بول مكارتني في وجه الذكاء الاصطناعي... دقيقتان من الصمت

07 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 12:18 (توقيت القدس)
الروبوت AI-DA تُنجز بورتريهاً لبول مكارتني، 2022 (ليون نيل / Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- عاد بول مكارتني بتراك صامت احتجاجًا على قوانين تسمح للشركات باستخدام الموسيقى المحمية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، معبرًا عن رفضه لتحويل سرقة الموسيقى إلى أمر قانوني.
- تواجه صناعة الموسيقى تحديات بسبب الذكاء الاصطناعي، حيث قد يخسر المبدعون جزءًا كبيرًا من عائداتهم بحلول 2028، مشيرًا إلى تأثير الإنترنت ومنصات البث على العائدات وتهميش الموسيقيين المستقلين.
- قد تتغير صناعة الموسيقى جذريًا مع التطورات التكنولوجية، حيث يمكن أن تصبح الفنون وسيلة للتعبير عن الذات، بينما يظل الأداء الحي مقتصرًا على البشر، مما يعيد الفنون إلى أصولها البشرية.

لم يغب الموسيقيّ البريطاني بول مكارتني (1942)، العضو البارز في فرقة ذا بيتلز، عن المشهد لمدة خمس سنوات، في ما يشبه صمتًا طويلًا عن الغناء والأداء، إلّا ليعود بتراكٍ صامتٍ مدته دقيقتان، ليس فيه ألحانٌ ولا كلمات، سوى ضوضاء خافتة وهمهمات تنحسر على طريقة الـFade-out المتعارف عليها في إنتاج الأغاني.

الغاية من ذلك التراك الصامت ليست فنيةً مفاهيمية، كتلك التي حدت بمؤلف ما بعد الحداثة، الأميركي جون كيج (John Cage)، إلى تأليف مقطوعته الأكثر شهرةً وإثارةً للجدل، المعنونة (4:33)، وتنصّ على أن يجلس العازفون من دون عزف وفي صمتٍ تام لمدة أربع دقائق وثلاثٍ وثلاثين ثانية، مُتيحين لأجواء القاعة الصوتية ملءَ المكان.

ما أراده مكارتني بالفعل هو صرخةُ احتجاجٍ مكتومة، على نقاشاتٍ داخل الحكومة البريطانية حول قوننةٍ جديدة، تُتيحُ للشركات المطوِّرة للذكاء الاصطناعي استخدام المنتجات الموسيقية المحميّة بموجب قوانين الملكية، لأجل تدريب نماذجها، وذلك بهدف جعلها مستقبلًا قادرةً على توليد الموسيقى بأجناسها المختلفة، وربما الإتيان بأجناس جديدة لم تخطر بعدُ على أذن إنسان.

الرسالة مفادها: "لا تجعلوا من سرقة الموسيقى وسيلةًقانونيةً في حوزة شركات الذكاء الاصطناعي". تضمّنها ألبومٌ جديد بعنوان "أهذا ما نريده؟" (Is This What We Want?) وقد ضمّ عددًا من النجوم القدامى والجدد، أمثال المغنية البريطانية كيت بوش، ومؤلّف موسيقى الأفلام الألماني هانز زِمر.

وقد اختير لتراك مكارتني الاحتجاجي عنوان "أغنية إضافية" (Bonus)، استلهامًا لحيلةٍ تسويقية تعتمدها شركات الإنتاج لدى إصدارها الأسطوانات، بأن تجعل واحدًا من التراكات مُدرجًا خارج اللائحة الأساسية، فيشعر المستهلك بأنّه حصل على أغنيةٍ إضافية لقاء شرائه الألبوم.

لا يغيب عن خيال أيّ مستمع أن غياب المحتوى عن التراك ما هو إلّا نذيرُ غيابٍ محتملٍ للإنسان عن صنع الموسيقى، تلك التي ارتبطت على الدوام، وحصريًّا، بما تعنيه. ألا وإن باتت اليوم تلك الصلة عرضةً للزوال، في معرض التطورات التكنولوجية غير المسبوقة في تاريخ البشرية، يأخذ الفنانون الأكثر شهرةً وتأثيرًا على عاتقهم دقَّ ناقوس الخطر، في وجه مآلِ مهنةٍ ونموذجِ صناعةٍ واقتصادٍ ونمطِ حياةٍ قد يُعدِم في القريب العاجل سُبُل البقاء.

مخاوفُ مكارتني وزملائه لا تأتي من فراغ. ففي دراسةٍ أعدّها أخيرًا "مجمعُ مجتمعاتِ الكُتّاب والمؤلفين" (CISAC)، فإنّه من المتوقّع أن يخسر مبدعو الموسيقى العائداتِ التي أمّنت لكثيرٍ منهم دخلًا أساسيًّا، وقد تراوحُ الخسارةُ حول 24% بحلول عام 2028. وثمّة تقريرٌ أعدّته HBS Economics قدّر خسائرَ الموسيقيين الأفراد في الدنمارك جرّاء سعةِ انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي موسيقيًّا بنحو 28%.

إلّا أنّ تلك ليست بالضربة الأولى التي تلقتها أركانُ الصناعة الموسيقية خلال الربعِ الأول من القرن الحالي. فقد سبقتها ضربةُ الإنترنت، خصوصًا بعد أن حلّت منصّاتُ البثّ (Streaming) محلّ الأسطوانات المدمجة. إثر ذلك، انخفضت عائداتُ إصدار الألبومات بنسبة تراوح بين 70 و80%، وذلك بحسب استفسارٍ أجراه البرلمانُ البريطاني سنة 2021.

أمّا بالنسبة إلى المستقلّين من الموسيقيين، فقد كانت الضربةُ شبه قاضية، إذ وصلت خسائرُ مداخيلهم إلى 90%، فضلًا عن التهميش الإلكتروني الذي باتوا يتعرّضون له، إذ تلعب اللوغاريتمات دورًا حاسمًا في حصر الأسماع ضمن قلّةٍ قليلة من النجوم لا تتجاوز 1%، أولئك الذين تُعدّهم وتسوّق لهم كبرياتُ الشركات في مجال الترفيه.

إلّا أنّ ما قد يغفله المتابعون هو المنسوبُ الأدنى من هَرَمِ الصناعة الموسيقية، والذي يبقى في ظلّ أضواء الشهرة: أي قطاع ما يُسمّى بفنّاني الاستوديو، وهم الموسيقيون الذين يسجّلون العناصر الأوليّة التي تدخل في التركيب النهائي للأغنية التجارية الضاربة، من عازفِ غيتار، أو درامز، أو مغنّي جوقة. هؤلاء لا تظهر أسماؤهم على أغلفة الأسطوانات، وقلّما يُدعون إلى حفلات جوائز غرامي، فضلًا عن الفوز بأيٍّ منها، وإنّما يكتفون بأجورهم لقاء العزف داخل الاستوديوهات أو المشاركة في الحفلات.

أولئك قد يفقدون وظائفهم بسبب خَرْقِ التقانة الجديد. وفي المقابل،  قد يبقى النجوم، وإن تقلّصت أرباحهم، ما دام البشر يفضّلون مشاهدة بني جلدتهم وهم يغنّون ويرقصون على المسارح، والاستماع إلى أصواتهم، حتى ولو سُجِّلت مسبقًا وعُرِضت بتقنية الـPlayback، عوضًا عن رجلٍ آليٍّ مُؤَنْسَن (Humanoid).

وبالنظر إلى التحوّلات العاصفة المتوقَّعة في ضوء تسارع الوثبات التي تُحرزها تقنيةُ الذكاء الاصطناعي، وما قبلها الإنترنت وما بعدها الحوسبة الكميّة، وهي تحوّلاتٌ لها أن تُصيب صلبَ الوجود البشري؛ فتُبدّل علاقة الإنسان بنفسه والعالم، فتُصفِّر التاريخ وتُعيد إحداث الحضارة.

ينبغي اعتبارُ ما سيلحق بالموسيقى، مقارنةً بالمرافق الأخرى الأكثر حيويّة من طبٍّ وحربٍ وصناعةٍ وتجارة، على أنّه هامشيٌّ لجهة تأثيره على الحياة. وكما في كلّ مرةٍ يحتدم فيها النقاش بين فريقِ المتشائمين بمستقبل التكنولوجيا الاصطناعية والمتفائلين به، يمكن دومًا استشرافُ بعضِ السيناريوهاتِ المُشرقة.

قد لا تبقى صناعةُ الموسيقى في المستقبل، عند الغالبية العظمى، مهنةً ومصدرَ ربحٍ أو رزق، فيما عدا قلّة قليلة من النجوم التي تصنعها كبرياتُ شركات الترفيه. ذلك قد يُعيد الفنون إلى أصولها البشرية الأولى، بوصفها وسائلَ للتعبير عن الذات، فتغدو نمطًا من الممارسة الروحية والتواصل الاجتماعي.

وهنا قد يُسهّل الذكاءُ الاصطناعي على غير المحترفين إيصالَ أفكارهم الموسيقية إلى الآخرين، عوضًا عن بقائها حبيسةَ أخيِلَتهم لعدم امتلاكهم الأدوات اللازمة لبلورتها. كما يمكن التنبؤُ بسَوادِ الأداء الحيّ بوصفه النشاطَ الموسيقيَّ الوحيد المقتصر على البشر والمتوفّر لهم، طالما ظلّ من غير المستطاع، أو غير المستساغ، استبدال الآلة بحضور الإنسان، لتصمت الحياة.

المساهمون