استمع إلى الملخص
- كان سيرج غينسبورغ القوة الموسيقية خلف نجاح باردو، حيث تعاون معها في أغنيتين شهيرتين هما "Bonnie and Clyde" و"Harley Davidson"، مستلهمًا من الثقافة الأمريكية.
- سعت باردو لتقديم نموذج الفتاة المتحررة في أوروبا ما بعد الحربين، مما جعلها أيقونة ثقافية قادرة على التسويق عالميًا، مستميلة جيل الستينيات الباحث عن هوية محلية.
رحلت الأسبوع الماضي النجمة بريجيت باردو (Brigitte Bardot) عن 91 عاماً. وقد اقترن اسمها بحقبة البوبّ الشاعريّ الفرنسي، الممتدّة بين عقدي خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي. حقبةٌ جرى خلالها دمج كل من السينما والأغنية، الأزياء وألق الشهرة، ضمن صناعةٍ فنيّةٍ مُعولَمة، قامت على أسطرة الحياة الليبراليّة العصريّة في مدينة باريس ما بعد الحربين العالميّتين، من خلال سرديّاتٍ تحتفي بمُتَع الحبّ والجنس ومعاناتهما، وتنوس في مظهرها ما بين استلهامٍ للثقافة الأميركية، وأورَبةٍ لها.
ولأجل هذه الصناعة، كان لا بدّ للحسناء الشقراء أن تضطلع بدور الغناء أيضاً، إلى جانب كونها رمزاً جنسيّاً (Sex Symbol) لزمنها. ولم يكن هذا الدور ليتطلّب حنجرةً استثنائيّة، ولا تربيةً موسيقيّةً رفيعة، بل فقط حفظ الأشعار ومجاورة النغمة الصحيحة؛ إذ إنّ غياب "الملكة الغنائيّة" بحدّ ذاته تحوّل إلى لونٍ فنّيٍّ خاصّ، ميّز كلاً من الأغنية والفيلم الفرنسيّين في تلك الحقبة. فقد جرى التركيز على التعبير أكثر من التطريب، إلى حدٍّ بات فيه الأداء أقرب إلى حديثٍ مشحونٍ بالعاطفة والإثارة، منه إلى الغناء بالمعنى الاحترافي التقليديّ.
في دنيا الترفيه وبطركيّات الإنتاج الفنّي، غالباً ما يقف خلفَ كلّ نجمةٍ صانعٌ للنجوم. وقد برز في هذا السياق اسمُ الممثّل والمغنّي وكاتب الأغاني الفرنسي سيرج غينسبورغ (1928 - 1991)، الذي أمّن القوّة الموسيقيّة الدافعة لكلٍّ من بريجيت باردو ومنافستها فرنسواز هاردي (1944 - 2024).
ومع أنّ الأخيرة اقتربت أكثر من أن تكون إحدى مغنّيات المرحلة، فإنّها لم تكن متمتّعةً بالتأهيل المهنيّ الكامل من أجل الغناء بشكل مكين، وإنما جرى الاستثمار اللوني في ضعف صوتها، ليكون إيحاءً للهشاشة السيكولوجية ودلالةً على الأنوثة المُفرِطة.
اشتهر تعاون بريجيت باردو وغينسبورغ خصوصاً خلال عقد الستينيات، وقد أثمر أغنيتين عمّرتا طويلاً في أسماع الجيل، ثمّ في ذاكرة الأجيال اللاحقة، حتى غدتا بمثابة صدىً للحقبة. الأولى بعنوان Bonnie and Clyde، صدرت سنة 1968 مرّتَين ضمن ألبومين مستقلّين لكلٍّ من الشريكين الفنيّين، اللذين أدّياها ثنائيّاً (Duo). وقد استندت الأغنية إلى قصيدةٍ أميركيّةٍ تروي قصّة زوجين خارجَين على القانون إبّان فترة الكساد العظيم الذي ألمّ باقتصاد الولايات المتّحدة في العقد الثالث من القرن الماضي.
لا تعكس الأغنية الهيمنةَ الثقافيّةَ الأميركيّةَ على البوبّ الأوروبي في مضمونها فحسب، بل في شكلها أيضاً؛ إذ تصدح مقدّمتها كما لو أنّها أغنية روك صادرة من نيويورك أو لوس أنجليس وليس من باريس، على وقع غيتار الباص وطبول الدرامز، موفِّرةً إيقاع Groove ثقيلاً، مُزخرفاً بتشكيلةٍ من الـRiffs على غيتار أكوستيك (من دون تكبير). في حين يكمن الطابع الفرنسي في تلاوة المقطع الأوّل من النصّ من دون تلحين، وبصوت غينسبورغ، تمهيداً لسردٍ قصصيّ حول "بوني وكلايد"، يُستهلّ بتذكير المستمعين بقاطع الطريق جيسي جيمس، ذائع الصيت في الفولكلور الأميركي، والموالي للانفصاليّين إبّان الحرب الأهليّة.
ينتقل غينسبورغ تدريجيّاً من التلاوة المحضة إلى الغناء، مع محافظته على المراوحة ضمن بقعةٍ رماديّةٍ بين الاثنين. وتنضمّ بريجيت باردو بين الحين والآخر عند بعض الأبيات، بغرض تأكيد صيغة الأداء الثنائيّ، والتشديد على المفاصل الحيوية للازمة. يُؤدّى المقطع الثاني بالتناوب بينهما، وعلى هيئة حواريّة، في ابتعادٍ متعمَّد عن الغناء، والاكتفاء بالإلقاء كما لو أنهما يتحادثان، فتكتسب الأغنية حساسيّة دراميّة. وهكذا تستمرّ الأغنية في التدفّق من دون أيّ تغييرٍ يطرأ على قالبها حتى النهاية، كما لو أنّها شريطٌ سينمائيّ يواصل دورانه إلى أن ينتهي الفِيلم.
الأغنية الثانية تحمل عنوان "هارلي ديفيدسون" (Harley Davidson)، وقد صدرت سنة 1967. ومجدّداً، سواء من حيث المضمون، بدءاً من العنوان، أو من حيث الشكل، يظهر بوضوح السعي إلى استعارة رموز الثقافة الأميركية بوصفها شرطاً لاختراق سوق الأغنية الجماهيرية المُعوَلم، حتى في بلدٍ متمركزٍ بشدّة حول إرثه الوطني مثل فرنسا. يبدأ التراك بصوت رفرفة الريشة على وتر غيتار الباص الغليظ، فيُنتج صوتاً يحاكي هدير محرّك درّاجة نارية عند تشغيلها. ثم ينساب إيقاع روك متوسط السرعة، منتظماً على نقرٍ متواترٍ لوتر آلة وتريّة تحمل طابعاً فولكلورياً أميركيّاً.
بنبرةٍ نسويّةٍ مشبعةٍ بالشجاعة والتحدّي، يتخلّلها أداء تمثيلي ساخر، تؤدّي باردو المقطع الأوّل في المنطقة الرماديّة ذاتها بين الغناء والإلقاء، متباهيةً بقدرتها على قيادة درّاجة من نوع هارلي ديفيدسون بنفسها، ومن دون حاجةٍ إلى أحدٍ تركب خلفه. في الخلفية، يبرز بيانو خافت يُساهم في تدعيم صوت الدرامز ببطانة هارمونية.
تستمر الأغنية، كسابقتها، على المنوال نفسه من الدفق المرسل، من دون أن يطرأ أيّ تغيير بنيويّ على أقسامها. ولغرض كسر الرتابة، يحلّ غيتار كهربائي منفرد محلّ الغناء خلال المقطع الأوّل من إعادة المذهب (عند الدقيقة 01:12)، قبل أن تقتحم الحنجرة مجدّداً مجرى الموسيقى عند القنطرة، وتستأنف الغناء.
في كلتا الأغنيتَين، ومن خلال الشخصيّة الفنّيّة العامّة (Persona)، سعت بريجيت باردو (أو بالأحرى سعى وكلاؤها ومنتجوها) إلى تقديم نموذجٍ ثقافيّ للفتاة المتحرّرة في أوروبا ما بعد الحربين. نموذجٍ يجمع بين أضدادٍ عدّة، ويستميل، تبعاً لذلك، جيل ستينيّات القرن الماضي، الرازح تحت النفوذ الثقافيّ الأميركيّ الأنكلوسكسوني، والباحث في خضمّ الليبراليّة الاستهلاكيّة الصاعدة، عن هويّةٍ محلّيّة وجذورٍ، داخل مجتمعٍ لم يبرح محافظاً، سواء في مؤسّساته أم لدى شرائحه الأكبر سنّاً. وقد جاءت النتيجة سلعةً فرنسيّةً سمعيّةً بصريّةً مُؤمركةً، قابلةً للتسويق في فرنسا والدول المجاورة، كما في الولايات المتّحدة وسائر أنحاء العالم، تماماً مثل زجاجة عطرٍ فاخر، وسائر أصناف الجبنة والنبيذ.