رحيل تشيكي كاريو... تنويع أدائي يكشف ثراءً حِرَفياً في التمثيل

02 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 17:06 (توقيت القدس)
تشيكي كاريو: تناقضات أداء تصنع حرفية تمثيل (ستفان كاردينالي/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تْشيكي كاريو، الممثل والمغني الفرنسي التركي، وُلد في إسطنبول عام 1953 وتوفي في 31 أكتوبر 2025، وشارك في نحو 80 إلى 101 فيلم، بالإضافة إلى أعمال تلفزيونية وموسيقية، متميزًا بتنوع الأدوار من أفلام تجارية إلى أعمال فنية.

- من أبرز أدواره كان في "نوستراداموس" و"الدب" و"نيكيتا"، حيث أظهر براعته في تجسيد الشخصيات المعقدة وحقق نجاحًا كبيرًا بفضل الأداء المتميز والنص السينمائي القوي.

- تعاون مع مخرجين عالميين وفرنسيين في أفلام ضخمة مثل "1492، غزو الجنّة" و"غولدن آي"، مما ساهم في تأسيس مكانته السينمائية، معتبراً التمثيل وسيلة لتحسين الذات.

فور إعلان وفاة سينمائي/ سينمائية، يستعيد الناقد لائحة الأفلام الخاصة بهما، ليتذكّر تفاصيل تسهو عن البال. أحياناً، يطرح هذا سؤالاً عن كيفية تمكّن أحدهما من تحقيق هذا العدد الوفير من الأفلام، وإن في أعوام مديدة غالباً؟ ثمّ يُطرح سؤالٌ آخر: هل هذه الأفلام كلّها "سينمائية"؟ فللتجاري، والاستهلاكي أحياناً، حيّز واضح، ما يعني أنّ المهنة تتطلّب عملاً غير متوافق، كلّياً، مع مسار أو نبرة أو رغبة أو قناعة أو التزام. هذا يحصل إجمالاً في التمثيل، والغالبية الساحقة من العاملين والعاملات في المهن الفنية والتقنية، السينمائية بالتأكيد، تُتيح عدم انتقاء دقيق للمشاريع، فالمهنة وظيفة، ولا بأس بهما في أي مشروع.

السابق ناتجٌ من إعلان وفاة تْشيكي كاريو، الممثل والمغنّي الفرنسي التركي، في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2025: فرانس برس تذكر أنّ له نحو 80 فيلماً، بينما ويكيبيديا الفرنسية تورد 101 فيلم، موزّعة بين ثمانينيات القرن الـ20 (بدءاً من عام 1982)، وعشرينيات القرن الـ21 (2025)، إلى أعمال تلفزيونية (أفلام ومسلسلات) واسطوانات موسيقية/ غنائية، ودوبلاج. لائحة كهذه تستدعي السؤالين، وإنْ تُعرف الإجابة، فالممثل، المولود في إسطنبول، في الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول 1953، والعامل في سينمات غير فرنسية وغير أوروبية أيضاً، يمتلك نتاجات شتّى، بعضها يمرّ سريعاً، وبعضها الآخر يرسخ في الذاكرة.

لكنّ دوراً له، على الأقلّ، يرسخ في الذاكرة، رغم أنّ الفيلم عاديّ للغاية، بل أقلّ من ذلك، لحاجته إلى تأهيل، درامي وفني وجمالي، يتوافق مع الحبكة/ الشخصية الأساسية الوحيدة، التي (الشخصية) يُبنى عليها "نوستراداموس" (1994)، لروجر كريستيان. فالشخصية الحقيقية (1503 ـ 1566) طبيبٌ ومنجّم وخبير أعشاب وصيدلاني فرنسي، سيكون أصل شهرته تنبؤات له عن المسار المقبل للعالم، وعن مصائر الناس. والفيلم ـ إذْ يروي تفاصيل من سيرته الحياتية، ومغامراته العاطفية، ومعرفته بعلوم العصور الوسطى (جامعة مونبيلييه) ومحاكم التفتيش ـ يغوص في "الصراعات المبكرة مع رؤاه المستقبلية". بهذا، يُقدّم كاريو الشخصية بكلّ ارتباكاتها واحتيالاتها واطّلاعاتها، بما لديه من ملامح يريدها غير واضحة كلّياً، مع أنّ "خوفه" الفظيع من المستقبل سيكون أقوى لحظة تمثيلية له، ترافقه لاحقاً في أكثر من دور.

لكنّ هذا حاصلٌ بعد أعوام من شهرته، المنبثقة من أداء حِرفيّ يُتقن أدواته، ومن النص السينمائي الباهر لجان ـ جاك آنو، في "الدب" (1988)، المقتبس من رواية "Grizzli King" ("غْريزلي" نوع من أنواع الدببة)، صادرة عام 1916، للأميركي جيمس أوليفر كُوْورد (سيناريو جيرار بْراش): إضافة إلى سحر المُنجز السينمائي، يُشاهد الفيلم في عروضه الفرنسية 9 ملايين و136 ألفاً و266 مُشاهداً، إلى إيرادات أميركية تبلغ 31 مليوناً و753 ألفاً و898 دولاراً أميركياً. الأرقام مهمّة في صناعة السينما (يُقال إنّ ميزانية إنتاجه تساوي 120 مليون فرنك فرنسي، أي ما يُعادل حينها 20 مليون دولار أميركي)، لكن النصّ البصري، بمكوّناته الفنية والدرامية والسردية، إلى أداء كاريو، عاملٌ أساسيّ في تمكّنه من جذب هذا العدد الكبير من المشاهدين والمشاهدات، ومن المحافظة على مكانة سينمائية عالية، سنين مديدة.

"النجاح" التالي، السينمائي والتجاري، سيتحقّق مع "نيكيتا" (1990)، للوك بيسون، رغم أنّ الأرقام الفرنسية أقلّ من تلك التي لـ"الدب": ثلاثة ملايين و787 ألفاً و845 مُشاهداً. بعد تسعة أعوام، يلتقي بيسون مجدّداً، لكنْ في فيلمٍ تاريخي يروي حكاية جاندارك بلغة المخرج الفرنسي، الممتلك نظرة غير دينية وغير إيمانية، في فيلمٍ يحمل اسم القديسة. أفلام أخرى تشهد براعته في أداءٍ يتوافق، غالباً، مع ملامح يوظّفها، مراراً، في خدمة شخصيات نافرة أو عدائية أو شريرة، كما في الأميركي "الصبيان الشقيان (Bad Boys)" لمايكل باي (1995)، مؤدّياً فيه دور زعيم عصابات فرنسي يُدعى فوشي. أو في "الوطني" (2000) لرولاند إيميريك.

الفيلمان الأخيران ينتميان إلى الأعمال ذات الميزانيات الهوليوودية الضخمة، كـ"1492، غزو الجنّة" (1992) لريدلي سكوت، و"غولدن آي" (1995) لمارتن كامبل (أحد أفلام سلسلة جيمس بوند)، والأفلام الأربعة تلك لمخرجين أميركيين. هذا غير حائل دون جهدٍ حرفيّ يدفعه إلى التعاون مع الفرنسي جان ـ بيار جوني، في "المصير الرائع لإيميلي بولان" (2001)، و"يوم أحد طويل للخطوبة" (2004). كذلك فإنّه غير مُتردّد عن تأدية شخصية موليير، في "الملك يرقص" (2000)، للبلجيكي جيرار كوربيو.

قبل هذا كلّه، أي في بداياته التمثيلية مطلع ثمانينيات القرن الـ20، يؤسّس الممثل متعدّد اللغات (يُتقن الفرنسية والعربية والإنكليزية والإسبانية) مكانته السينمائية، بالعمل مع البلجيكية شانتال أكرمان في "ليلة بكاملها" (1982)، والفرنسي إيريك رومر في "ليالي اكتمال القمر" (1984): في الأول (Toute Une Nuit)، "ينجرف" رجالٌ ونساء وأطفال وراء مشاعرهم الزائدة، في ليلة صيفية عاصفة (إشارة إلى التناقضات الجمّة التي يعانيها هؤلاء في لحظات انجرافاتهم، التي تعكس تخبّطات وارتباكات وأهواء)، في بروكسل. بينما الثاني (Les Nuits De La Pleine Lune)، الذي تُجمِع تعليقات نقدية على أنّ جيلاً كاملاً يتعرّف إلى نفسه فيه، الذي (الفيلم)، بفضل "أناقته الاحتفالية، وفوضاه العلائقية، وحنينه إلى التقاليد"، يُصبح نموذجاً للثقافة الباريسية في ثمانينيات القرن الـ20.

كاريو، في تلك المرحلة نفسها، يتعاون مع جاك دوري، أحد أشهر سينمائيي الأفلام البوليسية الفرنسية، الذي له، في سبعينيات القرن الماضي تحديداً، "عصراً ذهبياً"، والذي يُدير في بعض أفلامه من سيُصبحان أهمّ الممثلين الفرنسيين، آلان دولون وجان ـ بول بلموندو، ومع الأخير يمثّل كاريو في "الهامشيّ" (1983) لدوري.

السابق محاولة لتبيان لحظات سينمائية، مختلفة في أنواعها، ومتناقضة في أساليب اشتغالاتها، ما يُشير إلى حِرفية أداء يكتسب، دوراً تلو آخر، شيئاً من واقعية العمل، الذي (العمل) يتطلّب أحياناً قبول خيارات غير متوافقة مع البدايات. مع هذا، تُختزل علاقته بالتمثيل، وبمعنى ارتباطه به، بقوله إنّ "هذه المهنة مُساعدةٌ لي على أنْ أصبح إنساناً أفضل. الفن الدرامي وسيلةٌ لبلوغ فضاءٍ منعزلٍ وساحر، حيث تدخل رفقة آخرين، يحتاجون هم أيضاً إلى هذا الدافع، وربما إلى الابتعاد عن ذواتهم" (Midi Libre، صحيفة يومية فرنسية، 25 يونيو/ حزيران 2017).

المساهمون