الهدنة في الإعلام: طهران وواشنطن تتنازعان سردية النصر

08 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 17:45 (توقيت القدس)
في طهران عقب إعلان الهدنة، 8 إبريل 2026 (فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- في طهران، اعتبرت الهدنة بين إيران والولايات المتحدة "انتصاراً تاريخياً" لإيران، حيث فرضت شروطها على واشنطن، بما في ذلك رفع العقوبات والاعتراف بالتخصيب.
- الرئيس ترامب أعلن أن الولايات المتحدة حققت "نصراً كاملاً"، مشيراً إلى أن الجيش الأميركي تجاوز أهدافه العسكرية، مما أتاح فتح نافذة لحل دبلوماسي.
- التغطية الإعلامية الإسرائيلية أظهرت ارتباكاً، حيث دعمت الحكومة الهدنة علناً، بينما وصفتها بعض الصحف بأنها "كارثة سياسية".

تحوّل إعلان الهدنة لأسبوعين بين إيران والولايات المتحدة، فجر أمس الأربعاء، إلى ساحة مواجهة على مستوى الخطاب الإعلامي والسياسي، إذ سارع الطرفان إلى إعلان "النصر"، كلٌّ بلغته وأدواته.

في طهران، جاءت الرواية الأكثر حدّة عبر بيان المجلس الأعلى للأمن القومي الذي قدّم الاتفاق لا بوصفه هدنة، بل نتيجة مباشرة لـ"هزيمة تاريخية ساحقة" أُلحقت بالولايات المتحدة. البيان، الذي نُشر عبر قنوات رسمية ونقلته وسائل إعلام إيرانية، ذهب إلى حد القول إن إيران "أجبرت أميركا على قبول خطتها ذات النقاط العشر" أساساً للمفاوضات، وهي خطة تشمل رفع العقوبات، والاعتراف بالتخصيب، وانسحاب القوات الأميركية من المنطقة، ودفع تعويضات، إضافة إلى تثبيت السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز وإنهاء الحرب على "محور المقاومة". ولم يخلُ النص من لغة تحذير مباشرة، إذ شدد على أن "أيدي" إيران "على الزناد"، وأن أي خطأ سيُواجَه "بكل قوة".

هذا الخطاب الرسمي أعادت إنتاجه وتكثيفه وسائل إعلام إيرانية مثل "برس تي في" ووكالة تسنيم للأنباء، إذ قدّمت الهدنة بأنها "انتصار تاريخي" حققت فيه إيران "معظم أهدافها" من الحرب، وركزت على فكرة أن واشنطن لم تدخل التفاوض إلا بعدما "فُرضت عليها الشروط". وذهب مذيع التلفزيون الرسمي الإيراني إلى القول إن "وقف إطلاق النار فُرض على العدو بعد الردّ الناجح للقوات المسلحة"، في تأكيد مباشر لرواية طهران بأن الهدنة جاءت نتيجة تفوق ميداني. وفي موازاة ذلك، استُخدمت لغة التهديد منهجياً، مع تكرار رسائل تؤكد جاهزية الرد العسكري.

في المقابل، لم تكن الرواية الأميركية أقل حدّة، وإن اختلفت أدواتها. الرئيس دونالد ترامب أعلن بشكل قاطع أن الولايات المتحدة حققت "نصراً كاملاً ومطلقاً، مائة في المائة"، رافضاً في الوقت نفسه توضيح ما إذا كان سينفذ تهديداته السابقة بضرب البنية التحتية الإيرانية في حال خَرْق الاتفاق، مكتفياً بعبارة تحمل قدراً متعمداً من الغموض: "سترون". هذا الامتناع عن التحديد لا يبدو عرضياً، بل يندرج ضمن استراتيجية إبقاء التهديد قائماً كأداة ضغط خلال المحادثات بين الطرفين التي تبدأ الجمعة في العاصمة الباكستانية إسلام أباد.

البيت الأبيض بدوره تبنّى الرواية نفسها بصيغة أكثر مؤسساتية. المتحدثة باسم الرئاسة كارولاين ليفيت، أكدت أن الولايات المتحدة "حققت وتجاوزت أهدافها العسكرية خلال 38 يوماً"، وأضافت أن "نجاح الجيش خلق أقصى درجات النفوذ" التي سمحت لإدارة ترامب بالدخول في "مفاوضات صعبة" أفضت إلى فتح "نافذة لحل دبلوماسي وسلام طويل الأمد"، مشيرة كذلك إلى أن إعادة فتح مضيق هرمز تُعد من نتائج هذا التفوق.

لكن الصدام لم يقتصر على تفسير نتائج الحرب، بل امتد إلى التشكيك في أصل الرواية نفسها، إذ هاجم ترامب تغطية شبكة "سي أن أن" للبيان الصادر عن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ووصفه بـ"المفبرك"، وادعى أنه مرتبط بموقع "أخبار مزيفة"، حتى إنّه ادّعى أن "السلطات تنظر في ما إذا كانت الشبكة قد ارتُكبت جريمة أو لا"، وأن "سي أن أن" طُلب منها "سحب هذا البيان فوراً مع تقديم اعتذار كامل". من جهة ثانية، أكدت الشبكة أنها حصلت على البيان من مسؤولين إيرانيين، وأنه نُشر عبر وسائل إعلام رسمية داخل إيران.

في المقابل، عكست التغطية الإعلامية الإسرائيلية حالة ارتباك وتباين. قبل إعلان الهدنة، واصلت القناة 13 الإسرائيلية بثّ عدٍّ تنازلي مباشر طوال يوم الثلاثاء، يرصد الثواني المتبقية حتى مهلة الساعة الثامنة مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة (فجرالأربعاء بتوقيت إيران)، التي كان ترامب قد هدّد بعدها بـ"تدمير حضارة بأكملها" إذا لم يجرِ التوصل إلى اتفاق.

ومع إعلان الهدنة في اللحظات الأخيرة، لجأت القنوات الإخبارية الإسرائيلية إلى بثّ مشاهد منقسمة على الشاشة: على الجانب الأيمن احتفالات ورفع أعلام في طهران عقب إعلان "النصر"، وعلى الجانب الأيسر لقطات مباشرة لغارات جوية مكثفة على لبنان، مع تنفيذ جيش الاحتلال الإسرائيلي سلسلة غارات وصفت بأنها الأعنف منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، استهدفت مناطق في قلب العاصمة وضاحيتها بتوقيت متزامن، ما خلّف إصابات وأضراراً مادية كبيرة.

وفي سياق متصل، لفت مراسلون إلى أن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أصدر بيانه الأول الداعم للهدنة باللغة الإنكليزية فقط، في خطوة فسّرها محللون على أنها محاولة لطمأنة إدارة ترامب، مقابل تجنّب ردود فعل داخلية في إسرائيل، على اعتبار أن الهدنة لم تحقق أهداف الحرب المعلنة.

أما نبرة التغطية، فبدت حادة في بعض المنابر، وخصوصاً في صحف مثل "هآرتس"، حيث وُصفت الهدنة بأنها "كارثة سياسية". ونُقل عن زعيم المعارضة يائير لابيد قوله إنها "أسوأ كارثة سياسية في التاريخ"، في إشارة إلى بقاء البرنامج النووي الإيراني والنظام السياسي من دون تغيير. ونشر رئيس لجنة الأمن القومي، تسفيكا فوغل، تعليقاً وصف فيه الرئيس الأميركي بأنه "بطة"، في انتقاد لتراجعه عن تهديداته، قبل أن حذف المنشور سريعاً.