بين إعلانات برلسكوني الترفيهية وإعلانات الدراما العربية
استمع إلى الملخص
- الفنون التلفزيونية العربية تواجه تحديات بسبب الرقابة الحكومية والشعبية، مما يحولها إلى أدوات دعاية سياسية ويحد من قدرتها على تقديم رسائل معاصرة، حيث تتعرض للانتقاد إذا لم تتماشى مع مفاهيم "الدولة" و"المجتمع".
- الدراما التلفزيونية العربية، مثل "باب الحارة"، أثرت على المجتمع بتسويق أفكار معينة ورفع مستوى الغرائز القطيعية، مما أدى إلى انتشار أفكار عنف ماضوية بين الشباب، وظهر ذلك خلال الثورة السورية في 2011.
يحسم سيلفيو برلسكوني (1936 ـ 2023)، وهو من هو في عالم التلفزة الحديث نسبياً بين وسائط النقل المعلوماتية، في تعريفه لها بأنها وسيلة دعاية وإعلان مهما كان المنتوج فنياً أو إبداعياً تجديدياً، وهذا ما يخضع الفنون التلفزيونية (دراما، منوعات، منتجات ثقافية، رياضة... إلخ) لشرط الإعلانات المدفوعة، أو التي يستفاد منها على الصعيد السياسي (وهي بالتالي مدفوعة) أكانت دعاية انتخابية أم دعاية لحقن معلومات أيديولوجية أو سياسية من نوع معين، وهذا ما حوّله هو شخصياً من تاجر عقارات إلى سياسي تبوأ منصب رئيس وزراء إيطاليا مرات عدة، على الرغم من الملاحظات الشعبية الكثيرة على سلوكه الشخصي، وكذلك تعاملاته المالية وحتى علاقته بالمافيا. وقد كانت دعايته التلفزيونية بالمرصاد لهذه الملاحظات، وردت جميع الهجمات عليه باعتباره مرشحاً سياسياً لخوض الانتخابات، ما يعني أنها استطاعت تغيير وجهة نظر الرأي العام إلى جهة معاكسة تماماً.
ربما برلسكوني لم يجانب الحقيقة ولم يكن كذاباً أو مموهاً أو مدلساً في إعلانها، في المقابل، اعتبر الكثيرون أن الفنون التلفزيونية العربية، ومنها السورية على وجه أخص وفيها الدراما المتسلسلة، ما هي إلا أعمال خيرية تريد صلاح المجتمع، وتفهم نيات "الدولة". لكن عائقين اثنين وقفا في وجهها: الرقابة الحكومية، والرقابة الشعبية. الاثنتان تريدان تحويلها إلى دعاية وإعلان، ليس بالمفهوم التجاري للكلمة، بل بالمفاهيم السياسية والأيديولوجية، وهنا تحولت هذه المسلسلات إلى إعلان ثقافوي هو صدى للرقابتين، إذ لم تستطيعا تحمل رسالة معاصرة تتنافى مع مفهوميهما لـ"الدولة" و"المجتمع".
على الرغم من أن الرقابة الحكومية تخضع للوائح محددة، فإنها لم تسمح بمحتويات تتوقع ألا توافق عليها السلطات، أو بمحتويات تخدش حياء هذه السلطة، هذا إذا تجاهلنا التصفيق والنفاق، مثل صنع مسلسلات تمتدح بسخاء القائد الفرد البطل الذي يقود عشيرته إلى النصر والأمجاد مثل مسلسل "البركان" (1989، محمد عزيزية). لكن الجزء المكمل والضاغط على تلابيب الدراما التلفزيونية هو تلك الموجة التراثية الشعبوية في محاكمة الأعمال، بما يشبه دعاوى الحسبة التي تقرن الفن بالتشجيع على الفاحشة في موقف مسبق، ثم تحاسبه على ما يقدم، أو ما تعتبره هذه الرقابة التطوعية مغالطةً واعتداء على الأفراد والجماعات، بحجة خدش الحياء العام وغيره من تفصيلات واهية حول الحب والجمال والرقص والفن التشكيلي، وهذا ما يفسر إلى حد كبير الهجوم على الفنانين بعد إسقاط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي مباشرة. فالشرعية الرقابية الشعبوية تجبّ الفن نفسه إذا أرادت، محولة هذه الفنون الشعبية إلى دعاية استهلاكية لنوعية معينة من الثقافة تثرب من يخالفها، حتى لو لم تكن هناك عداوة بينها وبين الفن، كما حصل في "شارع شيكاغو" (2020، محمد عبد العزيز). ومع اجتماع الرقابتين، تتبادلان الضغط على بعضهما من أجل تغليظ الشروط وتحويلها قسراً إلى دعاية في خدمة الصالح العام، والعام هنا هو هؤلاء القاصرون الذين لا يستطيعون مشاهدة ما يمكن تقديمه لهم، فهم جهلة ومنقادون بأهوائهم الشخصية إلى كل ما هو ضار.
وعلى هذا تفترق إعلانات برلسكوني الترفيهية عن إعلانات الدراما العربية، وكذلك برامج المنوعات والترفيه. فواحدة تزيد السعادة وتقلل الوهن والملل، وثانية تحمل المشاهدين هموم الحشمة والتحرير والانتصار. وعلى هذا، ولولا بضع مسلسلات كوميدية هنا وهناك، لصارت المسلسلات حالة تعليمية خطابية تمتدح من تشاء وتذم من تشاء، ولا أريد استخدام كلمة البعض منها، فالإنتاج التلفزيوني غزير جداً ويعمل كمطرقة على مسمار، وهو يجتاح الصالح فنياً قبل الطالح، لقد أغرقت موضة "باب الحارة" (عرض الموسم الأول في 2006، بسام الملا) والمسلسلات على شاكلته الكثير من أسواق البث التلفزيوني، مع أنه عمل شديد السذاجة، فضلاً عن أخطائه الفادحة من نواحي التأريخ والتقاليد الشعبية والفلكلور. ومع هذا، جرى تناوله باعتباره عملاً واقعياً بناء على مقولة عجيبة هي "هكذا كان"، ونجح في ذلك، لأن لا ملاحظات رقابية عليه شعبية كانت أم حكومية، دافعاً الغرائز القطيعية إلى أعلى مستوى لها تعبيراً على نجاح دعايته بتسويق الأفكار، حتى صارت ألفاظ هذه المسلسلات وتصرفات أبطالها واضحة في لغة الشارع وأدائه اليومي، ولربما كانت أولى الألفاظ التي استعملت في الثورة السورية 2011 هي كلمة "عوايني"، في إشارة إلى المخبرين وكاتبي التقارير الأمنية، بالإضافة إلى مروحة واسعة من الأفكار العنفية الماضوية التي سيطرت على عقول المراهقين وسترافقهم طوال عمرهم، وهم يحاولون أن يكونوا زعماء حارة يغلق بابها عن العالم.