حديثو الولادة والموسيقى... زمن الإيقاع قبل نغمية اللحن

09 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 00:06 (توقيت القدس)
تتأخر حساسية الإنسان للّحن إلى مراحل لاحقة من النمو والتعلّم (بريندان ريد/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أظهرت دراسة في مجلة بلوس بيولوجي أن الإنسان يولد بقدرة فطرية على توقع الإيقاع الموسيقي، بينما تتأخر حساسيته للحن إلى مراحل لاحقة من النمو، حيث أظهرت تجربة على 49 مولوداً حديثاً أن أدمغتهم تشفّر التوقعات الإيقاعية عند الاستماع إلى الموسيقى الحقيقية فقط.

- يتعرض الجنين في الرحم لإيقاعات بيولوجية مثل نبضات قلب الأم، مما يدرّب الدماغ على معالجة الزمن الصوتي، بينما لم يظهر حديثو الولادة توقعاً للنغمة التالية، مما يشير إلى أن معالجة اللحن تتطلب شبكات عصبية أكثر تطوراً.

- قارنت الدراسة النتائج ببيانات من بالغين وقرود ريسوس، ووجدت أن الإيقاع قدرة أقدم تطورياً، بينما إدراك اللحن مهارة تطورت لاحقاً، مما يشير إلى أن الإيقاع قد يكون البنية التحتية العصبية لاكتساب اللغة.

كشفت دراسة علمية حديثة منشورة في مجلة بلوس بيولوجي (PLOS Biology) عن دليل عصبي مباشر، يشير إلى أن الإنسان يولد مزوّداً بقدرة فطرية على توقّع الإيقاع الموسيقي، بينما تتأخر حساسيته للّحن إلى مراحل لاحقة من النمو والتعلّم. تمثّل النتائج خطوة مهمّة في فهم جذور العلاقة بين الموسيقى واللغة والإدراك البشري منذ اللحظات الأولى للحياة.

لطالما مثّلت القدرة على توقّع البنية الإيقاعية واللحنية في الموسيقى سمة إنسانية عالمية مشتركة بين الثقافات. يذهب كثير من الباحثين إلى أن هذه القدرة تسبق فهم اللغة، وتشكّل جزءاً من الأساس العصبي للتواصل الصوتي. لكن ظل سؤال أساسي بلا إجابة واضحة: هل يولد الإنسان وهو يمتلك هذه القدرة، أم أنها تتكوّن فقط عبر التعلم والخبرة؟

الدراسة الجديدة، المنشورة في الخامس من فبراير/ شباط الحالي، حاولت الإجابة عن هذا السؤال عبر اختبار حديثي الولادة أنفسهم، باعتبارهم أفضل نموذج لدراسة الاستعداد الفطري قبل أن يتأثر الدماغ بسنوات من التعرض للموسيقى أو اللغة.

أجرى فريق دولي من الباحثين تجربة على 49 مولوداً حديثاً في أثناء النوم، مستخدمين تقنية تخطيط كهربائية الدماغ (EEG) لقياس استجاباتهم العصبية الدقيقة في أثناء الاستماع إلى الموسيقى. اختار الباحثون مقطوعات بيانو أحادية الصوت ليوهان سباستيان باخ، لأنها تمثل نموذجاً غنياً بالبنية الإيقاعية واللحنية في الموسيقى الغربية.

لكن لتحديد ما إذا كانت الاستجابة ناتجة من الموسيقى نفسها أو مجرد أصوات، صمّم الفريق شرطاً تجريبياً ثانياً: الموسيقى الحقيقية: مقطوعات باخ الأصلية. الموسيقى "العشوائية": الأصوات نفسها تقريباً، لكن جرى خلط ترتيب النغمات وتوقيتاتها لتفقد بنيتها المتوقعة. بهذه الطريقة، يصبح الفرق الوحيد بين الحالتين وجود البنية الموسيقية المتوقعة أو غيابها.

استخدم الباحثون نماذج حاسوبية متقدمة تعتمد على التعلم الإحصائي لتحليل ما يسمى التوقعات الموسيقية في الدماغ، أي قدرة الجهاز العصبي على توقع ما سيأتي لاحقاً في تسلسل صوتي. وجرى التمييز بين نوعين من التوقعات: التوقع الإيقاعي (الزمني)، ويتعلق بتوقيت الصوت التالي مثل توقّع النبضة التالية في الإيقاع، والتوقع اللحني (النغمي)، ويتعلق بدرجة الصوت، أي العلاقة بين ارتفاع النغمات وانخفاضها. هذه التفرقة كانت جوهر الدراسة، لأنها تسمح بمعرفة أي من القدرتين تظهر أولاً لدى الإنسان.

أظهرت البيانات أن أدمغة حديثي الولادة تشفّر التوقعات الإيقاعية الاحتمالية عند الاستماع إلى الموسيقى الحقيقية فقط، وليس إلى النسخة العشوائية. بعبارة مبسطة، الطفل حديث الولادة لا يسمع الصوت فقط، بل يتوقع توقيت الصوت المقبل استناداً إلى الأنماط الإيقاعية السابقة.

تمثّل هذه النتيجة دليلاً على أن الدماغ البشري يولد مزوّداً بآلية فطرية قادرة على استخراج الأنماط الزمنية من البيئة السمعية. الأهم أن هذه التوقعات لم تكن مجرد استجابة لتكرار منتظم بسيط، بل اعتمدت على انتظامات إحصائية معقّدة في الإيقاع، أي إن الدماغ كان يتعلم احتمالات التوقيت في أثناء الاستماع نفسه.

وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة والمقيمة في المعهد الإيطالي للتكنولوجيا في روما، روبرتا بيانكو، إن الأجنة تبدأ الاستجابة للموسيقى عند بلوغها نحو ثمانية أو تسعة أشهر داخل الرحم، كما يتضح من تغيّرات في معدل ضربات القلب وحركات الجسم. أضافت: "أظهرت أبحاث سابقة أيضاً أن بعض جوانب الذاكرة الموسيقية يمكن أن تنتقل من الرحم إلى ما بعد الولادة".

في المقابل، لم يجد الباحثون دليلاً قوياً على أن حديثي الولادة يتوقعون النغمة التالية في التسلسل الموسيقي. وهذا لا يعني أن الأطفال لا يسمعون النغمات أو لا يميّزونها، بل يعني أن استخراج البنية اللحنية المعقّدة من الموسيقى الطبيعية لم ينضج بعد عند الولادة.

لماذا يتقدّم الإيقاع على اللحن؟ تقترح الدراسة تفسيرات علمية عدة، بينها بيئة الجنين قبل الولادة، فالجنين يتعرض في الرحم لعالم مليء بالإيقاعات البيولوجية (نبضات قلب الأم، حركتها في أثناء المشي، أنماط التنفس). وهذه البيئة الغنية بالإيقاع قد تدرّب الدماغ مبكراً على معالجة الزمن الصوتي.

والتفسير الثاني ترشيح الترددات في الرحم، فالسمع الجنيني يعمل مرشحاً منخفض التردد، ما يضعف تفاصيل النغمات العالية، وبالتالي تصل المعلومات الإيقاعية بوضوح أكبر من اللحن قبل الولادة. والتفسير الثالث متعلق بتعقيد المعالجة اللحنية، فمعالجة اللحن تتطلب شبكات عصبية أكثر تطوراً ودقة في تمييز الترددات، وهي مهارات تنضج تدريجياً مع الخبرة.

قارنت الدراسة النتائج ببيانات سابقة من بالغين بشر وقرود ريسوس. والنتيجة اللافتة أن البالغين يتتبعون الإيقاع واللحن معاً، أما حديثو الولادة والقرود، فيتتبعون الإيقاع فقط. هذا يدعم فرضية أن الإيقاع قدرة أقدم تطورياً في تاريخ الكائنات، بينما قد يكون إدراك اللحن مهارة تطورت لاحقاً لدى البشر مع الثقافة واللغة.

يرى الباحثون أن هذه النتائج قد تفسّر العلاقة الوثيقة بين الموسيقى واللغة؛ فاللغة نفسها تعتمد على الإيقاع والنبرة والتوقيت في الكلام. وقد يكون الإيقاع بمثابة البنية التحتية العصبية التي تُمهد لاكتساب اللغة لاحقاً.