ذكرى فتحية أحمد... نسي ليه معادي وغاب

07 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:56 (توقيت القدس)
رحلت في 5 ديسمبر عام 1975 (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تجاهل الذكرى الخمسين لرحيل فتحية أحمد يثير تساؤلات حول عدم الاعتراف بإنجازاتها الفنية، رغم أنها كانت منافسة قوية لأم كلثوم، ولم تُخصص لها أي فعاليات تذكارية.

- تعاني فتحية أحمد من الظلم الفني والمقارنات غير العادلة مع أم كلثوم، مما يطمس هويتها الفنية الفريدة، رغم تعاملها مع كبار الملحنين مثل زكريا أحمد والقصبجي.

- قدمت فتحية أحمد إرثًا فنيًا غنيًا بالتعاون مع ملحنين كبار، ولقبت بمطربة القطرين، ويحتاج تراثها الغنائي إلى إعادة اكتشاف من قبل الأجيال الجديدة بعيدًا عن المقارنات.

بهدوء تام، مرت الذكرى الخمسون لرحيل المطربة المصرية فتحية أحمد (1898 - 1975)، إحدى أهم المطربات المُجيدات المتقنات في النصف الأول من القرن الماضي. ولا ريب أن كثيراً من عشاق صوتها يتساءلون - والحق معهم - عن سر هذا التجاهل الكامل والصمت المطبق لكل المسارح والمراكز الموسيقية والثقافية لمطربة يراها بعض محبيها منافسة لأم كلثوم، أو هي بالحد الأدنى من أبرز المنافسات على المرتبة الغنائية التالية لمرتبة أم كلثوم.

هذا الأسبوع، شهدت القاهرة عشرات الحفلات الغنائية والموسيقية، من مختلف الأشكال والاتجاهات، لكنها لم تتسع لليلة واحدة تحيي بها خمسينية مطربة القطرين، التي حلت في نهاية عام لم تنقطع فيه فعاليات الاحتفاء بخمسينية كوكب الشرق يوماً واحداً.

يبدو إشكال فتحية أحمد أعمق وأقدم كثيراً من طريقة التعامل مع ذكراها؛ فقطاعات واسعة جدا من المهتمين بالغناء الطربي يحترمون صوتها وأداءها، لكنهم يرون أنها انسحبت مبكراً، ولم يكن بمقدورها أن تستمر أمام الموج الكلثومي الهادر، الذي أغرق معظم مطربات العشرينيات والثلاثينيات.

ومع مرور الوقت، ظلت شهرتها تتآكل، إلى أن انحصرت في قلة محدودة من السميعة وهواة التسجيلات القديمة، ومن كان هذا شأنه، يصعب على المسارح الكبيرة أن تخصص له الليالي والاحتفالات، لأن الحفل ومردوده وقبول الجمهور له سيكون حينها مخاطرة كبيرة لا يُحب أحد أن يتحمل تبعاتها.

في مواجهة هذا الطرح، يدفع أنصار فتحية أحمد بعدة دفوع، من أهمها أن التسجيلات القديمة للمطربة تجعل منها منافسةً لأم كلثوم، لا سيما الأعمال التي غنتها بألحان الشيخ أبو العلا محمد وأحمد صبري النجريدي، كما أنها امتلكت صوتاً يضارع صوت أم كلثوم في المساحة، والأهم من كل هذا أنها سبقتها شهرة وانتشاراً وعرفتها الأوساط الفنية قبل انتقال أم كلثوم إلى القاهرة بعدة سنوات. فإن لم تكن هذه الأسباب كافية للاحتفاء بها وإحياء ذكرى رحيلها الخمسين بقدر الاحتفاء نفسه بأم كلثوم، فلتحظ إذن بنصف أو ربع أو حتى عشر ما حظيت به الست طوال هذا العام، وإلا فيمكن أن نستبق الزمن ونجزم من الآن بأن مصير المطربات المصريات الكبريات لن يكون بعد خمسين عاماً إلا الإهمال والنسيان.

ومن المؤكد أن هذا الجدل يستدعي إلى ذهن الناقد مسألة الظلم الفني، القديمة المتجددة، التي لا تموت أو تنتهي، لأن هناك تياراً من الجماهير يغذيهم تيار من الكتاب والصحافيين يؤمنون بأن الحياة لا تخلو من فنانين مظلومين، تتفاوت درجاتهم ومراتبهم. بعضهم يرى أن محمد القصبجي هو أكبر المظلومين، وغيرهم يرى أن فريد الأطرش عاش ومات مظلوماً، وآخرون يعتقدون أن الظلم هو الذي رفع عبد الحليم حافظ على شقيقه المطرب إسماعيل شبانة.

هكذا، لا تنتهي سلاسل الظلم الفني. وأكثر محبي فتحية أحمد يرون أنها تعرضت لظلم بيّن، ثم يختلفون في أشكال هذا الظلم؛ فمنهم من يرى أن مجرد ظهور أم كلثوم لم يمنحها وقتاً كافياً في موقع الصدارة، وهو موقع له قواعده الخاصة في التأثير والجاذبية. ومنهم من يرى أن فتحية أحمد لم تحظ بفريق عمل يرعاها ويثقفها ويعلمها اختيار الكلمات وتذوق الشعر.

صحيح أنها تعاملت مع كل الأسماء التي اقتربت من أم كلثوم: النجريدي، وأبو العلا، والقصبجي، وأحمد رامي، وزكريا، والسنباطي، لكن يبدو أن هؤلاء قدروا صوتها وموهبتها، لكنهم لم يروا في شخصيتها قابلية للتطوير. لم تكن فتحية أحمد تجيد القراءة والكتابة، فأين هي من أم كلثوم التي تنفق أوقاتها مع أغاني الأصفهاني، وحماسة أبي تمام، ومطولات أحمد شوقي، حتى أخبر عنها أحمد رامي بأنها كانت تحفظ عشرة آلاف بيت شعر؟

ربما كان الظلم الأكبر الذي طاول فتحية أحمد هو هذا الإصرار على المقارنة بينها وبين أم كلثوم، ولأن كليهما قد رحل منذ نصف قرن، فإن الظلم في حقيقته يقع على ما خلفته أحمد من تراث مسجل، يحتاج إلى إنصات متحرر من المقارنات والأحكام المسبقة. إنصات إلى صوت فتحية وأدائها، إلى شخصيتها الغنائية القوية، إلى إتقانها المذهل، إلى تمكنها الذي يصعب على الغالبية الساحقة من مطربات القرن الكبريات.

يحتاج تراث فتحية إلى من يصغي وهو فارغ الذهن من المقارنات، وأن يدرك أنه أمام صوت مختلف، وأداء مختلف، له قيمته ومذاقه ومتعته، تحتاج فتحية أحمد وتراثها إلى منصت همّه الطرب، ليس إلى حَكم لا يستمع إلا لتحديد الأحق بالمرتبة الأولى.

وليس أدل على هذه الحقيقة من الانتشار الكبير، الذي تحقق في السنوات العشر الأخيرة، لأغنية "يا ترى نسي ليه معادي وغاب"، من ألحان محمد القصبجي، وهو فالس طويل متدفق، يشبه ألحان القصبجي لليلى مراد، ولا يتصور أحد أن تغنيه أم كلثوم. كانت فتحية أحمد تغنيه بلا أي قدر من التكلف، كانت تؤدي اللحن برشاقة استثنائية، لذلك، استمع إليه الناس، والأجيال الجديدة، من دون أي تفكير في مقارنة، فتحقق له القبول والانتشار وإعادة الغناء والعزف: "سهران مع مين يا ترى؟ بيسامر مين يا ترى؟ بيكلم مين يا ترى؟".

يمكن للمستمع الهاوي أن يخوض بنفسه تجربة الإنصات الحر، وبقدر عمق تجربته سيتمكن من رفع حجاب المقارنات، ليستمتع بكثير من أغاني فتحية أحمد بألحان زكريا أحمد، صاحب لحن "يا حلاوة الدنيا"، الذي بلغ من النجاح والانتشار والخلود درجة جعلت كثيرين لا يعرفون فتحية إلا به، أو رياض السنباطي الذي خاض معها تجربة قصائدية مغايرة، ومهمة، أو يكتشف أن أحمد صدقي لحن لها مجموعة كبيرة من الأغاني المتنوعة عاطفياً ووطنياً ودينياً، منها: "لي حبيب اسمه الأمل"، و"الصبح الجديد"، و"يا قلبي عمري ما شفتك"، و"يوم الجلاء"، أو و"إني أراك معي".

تختلف المصادر حول تاريخ ميلاد فتحية أحمد، لكن أغلبها يدور حول السنوات الأولى من القرن العشرين. كان والدها، الشيخ أحمد الحمزاوي، مطرباً ومنشداً معروفاً، اشتهر بصوته الرخيم وأدائه لعدد من الأغاني الفكاهية والانتقادية. وبعدما أظهرت ابنتاه - فتحية ورتيبة - موهبتيهما الغنائيتين، ابتعد الشيخ أحمد عن الساحة الفنية.

أما رتيبة فقد اشتهرت بأغانيها الخفيفة والديالوغات التي سجلتها مع كبار الملحنين، مثل السيد شطا وإبراهيم فوزي. في حين تابعت مفيدة مسيرتها في إذاعة الإسكندرية، محافظةً على التراث الغنائي التقليدي. انضمت فتحية أحمد إلى المسرح الغنائي، فتنقلت بين مصر وبلاد الشام والعراق، ولكثرة عروضها بين مصر ولبنان، لقبت بمطربة القطرين.

في سنواتها الفنية الأولى (1917 - 1927)، غنت فتحية أحمد لعدد من الملحنين المهمّين، مثل داود حسني ومحمد كامل الخلعي وسيد درويش، وواصلت مسيرتها في المسرح الغنائي حتى نهاية الأربعينيات، إذ قدمت بطولة المسرحية الغنائية "يوم القيامة"، من ألحان زكريا أحمد، وغنت فيها أغنيتها الشهيرة "يا حلاوة الدنيا".

في عام 1952، التقت فتحية أحمد بالملحن السكندري محمد عفيفي، الذي قدم لها عدة ألحان جديدة، منها أغنيتها الشهيرة "الراية الخضراء". ورغم أن عفيفي كان قد أعد بعض الألحان لأم كلثوم، إلا أن فتحية أحمد سعت إلى تقديم أغانيه، ما يعكس منافستها المستمرة مع كوكب الشرق.

إضافة إلى عفيفي، تتيح المنتديات الموسيقية أغاني لفتحية أحمد من ألحان أحمد عبد القادر، وعزت الجاهلي، ومحمد الموجي، وحسين جنيد، ومحمد فوزي، ومحمود الشريف، وعبد الرؤوف عيسى، ومرسي الحريري، وغيرهم. في الخامس من ديسمبر/كانون الأول عام 1975، رحلت مطربة القطرين.

إن إهمال المسارح الحكومية وبرامج الأوبرا المصرية لأي شكل من أشكال الاحتفاء بالذكرى الخمسين لرحيل مطربة بوزن فتحية أحمد، يعني أن الإدارة الثقافية بحاجة ماسة إلى أن تكون أكثر انتباها، وإلا ستبدو وكأنها تتخلى عن أدوارها الأصلية التوعوية غير المرتبطة بالمردود المادي.

المساهمون