بدر الشعيبي... غناء بالسترة والسروال الفضفاض

14 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:36 (توقيت القدس)
يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه "النسخة الجديدة" من فناني الخليج العربي (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يسعى بدر الشعيبي لتقديم نفسه كفنان خليجي عصري، متأثراً بنجوم عالميين مثل دريك، بهدف الوصول إلى جمهور دولي من خلال مزيج موسيقي يجمع بين العناصر الخليجية التقليدية وإيقاعات التكنو الحديثة.
- يعكس ألبومه "الرقم الصعب" رؤيته الموسيقية الجديدة، حيث يمزج بين الشجن الخليجي وإيقاعات التكنو مع لمسات من البوب المصري، مما يبرز تأثره بالإنتاج الموسيقي المصري المعاصر.
- تأتي جهوده في سياق التحولات الثقافية بالسعودية، حيث يتم دعم الفنانين الشباب لتعزيز صورة المملكة كدولة منفتحة ومعتدلة.

غالباً ما يظهر المغني السعودي الشاب بدر الشعيبي (31 عاماً)، عبر الصور في الإنترنت ومن خلال مقاطع الفيديو الخاصة بأغانيه من خلال ستايل أقرب إلى نجم الراب الكندي دريك (Drake) منه إلى مواطنيه من أعلام الغناء، أمثال طلال المداح ومحمد عبده. بذلك، كأنما يسعى إلى تقديم نفسه، على غرار العنوان الذي سبق أن انتقاه لألبومه الصادر سنة 2023، بوصفه "النسخة الجديدة" من فناني الخليج العربي.

لا يقف مشروع النسخة الجديدة عند مظهر السترة والسروال الفضفاض والحذاء الرياضي، وإنما يمتد ليشمل المنتج الموسيقي أيضاً، بل حتى السوق المنشودة له، إذ قلّما، إن لم تكن تلك بسابقة، أن يعلن مغنٍّ من السعودية أن هدفه هو الوصول إلى العالمية، وليس المنطقة الناطقة بالعربية بخليجها وشامها ومصرها وصولاً إلى شمال أفريقيا، وإنما العالم بأسره.

كان لاستضافته من أجل المشاركة في إحياء حفل افتتاح مونديال قطر سنة 2022 كبير الأثر على رؤيته لمشواره الفني. مُذ ذاك، أخذ طموحه يكتسب زخماً خاصاً. بعدها بعام، صرّح لصحيفة الشرق الأوسط قائلاً:

"أسعى إلى العالمية، وأعمل على تحقيق هذا الحلم، والعالمية بالنسبة لي ليست معناها تداول أغنية لدى الغرب، بينما العالمية هي أن الجمهور الغربي يقطع تذاكر حفلي من أجل الاستماع لأغنياتي كاملة، كما أنني أسعى خلال السنوات المقبلة لأن أكون واحداً من أهم خمسة فنانين بالوطن العربي".

إضافةً إلى المظهر العصري والتصريحات المليئة بالثقة والتحدي، يمكن رصد مسار تبلور النسخة الجديدة موسيقياً، وذلك بعد الاستماع إلى إصداره الأخير المعنون "الرقم الصعب" ذي الثمانية تراكات.

يعكس اختيار العنوان Ego يجمع بين فخر شعراء العرب القدامى وحدّة التنافسية السائدة والمتأثّرة بفلسفة رياديي الأعمال (Entrepreneur) حول تنمية الذات وتعزيز الثقة بها وبالقدرة على إعادة خلقها بما يكفل لها تحقيق المستحيل؛ رؤية للحياة والعالم بات يروّجها معشر الإنفلونسرز على "يوتيوب"، ومواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً بين "الملينيالز".

إلا أن التراك، حامل اسم الألبوم، كلمات علي بوغيث وألحان أحمد عبد الهادي، قد جعل من العنوان حمّال أوجه: فعند الاستماع إلى مطلع الأغنية تزامناً مع مشاهدة الكليب المشغول بطريقة الأنيميشن، يمكن الاستدلال أن الشعيبي المصوَّر على أنه شخصية سوبر هيرو بعيون تشع احمراراً وإصراراً هو الرقم الصعب، ريثما تؤدي متابعة الاستماع إلى الاستنتاج بأن الرقم الصعب وصفٌ يندرج في سياق محبٍّ يتغزّل بمحبوبته إعجاباً وانكساراً، على غرار الأغنية الخليجية أواخر التسعينيات وأول الألفية الثالثة.

يعزز مقام الكرد خليجية الأغنية بنموذجها الأشد شجناً ورومانسيّة. يتجلّى ذلك في غناء الكوبليه الأول، مطلع الأغنية، من دون مرافقة موسيقية. لكن سرعان ما يخضع لحن الكرد الشجي لمعالجة غير مألوفة، بوضعه على إيقاع التكنو الراقص، فيتحوّل إلى عيّنة محليّة ضمن إطار Oriental Pop مشغول بالوسائل الإلكترونية.

يضاف إليها أشبه بلصاقة (ثانية 00:34) تغلّف المنتج بمظهر الـCrossover تُسمع على شكل مقطع يُغنّى بالإنكليزية، يردّد عبارات كثيراً ما ترد بدورها في خطاب "التنمية الذاتية": Flying High till catch the sky.

كأن الشعيبي بذلك يودّ امتلاك الكعكة وأكلها: فمن خلال دمج عناصر اللون الخليجي الرومانسي في التكنو العابر للمحلية، إنما يسعى إلى ابتكار منتج صالح للاستهلاك في السوق العربية والدولية على حد سواء، مستلهماً من موضة الأورينتال تكنو الذي أخذ يحقق حضوراً في مسارح أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.

وكما تأثر الجيل الأسبق من مغني الخليج بالأغنية المصرية في أطوارها السابقة، يبدو تأثر الشعيبي بالإنتاج المصري المعاصر؛ هو الذي يزور مصر دورياً مرّتين في الشهر ويعتمد في إنتاجه الموسيقي على شبكة من شراكات مع كتاب وملحنين ومنتجين مصريين.

وعلى قدر التنوع الذي آل إليه البوب المصري، ينوّع أيضاً من استلهاماته. ففي أغنية "يالله نغنّي"، كلمات مشاري إبراهيم وألحان أحمد عبد الهادي، يغني الشعيبي بصوت متأثر بمحمد حماقي، كما يظهر في الفيديو كليب بحبكة تذكّر بأغاني أحمد السقا. أما في "زي الكاميرا"، كلمات عليم وألحان عمرو الشاذلي، المؤداة باللهجة المصرية، فيتّبع الأسلوب الذي راج أخيراً في مصر والمتمثل بالجمع بين مجازية الكلمة في الموسيقى البديلة (Indie) وشعبية الإيقاع والغناء في موسيقى المهرجانات.

يجدر بالأذن النقدية وضع مسعى الإتيان بنسخة جديدة في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية في السنين الأخيرة، والتي وصلت حدّ ما يشبه الهندسة المعكوسة (Reverse engineering) للحياة الاجتماعية والثقافية كما آلت إليه منذ أواخر السبعينيات، في أعقاب الحادثة المعروفة بـ"اقتحام الحرم المكي" سنة 1979، التي أحدثت رضىً عميقاً، أدّى بالدولة والمجتمع اطراداً نحو الانغلاق والتقوقع والتمسّك بأنماط العيش الأكثر تزمّتاً دينياً واجتماعياً.

قد يفسر ذلك الدعمُ المتصل الذي بات يحظى به الفنانون الصاعدون على كل الصعد، والتمويل السخي للفعاليات الفنية والموسيقية ذات الطابع الجماهيري والأكثر النخبوية، وتخصيص آليات حكومية نافذة وفاعلة لها مثل هيئة الترفيه السعودية.

من جهةٍ أخرى، يمثّل خطابُ بدر الشعيبي ومجايليه وحضورهم في الفضاء العام والسايبيري استجابة للروح السائدة المفعمة بأدبيات "التنمية الذاتية"، إذ يوضع البلد على سكة الوصول إلى نموذج دولة استثمارية ذات طابع ريادي، في سعي إلى تجاوز نموذج الاقتصاد الريعي المقترن بدوام الثروات الطبيعية. من هنا، وجب تمكين الشباب، الذين يشكل من هم تحت سن 30 منهم نسبة 60% من السكان، لكي يهمّوا بالاعتماد على أنفسهم بدلاً من الاتكال على المؤسسات.

على عاتق الشباب أيضاً، والفنانين منهم على وجه الخصوص، يقع تسويق النسخة الجديدة عالمياً في مواجهة النظرة النمطية التي ترسَّخت عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول، فتظهر المملكة أكثر اعتدالاً وانفتاحاً وأكثر تصالحاً مع سمات الحياة الليبرالية. يبقى أن مدى عمق التحوّلات واستدامتها وعدم حدوث انتكاسة هو ما سيجعل من السعوديين والسعوديات "الرقم الصعب" وسط المعادلات الجيوسياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية. 

المساهمون