تكريم نبيل عيوش... مسارٌ سينمائي تجديدي مصنوعٌ بحرية
استمع إلى الملخص
- تميزت أعماله مثل "علي زاوا" و"يا خيل الله" بالجرأة السياسية والابتكار السينمائي، وساهم في دعم المواهب الشابة وإعادة المغرب إلى خريطة السينما العالمية.
- رغم التحديات والجدل، استمر عيوش في تقديم أفلام تعكس هويته المزدوجة وتتناول قضايا إنسانية، مما جعله من أبرز المخرجين في السينما المغربية والعالمية.
في ديسمبر/ كانون الأول 1995، حمل شاب مغربي، ولد وترعرع في سارسيل في ضواحي باريس، حقيبته المحمّلة بثلاثة أفلام قصيرة؛ "اتصال هرتزي" (1990) و"بائع الصمت" (1991) و"أحجار الصحراء الزرقاء" (1992)، وأحلاماً كثيرة، إلى المهرجان الوطني للفيلم بطنجة (النسخة الرابعة)، التي أتاحت، للمرة الأولى، فرصةً للمخرجين المغاربة المقيمين بالخارج للمشاركة في المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة، فكانت أفلامه الأولى، رفقة آخرين كنور الدين لخماري وإسماعيل فروخي ونرجس النجار وحسن لكزولي، روحاً ودينامية جمالية جديدة في السينما المغربية، في بداية الألفية الثالثة.
بعد 30 سنة، تُوّج "في حب تودا"، فيلمه الطويل العاشر، بأربع جوائز، في الدورة 25 (17 ـ 25 أكتوبر/تشرين الأول 2025) للمهرجان نفسه. كما كُرِّم مخرجه في الدورة 30 (25 أكتوبر/تشرين الأول ـ 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2025) لمهرجان سينما البحر الأبيض المتوسط بتطوان، عن مسار ثلاثة عقود.
في كلمته، قال نبيل عيوش إنّه حضر مهرجان تطوان بعد أشهر من تجربة طنجة 1995، في دورة استقبلت يوسف شاهين. لكنه أصيب بمرض، بمجرد وصوله. في ليلة أمضاها محموماً في غرفته، راودته الأحلام بقصة فيلمه الطويل الأول "مكتوب" (1997)، الطلائعي بشكله، إذْ جسّد أولى تجارب مزجٍ بين أنواع متجذّرة في السينفيليا الكونية: الفيلم البوليسي والثريلر السياسي. وشكّل استشرافاً لموجة أفلام سينما الرصاص التي ستطبع السينما المغربية بحلول حكم محمد السادس، أو ما أطلق عليه "العهد الجديد". كأن كل شيء كان مُقدّراً منذ هذه الخطوة الأولى: مزجٌ بين الأنواع، جرأة سياسية، جنوحٌ إلى تصوير فضاءات معبّرة عن دواخل الشخصيات، موهبة استثنائية في إدارة الممثلين، محترفين وغير محترفين، يكتشفهم، فيكشفون له عوالم خفية، وخلفية من حواضرنا وصحارينا الممتدة.
كم منا كان يمرّ بأطفال الشوارع في إشارات المرور، من دون أن يراهم، قبل "علي زاوا" (2000)، الفيلم الحدث الذي دخل مع فيلم عربي آخر، "باب الحديد" (1958) لشاهين، لائحة "ألف فيلم وفيلم ينبغي مشاهدتها قبل أن تموت"، مُخلّفاً تأثيراً مصفوفياً على السينما المغربية، لغة وأجواء.
يختزل البعض نبيل عيوش في ثيمات أفلامه، رغم أن منحى اعتمادها على تطوّر الشخصيات وصراعها غير خافٍ، والابتكار الشكلي نفسه حاضرٌ منذ بداياته. كيف تُنسى لقطة من نهاية "علي زاوا"، حين تتحرك الكاميرا في الغرفة المظلمة بجوار ميناء الدار البيضاء، لتكشف عن "ثقب أسود" تتحقّق فيه أحلام صبية أبرياء بجزر نائية، وشمس مزدوجة، تمثلها ببراعة بفضل سينما التحريك، التي كان أول من أدمجها في فيلم طويل مغربي. من لا يتذكر انتقال الشاشة إلى بياض ساطع، حين يجر فتيان في مقتبل العمر، لُقّبوا بالـ"كاميكاز"، أحزمتهم الناسفة، في ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية تطفئ، تحت نار هادئة، كل أمل بداخلهم، قبض عليها عيوش بإنسانية بالغة، في "يا خيل الله" (2012)، المستوحى من رواية "نجوم سيدي مومن" (2010) لماحي بينبين. هذا الحي الذي صوّر فيه، نسجاً على التزامه تشييد مراكز للشباب بالأحياء الشعبية الهامشية، "علّي صوتك" (2021)، كأنه تاريخٌ بديلٌ لما يمكن أن يتغيّر في مصير هؤلاء الفتيان، لو وجدوا فضاء مؤاتياً لتطوير مواهبهم. شارك "علّي صوتك" في المسابقة الرسمية للدورة 74 (6 ـ 17 يوليو/تموز 2021) لمهرجان "كانّ"، واضعاً المغرب مجدّداً في خريطة أهم تظاهرة سينمائية بعد غياب عقود.
منذ "أحجار الصحراء الزرقاء"، يتجلّى ملمحٌ أساسي في سرده: نجيب (جمال الدبوز)، كما لولا (لورا رامسي) في "كل ما تريده لولا" (2007)، و"حكيم" (عبد الإله رشيد) في "غزية" (2017)، وتودا في فيلمه الأخير. شخصيات تحلم بأفق أفضل، يضعها في حالة عزلة وسوء فهم من محيطها، فتتغرّب داخلياً، أو تهاجر سعياً إلى حريتها وتحقيق ذاتها.
اختبر نبيل عيوش نفسه حالة سوء فهم عميقة، عند إطلاق "الزين لي فيك" (2015) في "نصف شهر السينمائيين"، في الدورة 68 (13 ـ 24 مايو/ أيار 2015) لمهرجان "كانّ": عرض مقاطع تشويقية منه على الإنترنت، ثم تسريب مواد فيلمية غير مركّبة، ما أسفر عن ردود فعل متشنّجة، وعنف لفظي بحقّ فريق العمل، وجسدي بحقّ ممثلته الرئيسية لبنى أبيضار. بعد عقد كامل (مُدهشٌ كَمّ التواريخ الدالة التي يلتقطها هذا التكريم) على إطلاق الفيلم، الذي لا يزال ممنوعاً في المغرب، حان الوقت لعرضه بالنسخة النهائية التي ارتضاها مخرجه، يليه نقاش هادئ ومتروٍّ، بعيداً عن الجو غير الصحي الذي اكتنف تجربة، يقول المخرج إنها تركت أثراً بليغاً في نفسيّته.
شقى نبيل عيوش كثيراً لينهض منها بفضل رفيقته في الحياة والشاشة، مريم التوزاني (مخرجة وسيناريست). الملمح الآخر من مقاربته، مزج الذاتي بالكوني، وهذا تجلّى في "أرضي" (2011)، وثائقيّه الوحيد: انطلق من هويته المزدوجة (والده مغربي مسلم ووالدته فرنسية يهودية ذات أصل تونسي)، حاملاً كاميراه، ومُصوّراً شيوخاً فلسطينيين يعيشون في مخيمات اللاجئين بلبنان، وذهب إلى إسرائيل لعرض ما صوّره على شباب إسرائيليين من كل الأطياف، وافقوا جميعهم على أن يحاوروه. لكنه خرج متشائماً للغاية من حصيلة الحوار، وهذا أكّده مسار الأشياء في السنوات الأخيرة.
لن يسع هذا الحيز لإيفاء أعمال عيوش، المجتهد والمواظب، حقّها. فمسيرته تشتمل على إنتاج مهم ندين له باكتشاف أسماء بالغة الأهمية، كهشام العسري، الذي رافقه منذ بداياته كاتب سيناريو، وأنتج له فيلماً من معالم السينما المغربية المعاصرة، "همُ الكلاب" (2013). كما وفّر، بمبادرة "فيلم إندستري" لإنتاج أفلام تلفزيونية، منصّةً لتفتّق مواهب أسهمت بغزارة في تغذية المنتوج السينمائي والتلفزيوني المغربي، كياسين فنان وعلي المجبود.
المؤكّد أن نبيل عيوش مخرجٌ لم يعد لديه ما يثبته. ومهما بلغت درجة الرضى على أعمال أخيرة له، وتفاوت قيمها، لا يمكن نزع صفة سينمائي عنه، طبَعَ تاريخ السينما المغربية، ووجد له موطئ قدم في خريطة السينما العالمية، ما يُثير الأمل بمناسبة اليوبيل اللؤلؤي لانطلاق مسيرته، في أفلام جديدة تمزج بين ذاتية "أرضي" والتزامه، وملحمية "يا خيل الله" وعاطفيته، والتراجيديا الشعرية التي طبعت رائعته "علي زاوا".