بي بي كينغ... تلك الروح التي تسكن الغيتار

21 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 17:12 (توقيت القدس)
في رويال ألبرت هول عام 1969 (مايكل بوتلاند/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- حكاية لوسيل والغيتار: أطلق بي بي كينغ اسم "لوسيل" على كل غيتار عزف عليه بعد حادثة حريق في قاعة رقص عام 1949، حيث خاطر بحياته لإنقاذ غيتاره. الشجار كان بسبب فتاة تدعى لوسيل، وأصبح الاسم تذكرة لعدم المخاطرة بحياته لأجل شيء مادي.

- العلاقة المؤنسنة مع الغيتار: تطورت علاقة كينغ مع الغيتار ليصبح جزءًا من كيانه، حيث تعلم العزف بنفسه وكان الغيتار رفيقه في كل مراحل حياته، مما جعله يغني ويطرب القلوب.

- أسلوب العزف الفريد: تميز كينغ بأسلوب يعتمد على أنسنة الأداء، مستخدمًا تقنيات مثل ترجيف الوتر لإضفاء طابع شعوري، مما جعل الغيتار كائنًا حيًا ينبض بالمشاعر.

لوسيل (Lucille) ليس اسم رفيقةِ حياةِ بي بي كينغ (1925 - 2015)، ولا امرأة تعلّق بها ذات مرّةٍ وحالت دون وصالهما الأقدار، بل هو اسمٌ أطلقه على كلّ غيتارٍ عزف عليه خلال مسيرته الفنيّة الحافلة.

لذلك الاسمِ حكايةٌ تعود إلى سنة 1949، جرت خلال أمسيةٍ موسيقيّةٍ داخل قاعةٍ للرقص في مدينة تويست في ولاية أركنساس الأميركيّة. بينما كان مغنّي البلوز الأسطوري يردّد أغانيه مرافقاً نفسه على الغيتار، فيما الحضور في الحلبة يرقصون أو يحتسون المشروبات على البار، وإذا بشجارٍ يندلع بين رجلين، يؤدّي بأحدهما إلى دفع برميلٍ أُشعِل فيه الزيت بغرض التدفئة، فينقلب مضرِماً النارَ في المكان، ليهرع كلّ من كان بداخله إلى إخلائه.

كينغ الذي حذا حذو الجموع المفزوعة وهمّ بالمغادرة على عجل، افتقد الغيتار الذي تركه داخل القاعة، فعاد إليه لانتشاله من وسط اللهب، مجازفاً بحياته. وما إن خمد الحريق، حتّى تبيّن أنّ الشجار الذي تسبّب بالحريق وكاد أن يودي به ومن معه، قد اندلع جرّاء نزاعٍ على فتاةٍ تُدعى لوسيل.

مذّاك، أخذ يُطلِق على كلّ غيتارٍ اقتناه اسمَ تلك الفتاة التي لم يلتقِها في حياته، وكاد أن يفقدها من أجلها، لا تكريماً لها أو تخليداً لذكراها، بل تذكيراً له، بحسب روايته للحادثة، مازجاً الحكمة بالدعابة، ألّا يكرّر الفعل الصبياني الذي أقدم عليه في تلك الليلة، حين عرّض نفسه للموت احتراقاً من أجل آلةٍ مصنوعةٍ من خشبٍ ومشدودٍ عليها ستّة أوتارٍ معدنيّة، كان بالإمكان دوماً استبدالها بأخرى جديدة.

فضلاً عن العبرة التي استخلصها الفنان من روايته، ترمز حكاية الاسم لوسيل أيضاً إلى المدى الذي قد يصل إليه تعلّق الموسيقي بآلته، والذي يبلغ مرّاتٍ حدّ المجازفة حتى بحياته من أجل الحفاظ عليه والاحتفاظ به، كما لو أنّه صار جزءاً من وجوده، وهيكله امتداداً لكيانه، أو كأنّ بات لديه تصوّراً بأنّ له روحاً تسكنه، فيتأنسن في وعيه، مكتسباً حضوراً مستقلاً عنه، وإن بقي متّصلاً به أشدّ اتصال.

تكوّنت العلاقةُ المؤنسنةُ التي جمعت بي بي كينغ بالغيتار بعاملَي الزمنِ والدُّربة. كلٌّ من العِشرة الطويلة والاجتهاد المتواصل جعلاه يستحوذ على الآلة بصورةٍ خارقةٍ للعادة.

على ضفافِ نهرِ الميسيسيبي، حيث وُلد، ووُلدت قبله موسيقى البلوز، وبعدها الجاز، وقع بصره على الغيتار لأوّل مرّة، يتأبّطه الكاهن المشرف على جوقةِ الكنيسة المعمدانية في البلدة. ثمّة روايةٌ تفيد بأنّه اقتنى آلته الأولى بقيمة 15 دولاراً من ماله الخاص وهو في عمر الـ12. وفي روايةٍ أخرى، استعار واحدة لعدم قدرة أسرته على شرائها.

لم يحظَ بي بي كينغ بمعلّم، بل علّم نفسه بنفسه بالإصغاء عبر الراديو إلى عازفي عصره، وكان تي-بون ووكر (T-Bone Walker) أكثرَهم إلهاماً له وتأثيراً بأسلوبه. أمسى الغيتار رفيقَ دربه الوعر. حين اضطرّ إلى العمل سائق ناقلةٍ زراعيّة، اصطحبه معه، محوّلاً كُوّة القيادة خلال الاستراحات إلى استوديو تدريبٍ على العزف. وفي الطور المبكّر من امتهانه الموسيقى، كان الغيتار وسيلةَ كسبِ المال لقاء تقديم أغاني البلوز الشائعة للمارة وعابري السبيل.

اتّخذ الاستحواذُ الخارقُ للعادة على الغيتار لديه شكلاً غنائيّاً طربيّاً أكثرَ منه آليّاً استعراضيّاً، إذ غالباً ما يُنظر إلى مهارة العزف من منظور البهلوانيات السطحيّ والضيّق، كالسرعة الفائقة في أداء السلالم الموسيقية أو القفز بين النغمات المنخفضة والمرتفعة برشاقةٍ تذكّر بلاعب السيرك.

أمّا بي بي كينغ، فقد سخّر مكتسباتِ الدُّربة والإتقان التي حصّلها عبر السنين لأجل هدفٍ واحد، أن يجعل الغيتار يُغنّي، ليس ليُبهِر ويثير الإعجاب، بل ليُطرب ويأسر القلوب.

على سبيل المثال، أحدُ أبلغِ الدروسِ في العزف على مرّ العصور، ليس على الغيتار فحسب، بل على أيّ آلة، قدّمه بي بي كينغ لجمهور المستمعين الهواة والمحترفين من خلال أغنيته The Thrill is Gone، سجّلها سنة 1969 لتُدرَج ضمن معزوفات ألبومه Completely Well. ومنذ ذلك الوقت، ظلّت من ثوابت المقطوعات في ميدان البلوز والجاز، تتردّد أصداؤها في المسارح والبارات ونوادي الجاز.

لدى الإنصات، ستحتار الأذن حيال ما الأشدُّ شجناً، أهي الحنجرة أم الغيتار؟ وإذا ما جرت التقاليد الموسيقيّة أن تتوسّط أغنيات البلوز، ولاحقاً الروك، وصلةٌ آليّةٌ انفراديّةٌ بعد توالي كلٍّ من المقطع الأوّل ومن ثمّ اللازمة، فإنّ كينغ يستهلّ مُنفرداً على آلته، بأداءٍ يسوده طابع البلوز الحزين، ممهّداً لدور الغناء، من دون استعارة جمله اللحنيّة، بل بابتكار لحنٍ جديد، لتُسمع الأغنية كما لو أنّها أغنيتان مُدمجتان: الأولى بصوت غيتاره، والأخرى بصوته، تبدأ حينما يُغنّي المقطع الأوّل (The Thrill is Gone)، مُكرّراً العنوان كأنّه لازمة (Refrain).

لقد اعتمد في أنسنة الأداء الآلي على مجموعةٍ من الأدوات الجماليّة، منها ما أصبح بمثابة بصمةٍ صوتيّةٍ خاصّةٍ به، كإزاحة الوتر بواسطة أصابعه عن المسار المشدود وفقه على المقبض، ومن ثمّ ترجيفه (Vibrato). وإن كانت تلك الحيلة قديمةً قِدَمَ الآلة، إلّا أنّ كينغ أكسبها زخمًا شعوريّاً فريداً، ناتجاً من تناسب كلٍّ من قوّة دفع الأصبع للوتر ومدّ النغمة المُكبَّرة كهربائيّاً. 

بذلك إنّما يتجاوز محدوديّة آلات النقر في قدرتها على إطالة الصوت، ليجعل الغيتار يُجيد التطريب، مثل الحنجرة البشريّة.

من حِيله الخلّاقة أيضاً، التلاعب بخفض حدّة الصوت ورفعها (Dynamic)، إذ لطالما كانت تلك من فنون الغناء البشري أو الآلات التي صُمِّمت بهدف تقليده، مثل الكمان والناي. وقلّما تمتّع مُجايلوه من عازفي غيتار البلوز، ذي وظيفة المصاحبة، برهافةِ الحسّ المنقطعةِ النظير التي كانت لديه إزاء طيف مستويات العلوّ والخفوت، ومن ثمّ استغلاله بغيةَ تشكيلِ الجُمَل الموسيقيّة (Phrasing) وفق أنساقٍ تعبيريّةٍ بالغةِ الأثرِ الشعوريّ.

أمّا الجمل الموسيقيّة ذاتها، فقد شُكِّلَت وفق نهجٍ مينيماليٍّ أنيق، يُخفّف من كثافتها، يُقلّل من عدد النغمات، ويُباعد بينها، مُفسحاً المجال أمام الصمت ليصنع الدهشة.

من هنا، لم تقف أنسنة الغيتار لدى بي بي كينغ عند حدّ وَهبه اسماً آدميّاً، بل تعدّته، لبثّ الروح في صندوقه الخشبي، وعبر أوتاره المعدنيّة. وحين قُطع أحدها خلال حفلٍ له في Farm Aid سنة 1985، في حادثةٍ شهيرةٍ ومصوّرة، بدّله بهدوء في أثناء الأداء، والفرقة تتابع تقديم أغنيته How Blue You Can Get، في استعراضٍ عفويٍّ لمدى حميميّة الصلة التي جمعته بلوسيل.

المساهمون