزالة الأعمال الموسيقية من منصات البث الرقمية الإسرائيلية، في خطوة احتجاجية على الإبادة الجماعية المستمرة ضدّ الفلسطينيين في غزة، وقال القائمون على المبادرة في بيان، أول من أمس الخميس، إن هدفهم الضغط على شركات الإنتاج الكبرى مثل "سوني" و"يونيفرسال" و"وارنر" للانضمام إلى الخطوة، "على غرار قرارها السابق وقف توزيع الموسيقى في روسيا عقب غزوها أوكرانيا".
من الموسيقى إلى السلاح: خيوط الاستثمار
ما هي "هلسينغ" التي دفعت هؤلاء الفنانين إلى مقاطعة "سبوتيفاي"؟ تأسست الشركة في ميونيخ عام 2021 على يد رجل الأعمال في مجال ألعاب الفيديو تورستن رايل، والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الألمانية غوندبرت شيرف، والباحث في الذكاء الاصطناعي نيكلاس كولر. هدفها المعلن: تطوير برمجيات عسكرية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات أجهزة الاستشعار وأنظمة الأسلحة في ساحات القتال، واتخاذ قرارات فورية في الميدان. لكن الشركة لم تكتفِ بالبرمجيات. خلال السنوات الأخيرة، توسّعت لتصنيع طائرات مسيّرة هجومية (HX-2)، وأنظمة قتال جوية ذاتية التشغيل، وغواصات مراقبة من دون طاقم.
في يونيو/حزيران الماضي، قادت شركة بريما ماتيريا، التي أسسها الرئيس التنفيذي لـ"سبوتيفاي" دانيال إيك وشريكه شاكيل خان، جولة تمويلية ضخمة بلغت 600 مليون يورو (696 مليون دولار أميركي)، رفعت تقييم "هلسينغ" إلى 12 مليار يورو (13.92 مليار دولار)، لتصبح من بين أكثر خمس شركات تقنية خاصة قيمة في أوروبا. وبذلك، تجاوز مجموع ما جمعته الشركة منذ تأسيسها 1.37 مليار يورو (1.59 مليار دولار تقريباً).
تزامن صعود "هلسينغ" مع تحولات جذرية في سوق الاستثمار الدفاعي الأوروبي. وفق تقرير لصندوق الابتكار في حلف الناتو، بلغ حجم الاستثمارات في قطاع الدفاع والأمن في أوروبا عام 2024 مستوى قياسياً عند 5.2 مليارات دولار، بنمو 30% خلال عامين، في وقت انكمش فيه سوق رأس المال المغامر العالمي بنسبة 45%. هذا السياق يفسر إصرار إيك على تبرير استثماراته. ففي مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز البريطانية في يونيو/حزيران الماضي، قال: "شخصياً، لست قلقاً. أركز أكثر على فعل ما أراه صحيحاً، وأنا مقتنع تماماً بأن هذا هو الخيار الصائب لأوروبا". بالنسبة له، الأمر ليس مجرد مغامرة استثمارية، بل رهان على "السيادة التكنولوجية" الأوروبية في مواجهة روسيا، وعلى دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل ساحات القتال الحديثة.
أسئلة عن العلاقة مع إسرائيل
منذ بداية الجدل، شدّدت "هلسينغ" على أن عملياتها تقتصر على أوروبا، وأن تقنياتها لم تُستخدم إلّا في أوكرانيا لمواجهة روسيا. الشركة أكدت أنها لا تعمل في "مناطق نزاع أخرى"، في إشارة واضحة إلى غزة. حتّى الآن، لا أدلة على أن "هلسينغ" أبرمت عقوداً مباشرة مع إسرائيل. لكن الصورة أكثر تعقيداً. فالشركة ترتبط بعلاقات مع شركات دفاعية أوروبية مثل "ساب" السويدية، وتعاونت سابقاً مع "راينميتال" الألمانية، وهي شركات لديها بدورها تعاملات أو شراكات مع السوق الإسرائيلية. هذا التشابك في شبكة عقود الصناعات الدفاعية يجعل من الصعب رسم خطوط فاصلة واضحة بين الشركات "المستفيدة" وتلك "المتواطئة". ولذلك، يرى الفنانون المقاطعون أن المسؤولية الأخلاقية لا تُقاس بالعقود المباشرة فحسب، بل أيضاً بالتمويل والمشاركة في بنية اقتصادية عالمية تُنتج آلات القتل وتُغذي الحروب.
أما بالنسبة لـ"سبوتيفاي"، فإنّها تستقطب أكثر من 381 مليون مستخدم، بينهم 172 مليون مشترك مدفوع. عبر نظام أسهم مزدوج، يمتلك إيك نحو 9% فقط من الأسهم، لكنه يحتفظ بـ37% من حقوق التصويت، ما يجعله القوة المهيمنة على قرارات الشركة. هذه الأرقام تعني أن كل استماع، وكل اشتراك شهري، وكل إعلان يُبث عبر المنصة، قد يُعاد تدويره جزئياً ليصبّ في استثمارات دفاعية، حتى وإن كان بعيداً عن "سبوتيفاي" كشركة. وهنا يسأل الفنانون: هل يمكن لموسيقى تهدف إلى المتعة والإلهام أن تموّل تقنيات القتل في آنٍ واحد؟
من جنوب أفريقيا إلى فلسطين
لا تنفصل حملة المقاطعة الموسيقية اليوم عن تاريخ طويل من النضالات الثقافية ضد أنظمة القمع. ففي ثمانينيات القرن الماضي، لعب الفنانون دوراً محورياً في مقاطعة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وساهموا في عزل بريتوريا دولياً. يرى كثيرون اليوم أن ما يجري في غزة من إبادة ممنهجة يستدعي استعادة هذا التقليد. مبادرة "لا موسيقى للإبادة"، التي تضم أكثر من 400 فنان وشركة إنتاج، تعيد إنتاج هذا النموذج، في زمن الرقمنة والذكاء الاصطناعي. الفنانون اليوم يعتمدون على منصات البث للوصول إلى جمهور عالمي. والمنصات الرقمية تُدار بمنطق الشركات العملاقة الباحثة عن توسع واستثمار في أسواق جديدة، بما في ذلك الدفاع والتسلح. هكذا يتحول الفنان إلى جزء من سلسلة اقتصادية معقدة، قد تبدأ من الاستديو وتنتهي في مصنع طائرات مسيّرة.