- اعتُرف بالموضة المحتشمة عالمياً مع ظهور العارضة حليمة عدن على غلاف مجلة فوغ عام 2018، حيث أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة الموضة العالمية، مع توقعات بوصول الإنفاق عليها إلى 375 مليار دولار.
- تتميز الأزياء المحتشمة بطابعها الأزلي وقدرتها على البقاء، مع تعزيز الأناقة وحرية التنسيق، وتوسعت لتشمل شركات الملابس الرياضية والسريعة، مع فعاليات مثل أسابيع الموضة المحتشمة في لندن ودبي.
لم تعد الموضة المحتشمة مقتصرة على سياقات دينية أو ثقافية بعينها، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد الاتجاهات الصاعدة في صناعة الأزياء العالمية. فبعد أن ارتبطت تاريخياً بالعادات والتقاليد والالتزام الديني في مجتمعات محددة، لا سيما في الشرق الأوسط وأجزاء من آسيا، بدأت تشق طريقها إلى منصات العروض العالمية وأسواق الموضة الكبرى، بوصفها خياراً جمالياً وأسلوباً في التعبير عن الهوية، وليس مجرد انعكاس لقيم دينية.
هذا التحوّل لم يحدث دفعة واحدة. لفترة طويلة، بدت الأزياء المحتشمة محصورة في نطاق ضيق، سواء في التصميمات أو الحضور الإعلامي، لكن مع اتساع الأسواق الخليجية والآسيوية، وارتفاع قدرتها الشرائية، بدأت دور الأزياء العالمية تلتفت إلى هذا القطاع، ليس استجابة لطلب ثقافي فقط، بل باعتباره فرصة اقتصادية واعدة.
شكّل ظهور العارضة الصومالية الأميركية حليمة عدن على غلاف مجلة فوغ عام 2018 محطة مفصلية في هذا المسار. لم يكن ذلك إعلاناً عن ولادة الموضة المحتشمة، بقدر ما كان لحظة اعتراف رمزية بها داخل صناعة لطالما تجاهلت هذا الأسلوب. لاحقاً، بدأت الأزياء المحتشمة تحضر بوضوح في العروض العالمية، وفي إطلالات بعض المشاهير، بوصفها خياراً جمالياً يعتمد عناصر مثل القصّات الواسعة والأقمشة الطويلة والابتعاد عن الكشف المفرط.
في هذا السياق، أطلقت دور أزياء عالمية مجموعات مخصّصة أو خطوطاً فرعية تراعي هذا الأسلوب، من بينها دار دولتشي آند غابانا التي قدّمت عام 2016 مجموعة عباءات موجّهة إلى الأسواق الخليجية. فتحت هذه الخطوة الباب أمام دور أخرى لتقديم تجارب مماثلة، في محاولة لمخاطبة أسواق باتت تشكّل وزناً أساسياً في صناعة الموضة.
بحسب تقديرات صادرة عن مؤسسات بحثية معنية بصناعة الأزياء، فإن قطاع الأزياء المحتشمة من الأسواق الأسرع نمواً، مدفوعاً بارتفاع الطلب في دول الخليج، وجنوب شرق آسيا، وأجزاء من أفريقيا. ويُقدَّر حجم الإنفاق العالمي على هذا القطاع بمئات المليارات من الدولارات سنوياً، ما يعكس تحوّله إلى جزء أساسي من منظومة الموضة العالمية.
يرى خبير الموضة وتنسيق الأزياء، عمر عبد الغني، أن هذا التوسّع لم يكن مفاجئاً. يقول عبد الغني، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، إن "التطوّر الذي شهدناه في صناعة الموضة المحتشمة يعود إلى أسباب عدة، أبرزها أن دور الأزياء الكبرى لم تكن معنيّة بهذا الاتجاه في السابق، لكن عندما تبيّن أن القوة الشرائية الكبرى موجودة في البلدان الخليجية، بدأت بتكييف مجموعاتها بما يتناسب مع عادات هذه المجتمعات". يضيف أن الأمر لا يقتصر على الخليج، "فهناك أيضاً الهند ودول في آسيا تضم مجتمعات ملتزمة دينياً، وقد شكّلت قوة شرائية إضافية عزّزت هذا الاتجاه".
يلفت عبد الغني إلى دور مجموعات الكبسولة (Capsule collections) في هذا التحوّل، ويوضح أن "هذه المجموعات الصغيرة منحت المصممين مرونة أكبر، وأتاحت إدخال الأزياء المحتشمة من دون الالتزام بمجموعات موسمية ضخمة، وهو ما أثبت نجاحه تجارياً". يشير كذلك إلى أن العائلات المالكة تشكّل شريحة أساسية تستهدفها دور الأزياء العالمية، "ومن الطبيعي أن تنعكس متطلباتها في تصاميم تدخل ضمن إطار الموضة المحتشمة التي تجمع بين الرقي والأناقة".
رغم شيوع الاعتقاد بأن الموضة المحتشمة ظاهرة حديثة، فإن عناصرها كانت حاضرة تاريخياً في مراحل مختلفة من تطور الأزياء، خصوصاً في أوروبا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين سادت القصّات الواسعة والفساتين الطويلة. غير أن عودة هذا الأسلوب اليوم تأتي في سياق مختلف، تحكمه تحوّلات اجتماعية واقتصادية، إضافة إلى تغيّر في الذوق العام.
يرى عمر عبد الغني أن المنافسة اليوم ليست بين الاحتشام والجرأة، بل بين أساليب متعددة داخل الصناعة نفسها. يقول إن "الطلب موجود على الاتجاهين، ولهذا تعتمد دور الأزياء الكبرى الأسلوبين معاً، من دون تفضيل أحدهما على الآخر". يضيف أن الأزياء المحتشمة تتميّز بطابعها "الأزلي" وقدرتها على البقاء لفترات أطول، لكنها "لن تلغي الأزياء الجريئة، لأن لكل أسلوب جمهوره".
بدورها، تشير خبيرة تنسيق المظهر والألوان، مريم عمار، إلى أن الموضة المحتشمة باتت خياراً أساسياً لدى كثير من العلامات العالمية، لا سيما تلك التي تستهدف السوق الخليجية. تقول عمار، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، إن "علامات مثل بالنسياغا ودولتشي أند غابانا باتت تطلق تصاميم تراعي هذا الأسلوب، سواء في العباءات أو في الملابس الواسعة والمريحة".
توضح عمار أن الاحتشام لا يتناقض مع الأناقة، بل قد يعزّزها: "المرأة تستطيع أن تُبرز أنوثتها من دون أن تكشف مفاتنها، سواء كانت محجبة أم لا"، تقول عمار، مشيرة إلى أن هذا الأسلوب يتيح حرية أكبر في تنسيق الإطلالة وإبراز الشخصية. وتستشهد بإطلالات الشيخة موزا بنت ناصر، التي تحوّلت إلى مصدر إلهام لكثيرات، بوصفها نموذجاً للأناقة المحتشمة ذات الطابع العصري.
يشير تقرير واقع الاقتصاد الإسلامي العالمي إلى أن حجم الإنفاق على الملابس المحتشمة مرشح للوصول إلى 375 مليار دولار. لم يقتصر هذا التوسع على العلامات الفاخرة، بل شمل شركات الملابس الرياضية والسريعة؛ إذ أطلقت "نايكي" غطاء الرأس الرياضي "برو حجاب" (Nike Pro Hijab)، كما تعاونت علامة أونيكلو مع المصممة البريطانية اليابانية هانا تاجيما (Hana Tajima) لتقديم مجموعات موسمية. إضافة إلى ذلك، استقلت هذه الموضة بفعالياتها التنظيمية العالمية مثل أسابيع الموضة المحتشمة في لندن ودبي.
انطلاقاً من تجربتها الشخصية، ترى عمار أن اعتماد الموضة المحتشمة لا يعني الانفصال عن الصيحات، بل إعادة تفسيرها بما يتناسب مع الذوق والهوية. وتضيف أن "الأذواق تختلف، لكن الأهم أن تعكس الإطلالة شخصية المرأة، لا أن تكون مجرّد تقليد أعمى للموضة الرائجة".
في المحصلة، لا يمكن اختزال الموضة المحتشمة في بعدها الديني، ولا تقديمها بديلاً يُقصي غيره من الاتجاهات. فهي، في شكلها الراهن، تعبير عن تحوّلات أوسع في صناعة الأزياء، إذ تتقاطع الهوية مع السوق، والذوق الشخصي مع العوامل الاقتصادية، لتنتج أسلوباً يجد مكانه اليوم على منصات الموضة العالمية.