"بين يدي دانتي" في "فينيسيا 82": اختلال الرؤية إلى الإبداع
استمع إلى الملخص
- يستند الفيلم إلى رواية نِك توشيس، ويجمع بين زمن دانتي والعصر الحديث، متناولاً المخطوطة الأصلية لـ"الكوميديا الإلهية" لدانتي، ويبرز التناقض بين الحقائق الإنسانية والعلمية.
- يتميز الفيلم ببنية معقدة تتطلب مشاهدة دقيقة، حيث يؤدي أوسكار إيزاك دورين متناقضين، ويعكس العلاقة بين الألوهية والإنسانية، مع أداء بارع للممثلين.
لن يُفاجأ المشاهد برؤية آل باتشينو مؤدّياً مشهداً قصيراً للغاية في "بين يدي دانتي" (2025)، لجوليان شنايبل، بينما لو عرف أنّ من يقف وراء الفيلم، المعروض خارج مسابقة الدورة 82 (27 أغسطس/آب ـ 6 سبتمبر/أيلول 2025) لمهرجان فينيسيا، هو مارتن سكورسيزي، مُنتجاً فنياً له.
لا جينريك بداية، بل ظهور ممثلين كبار بأدوار محدودة: جون مالكوفيتش وفرانكو نيرو وجيرارد باتلر وجايسون موموا، وسكورسيزي نفسه بدور راهب حكيم. هكذا، يبدو الفيلم سكورسيزياً بامتياز، من ناحية الأداء الحكائي للشخصيات، المتمثل بتعدّد وجوه الشخصية الدرامية، ثم توحيدها في سياق حياتي واقعي، لا يُمكن الفكاك منه. فالبيئة التي تعيش الشخصية فيها تقودها إلى جحيمها، من دون أي اعتبار لنياتها الخيّرة عند مجادلتها منطقياً، فيتراءى للمرء أنّ الشرَّ جزءٌ أساسي من الخير، وأحياناً سببٌ له.
ربما هذا جزء من المحتوى الإبداعي لسينما سكورسيزي، من دون إغفال دور شنايبل، الذي بدا مُتخرّجاً من هذه المدرسة، خاصة أنّه مشارك في كتابة السيناريو مع لويس كوغلبرغ، عن رواية بالعنوان نفسه (2002) لنِك توشيس، أي إنّ المخرج يكتب ما يستطيع إخراجه، ومع هذا فالصيغة الفيلمية مُركّبة وأكثر تعقيداً من مجرّد سرد تاريخي لمرحلتين زمنيتين، أولى زمن دانتي، وثانية في العصر الحديث، بسبب تشابكهما العضوي بواسطة الإبداع الأدبي، الذي يُتعامل معه في الزمن الماضي بوصفه قلقاً وجودياً يؤدّي إلى إنتاجه، بينما يؤخذ حالياً بوصفه قيمة تجارية أو سلعة ثمينة، يريد كثيرون امتلاكها من باب الاستحواذ.
هكذا يبدأ التعاطي مع النسخة الأصلية (المخطوطة) لـ"الكوميديا الإلهية" (1303 ـ 1320)، التي كتبها دانتي بخط يده على ورق خاص، مُهدى إليه من أحد النبلاء. مع هذا، لا ينقسم الفيلم إلى مستويين للفعل الحكائي، بحسب التقسيم الزمني (قديماً وحديثاً)، بل يتشابكان حول النظرة إلى دانتي مبدعاً أصلياً، بينما تقديره مختلف وفق المرحلة الزمنية. في السياق القديم، المُصوّر بالألوان، المهم معرفة الحقيقة الجوهرية للإنسان، بينما في السياق الحديث للسرد البصري، المُصوّر بالأسود والأبيض، المهم معرفة الحقيقة العلمية التي تثبت أصلية المخطوطة. المفارقة بين هاتين الحقيقتين: تراكم الجثث والجرائم في الثانية، وتراكم الدوافع لإنتاج الإبداع في الأولى. هنا، يبدو الفيلم فجائعياً، إذا قورن بين الزمنين. لكنّ الفيلم يحتوي على أكثر من ذلك.
بنية الفيلم مُركّبة تركيباً تفصيلياً ماهراً، يصعب على مقالة صحفية واحدة محاولة تفكيكها، وإعادة تركيبها نظرياً. إنّه مصنوع للمُشاهدة، أي لممارسة السينما، فهناك تدفّق مشهدي حسّاس للغاية، ويحتاج إلى ربط آني وفوري بين الخطوط والأحداث والشخصيات، ووصلها بمرجعياتها، إذْ لا يمكن التوقّف عند انقسامه إلى زمنين فقط. فالزمنان مرتبطان ببطل واحد (أوسكار إيزاك)، يؤدّي دوري دانتي التاريخي والكاتب المعاصر، المهتم بشأن دانتي ومخطوطاته، فيتشابك الحدث مع الشخصية ودوافعها وتربيتها في البيئة. تبدو الشخصيتان متناقضتين في العلاقة مع الإبداع، لكنهما متوافقتان من ناحية المشاعر والمنافع النفسية. هنا، يُكثّف الحب هذه المشاعر ويُشهرها، فيتوحّد دانتي التاريخي مع الروائي المعاصر، في البحث عن الحقيقة باعتبارها مشاعر إنسانية، تظهر بوصفها مصلحة أكيدة للعمر البشري.
السياق المعاصر للفيلم يلخّص العلاقة بالألوهية، بوصفها واجباً بشرياً (يشرحها آل باتشينو لطفل ارتكب جريمة قتل، دفاعاً عن النفس)، مؤكّداً على معرفة الإله بكل شيء، وهذا مُتجلٍّ في السياق الماضوي (أحد مرتكزاته)؛ ويشير إلى اختلال العلاقة بالإله، مع تطوّر مقاصد البشرية دنيوياً، يتجلّى (الاختلال) بمقصد الحصول على المخطوطة الأصلية لدانتي. فبين أستاذة جامعية مهووسة به وبمخطوطاته، بهدف الدراسة والبحث، ومجموعة إجرامية تسعى إلى المخطوطة لكسب المال، تتركّب دراما موازية، تذهب إلى سياقات الإجرام، عبر تنازلات أخلاقية، تقابلها تربّحات منطقية مزدانة بالتخطيط للمنافع المعنوية، فتبدو متلازمة الفشل والنجاح مرهونة بالمصادفات الحياتية.
"بين يدي دانتي" (160 دقيقة) مفتوحٌ تماماً على مقاربات نقدية عدّة: فيلمٌ ثري بالمقترحات السردية، بصرياً وحوارياً وفكرياً؛ مُحتشد ببدايات حدثية متوالية، ممتع إعادة ربطها بالسياق العام، خاصة مع التلذّذ برؤية ممثلين بارعين يؤدّون أدواراً مُعقّدة في أقصر زمن: سكورسيزي السينمائي يُقدّم أداءً فاخراً في جزء يسير منه، كباتشينو ونيرو ومالكوفيش، الذين يبدون داعمين لفكرته، القائمة على نوع سينمائي خاص، يمكن تسميته بـ"التجريبية التسويقية"، إذْ تبدو آثار عناصر التجريبية السينمائية، المثقّفة بصرياً، واضحة في التركيبة العميقة لمعنى المشهد، بمرافقة تسويقية هوليوودية تُقدّم الأكشن بمعناه الترفيهي المعتاد.
يُشار أيضاً إلى أداء أوسكار إيزاك، البارع والإحترافي، بدور متعدّد الطبقات، من دانتي التاريخي إلى المؤلف الدرامي الكحولي، فالمجرم الذي يريد الاستحواذ على المخطوطة، ثم العاشق اليائس والتائه. هذا أضفى متعة أنيقة على التجسيد الحركي والصوتي لهذه الشخصيات غير البسيطة.
"بين يدي دانتي" صعبٌ ومتنوّع الأدوات والأزمنة والحالات الإنسانية والنفسية. ينتهي بالكاتب المبدع، الذي يصبح بائعاً لصفحات المخطوطة بالقطعة، كي يعيش حياة رغيدة، على كومة تنازلات، لا أحد يستطيع تحسينها أو تقبيحها، فالحياة بضغوطها أكثر تأثيراً في الفرد من أي قيم وشعارات.