"تاريخ فلسطين الملون": فسيفساء من الركام تُعيد رسم ملامح غزة

03 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:42 (توقيت القدس)
خلال ورشات تعليم الفسيفساء في غزة (علاء الحلو/العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مشروع "تاريخ فلسطين الملوّن" في غزة يجمع بين الفن والتراث، حيث يحول بقايا المباني المهدمة إلى لوحات فسيفسائية توثق الحياة اليومية خلال الحرب، معبرًا عن صمود الغزيين.

- يتضمن المشروع ورشًا تعليمية للأطفال في مراكز الإيواء لتعريفهم بفن الفسيفساء كجزء من التراث الفلسطيني، مما يعزز قدرتهم على التعبير والإبداع في ظل الظروف الصعبة.

- يواجه المشروع تحديات بسبب الحصار ونقص الموارد، لكن المشاركين أظهروا إصرارًا وإبداعًا باستخدام أدوات بسيطة لإنتاج لوحات تعكس معاناة الحياة اليومية.

قررت مجموعة من الطلبة والخريجين من كلية الفنون وكلية العمارة في غزة أن يحولوا بقايا المباني المهدمة إلى قطع فنية نابضة بالمعنى. جمعوا شظايا الزجاج، والبلاط المكسور، وأحجار البيوت المدمرة، ثم أعادوا ترتيبها بعناية لتولد لوحات فسيفسائية تمثل لحظات وثائقية مؤلمة وملهمة في آن واحد.

وفي قلب الدمار الذي يلف غزة، ولد مشروع "تاريخ فلسطين الملوّن"، وهو مبادرة فنية استثنائية تحمل بين قطع الركام ألوان الحياة، جاءت لتطلق صرخة ثقافية وتراثية تسعى لمواجهة الموت بفن الفسيفساء، وإعادة تشكيل مشاهد من يوميات الغزيين في زمن الحرب.

ولم يقتصر المشروع على الجانب الفني فقط، بل حمل بعداً تعليمياً إنسانياً، إذ خصص القائمون عليه ورشاً للأطفال في مراكز الإيواء، لتعريفهم بفن الفسيفساء، باعتباره جزءاً من التراث الفلسطيني العريق، حيث جلس الصغار حول الطاولات، يلمسون بأيديهم الصغيرة قطع الحجارة الملوّنة، ويجربون تركيبها لتشكل رموزاً بسيطة تعكس أحلامهم وحكاياتهم.

ويهدف مشروع "تاريخ فلسطين الملون" الفني والتراثي إلى إحياء فن الفسيفساء وإعادة تشكيل لوحات فنية باستخدام مخلفات المباني المدمرة، لتجسيد مشاهد وثائقية للحياة اليومية في غزة خلال حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة، وقد شارك في المشروع مجموعة من الطلبة والخريجين من كلية الفنون وكلية العمارة.

ونجم عن المشروع إنتاج مجموعة من اللوحات التي تعكس مشاهد القصف، النزوح، وجنازات الطحين، ومزيجاً من الحسرة والصبر والأمل، بينما سعى القائمون عليه لنقل هذه المهارات الفنية إلى الأطفال، ليكتسبوا فكرة عن هذا الفن التراثي العميق، ويصبحوا جزءاً من تجربة إبداعية تمثل شكلاً من أشكال الصمود والإنتاج الفني في ظروف استثنائية.

وقال الطالب في كلية العمارة في غزة يوسف الجوجو (21 عاماً) إنه التحق بالتدريب بفعل معاناته خلال الحرب من المجاعة والخوف، حيث رغب في أن يبحث عن وسيلة للتعبير عن هذه التجربة القاسية، وقد وجدها في فن الفسيفساء. أضاف الجوجو في حديث مع "العربي الجديد": "هذا الفن يحمل لغة مختلفة أستطيع من خلالها أن أترجم مشاعري، خصوصاً أنني أؤمن بأن الفن ليس مجرد وسيلة جمالية، بل هو أيضاً أداة مقاومة ومحاولة للصمود وإيصال صوتنا للعالم".

وعن استفادته من التدريب، يوضح أنه تعلم فناً جديداً لم يكن يعرفه سابقاً، وهو فن تاريخي عريق، يعتمد على أدوات بسيطة متاحة، ويفتح مجالاً لإعادة التدوير باستخدام الركام والقطع المتبقية من البيوت المهدمة. وأوضح قائلاً: "في بعض أعمالي استخدمت قطع سيراميك من منزلي الذي هُدم، وهذا منح اللوحات بعداً شخصياً عميقاً، لأنها حملت جزءاً من ذاكرتي وارتباطي بالمكان".

مشروع تاريخ فلسطين الملون المخصص لتعليم الفسيفساء في غزة / علاء الحلو العربي الجديد
(علاء الحلو/العربي الجديد)

ولعلّ "جنازة الطحين" من أبرز الأعمال التي أنتجها الجوجو، وتُجسد طفلاً يحمل على ظهره كيس دقيق، وتسرد هذه اللوحة حكاية مأساة البحث عن الغذاء تحت القصف، وتعكس معاناة الأطفال والشباب في كيفية الحصول على الطحين الذي أصبح رمزاً للحياة وسط المجاعة والدمار.

أما طالبة كلية الفنون الجميلة، ديما السباح (21 عاماً)، فبيّنت أنها التحقت بالمشروع بعد أن كانت تبحث عن فن مختلف يمنحها فرصة للتفريغ النفسي بعد التجارب الصعبة التي مرت بها خلال الحرب، إلى جانب إيجاد وسيلة لتغيير الصورة النمطية السوداء التي عاشتها طوال الفترة الماضية، إضافة إلى فتح حلقة جديدة من التواصل من خلال لقاء فنانين ومشاركين جدد، يشاركونها الشغف والرغبة نفسهما في التعبير. وأوضحت السباح لـ"العربي الجديد" أن التجربة كانت بالنسبة إليها فرصة استثنائية لاكتساب خبرة في فن الفسيفساء الذي يجمع بين التاريخ والإبداع، وقد منحها التدريب مساحة صغيرة من الاستراحة وسط كل هذا الضيق، وأضاف قيمة كبيرة إلى رحلتها الفنية والشخصية بعد أن أتاح لها التعرف إلى أشخاص جدد لديهم الطموح نفسه في البحث عن آليات للتعبير والتوثيق.

وتعتبر لوحة "الحيّز القسري" من أبرز أعمال السباح، وتجسد الخيمة بما تحمله من ضيق وظروف قاسية عاشها النازحون خلال تنقلهم في أماكن النزوح، ويظهر في اللوحة مصدر للدخان الذي يمكن أن يفسر بأنه أثر لقصف قريب، كذلك تعكس السماء المغطاة بسحب متواصلة، في إشارة إلى غياب الأفق وضياع الأمل. وتابعت السباح: "حاولت أن أجعل الخيمة رمزاً للمكان الذي لم يحترم إنسانية ساكنيه، ليصبح شاهداً على معاناة متكررة عاشها الناس تحت القهر والإجبار".

وتنوعت الأعمال التي أُنجِزَت خلال المشروع، وقد غلب عليها الطابع التوثيقي والإبداعي. ومن أبرز اللوحات، لوحة "الحسرة" التي تُظهر أباً يحتضن طفله الشهيد الذي لم يعش إلا أشهراً معدودة، في مشهد يمزج بين الحزن والفقد، ولوحة "الساموراي وألوان فلسطين"، وتجسد التضامن الإنساني والدولي مع سكان غزة، وتعكس كيف أصبح الفن لغة عالمية للتضامن. ومن بين اللوحات البارزة كذلك لوحة "النزوح"، وتعبّر عن سيارة محمّلة بالكثير من الأمتعة، في صورة تختصر واقع التهجير القسري والاقتلاع من البيوت. إلى جانب هذه الأعمال، أنتج المشاركون العديد من اللوحات الأخرى التي وثقت مشاهد الحياة اليومية والحرب والنزوح.

وقال المهندس المعماري والباحث الثقافي، حسين نعيم، وهو صاحب فكرة مشروع "تاريخ فلسطين الملون" إن مبادرة اللوحات الفسيفسائية جاءت لتوثق الذاكرة الجمعية وتستعيد ملامح الأحياء المدمرة، وقد سبقتها عدة مبادرات، منها مشروع "إحياء الذاكرة" للنمذجة المعمارية للمدن الفلسطينية المحتلة عبر الفنون البصرية، بالإضافة إلى ورش تفاعلية للأطفال والشباب في مناطق النزاع. وبيّن نعيم لـ"العربي الجديد" أنه يدمج في عمله بين المعرفة التقنية والوعي الثقافي والإنساني، ويسعى لحماية الهوية المكانية وتعزيز الفن بكونه أداة مقاومة، ويؤمن بأن العمارة والفن لا ينفصلان عن السياق الاجتماعي والسياسي، ولذلك يدمج المعرفة التقنية، والوعي التراثي، والمسؤولية المجتمعية في مشاريعه البحثية والميدانية. تركّز رؤية نعيم على تطوير بيئات عمرانية مستدامة وعادلة وآمنة، تمكن المجتمعات المحلية، مع استخدام العمارة والفنون البصرية للتعبير الإنساني، وتوثيق الذاكرة الجمعية، والحفاظ على الهوية الفلسطينية رغم النزاعات والتهجير القسري.

كذلك لفت نعيم إلى أن فكرة مشروع "تاريخ فلسطين الملوّن" الممول من الصندوق الثقافي الفلسطيني انطلقت نتيجة حالات النزوح المتكررة التي أثرت بجميع السكان، مضيفاً: "كنت أحد المتأثرين بها وقد وجدت في فن الفسيفساء الوسيلة الأكثر قدرة على التعبير، إذ يمكن تحويل القطع الصغيرة من الحجر والسيراميك المتناثرة بين الركام في جميع أنحاء غزة إلى لوحات فنية توثق مشاهد الحرب والمأساة بشكل مؤثر وبصري".

وبدأ التدريب بمراحل نظرية لتعريف المشاركين بفن الفسيفساء، وأهميته، واستعراض أبرز لوحات الفسيفساء في فلسطين وتاريخها الفني والثقافي، قبل الانتقال إلى الجانب العملي حيث تعلم المشاركون كيفية تقطيع قطع السيراميك والحجر إلى جزيئات صغيرة يمكن تشكيلها في لوحات فنية.

مشروع تاريخ فلسطين الملون المخصص لتعليم الفسيفساء في غزة / علاء الحلو العربي الجديد
(علاء الحلو/العربي الجديد)

واستخدم المشاركون في التدريبات أدوات بسيطة وغير تقليدية، مثل المطرقة والكماشة، نظراً لعدم توفر المعدات المتخصصة في غزة المحاصرة، ورغم الصعوبات، أظهر الطلاب إصراراً وإبداعاً استثنائيين في إيجاد طرق لتقطيع القطع وتركيبها باستخدام الإزميل والمطرقة، ليصبح كل عمل فني حكاية وتجربة عملية فريدة.

وتميّز المشروع باستخدام مخلفات الدمار وقطع الفسيفساء الصغيرة من البيوت المدمرة، التي جمعها المشاركون بأنفسهم، ما جعل من كل قطعة فسيفساء حكاية، ومن كل لوحة قصة حية تمثل الواقع اليومي في غزة، وهو واقع يمثل مأساة لم يشهدها العصر الحديث.

بالنسبة إلى القائمين على المشروع، الفن ليس ترفاً، بل أداة من أدوات الصمود، وهو حاجة ملحة للأفراد والمجتمعات، وخصوصاً في غزة، ويسعى لاستخدام الفن بكونه وسيلة علاج نفسي وإبداعي تساعد على التعبير عن التجربة الإنسانية وإعادة بناء الهوية الثقافية والمكانية.

وشمل المشروع لقاءات تفاعلية مع الأطفال في مراكز الإيواء، تضمنت أنشطة للتفريغ النفسي والتعريف بفن الفسيفساء بشكل مبسط، إضافةً إلى صناعة بعض اللوحات الصغيرة باستخدام قطع فسيفسائية ملونة، ما أتاح للأطفال مساحة للبهجة المؤقتة وسط واقع النزوح القاسي، ورسخ قناعة بأن الفن يمكن أن يكون نافذة أمل حتى في أقسى الظروف.

ويواجه المشروع العديد من العقبات، أبرزها الظروف الإنسانية القاسية في غزة من حصار ونقص شديد في الموارد الأساسية والأدوات المخصصة لفن الفسيفساء، إلى جانب الظروف الأمنية بالغة القسوة، والتجويع الذي أنهك المشاركين، علاوة على عدم توفر مكان مخصص للعمل، ما اضطرهم إلى التنقل بين عدة أماكن في كل لقاء لاستكمال التدريبات.