استمع إلى الملخص
- سجن سان كوينتن تحول إلى نموذج إصلاحي في كاليفورنيا، حيث يضم برامج تأهيلية تشمل إنتاج الصحف والأفلام، ويخطط لتوسيع المهرجان ليشمل سجوناً نسائية، مما يعكس نجاحه.
- البرنامج السينمائي يساعد السجناء في مواجهة ماضيهم، كما في حالة ميغيل سيفوينتس، ويقلل من العنف والتوتر داخل السجن، مما يساهم في تقليل احتمالية إعادة ارتكاب الجرائم.
داخل سجنٍ سيئِ السمعة يضمّ بعضاً من أخطر المجرمين في ولاية كاليفورنيا، يُقام مهرجان سان كوينتن السينمائي (San Quentin Film Festival)، وهو بالتأكيد ليس مهرجاناً هوليوودياً تقليدياً.
تُجرى المقابلات على "السجادة الحمراء" على بُعد أمتار قليلة من غرفة الإعدام التي توقّف استخدامها منذ سنوات، والتي شهدت نهاية مأساوية لمئات السجناء المحكومين بالإعدام. يجلس القتلة المدانون إلى جانب ممثلين وصحافيين معروفين، يصفّقون لأفلامٍ صنعها زملاؤهم من خلف القضبان.
من بين هؤلاء رايان باغان، المحكوم بالسجن 77 عاماً بتهمة القتل من الدرجة الأولى. روى باغان أنّه "لطالما أراد أن يصبح ممثلاً، لكنّ الحياة سارت في طريقٍ مختلف"، بينما كانت أوشامه تبرز من تحت أكمام قميصه الأزرق الرسمي الخاص بالسجناء، وفقاً لما نقلته وكالة فرانس برس. فيلمه "ورقة القيقب" (The Maple Leaf)، الذي صُوّر داخل السجن، ينافس على جائزة "أفضل فيلم روائي قصير"، وهي فئة مخصّصة فقط للمخرجين السجناء أو الذين سبق أن قضوا عقوباتهم.
يبلغ باغان من العمر 37 عاماً، وكان مراهقاً عندما ارتكب جريمته، ويأمل أن تفتح له مهاراته الجديدة في الإخراج "نافذة إلى هوليوود، وإلى فرص العمل مستقبلاً". ورغم أنّ الفيلم لم يفز بالجائزة، إلا أنّه حصد إشادة واسعة من لجنة التحكيم التي ضمّت المخرجة سيلين سونغ، صاحبة فيلم "حيوات سابقة" (Past Lives)، والممثل جيسي ويليامز نجم مسلسل "غريز أناتومي" (Grey’s Anatomy).
عبّر باغان عن شعوره قائلاً: "حالياً، أنا أركّز على العمل وعلى إعادة تأهيل نفسي. وقصة فيلم (ورقة القيقب) تتحدّث عن أشخاصٍ مثلي".
"الشفاء" عبر الكاميرا
سجن سان كوينتن أقدم سجن في كاليفورنيا، وكان لعقود منشأةً ذات حراسة مشدّدة تضمّ أكبر جناحٍ للمحكومين بالإعدام في الولايات المتحدة، كما استضاف حفلاً شهيراً للمغنّي جوني كاش عام 1969. لكنّه تحوّل لاحقاً إلى نموذجٍ لإصلاح النظام العقابي في الولاية، ولم تُنفّذ فيه أي عملية إعدام منذ سنوات.
تتضمّن برامج التأهيل فيه مركزاً إعلامياً ينتج فيه السجناء صحيفةً وبودكاستات وأفلاماً قصيرة، وتهدف هذه المشاريع إلى تزويدهم بمهاراتٍ قابلةٍ للاستخدام بعد الإفراج عنهم، إذ يُتوقّع أن يُطلق سراح نحو 90% من السجناء يوماً ما.
أُطلق المهرجان في العام الماضي ليتيح للسجناء فرصة اللقاء بصنّاع السينما من الخارج. المؤسِّسة كوري توماس، وهي كاتبة مسرحية وسيناريست، تطوّعت في السجن لسنوات، وأرادت وسيلةً تُظهر لزملائها في هوليوود "العمل الاستثنائي الذي يُقدَّم داخل سان كوينتن". أوضحت توماس أنّها أدركت أنّ "الطريقة الوحيدة هي أن يأتوا بأنفسهم إلى هنا لمشاهدته". وبعد نجاح المهرجان في دورتين متتاليتين، سيُوسَّع ليُقام أيضاً في أحد السجون النسائية عام 2026.
الفن يواجه الألم
يُتيح البرنامج السينمائي في سان كوينتن للسجناء مواجهة ماضيهم القاسي. ميغيل سيفوينتس، الذي يقضي حكماً بالسجن المؤبد منذ 27 عاماً بسبب عملية سطوٍ مسلّح قُتل خلالها ضابط شرطة على يد شريكه، أشار إلى أنّ صناعة فيلمه القصير "إشارات تحذيرية" (Warning Signs) كانت "تجربةً علاجية وتحويليّة". يؤدّي سيفوينتس في الفيلم دور سجينٍ يفكّر في الانتحار، وقد أوضح أنّ العديد من السجناء الذين شاهدوا الفيلم اقتربوا منه لاحقاً ليتحدّثوا عن أفكارهم الانتحارية. وأضاف: "لم يكن الأمر تمثيلاً فعلياً، بل كان حديثاً صادقاً من مكانٍ مليءٍ بالألم".
من جهته، أكّد مدير السجن تشانس أنديز، لوكالة فرانس برس، أنّ الأنشطة "التطهيرية" مثل صناعة الأفلام والمهرجان تساعد على "خفض مستويات العنف والتوتّر داخل الجدران". ويفقد السجناء الذين يشاركون في الشجارات أو يخالفون القواعد حقّهم مؤقّتاً في المشاركة في هذه البرامج. وأوضح أنديز أنّ هذه الدروس تترك أثراً بعد خروج السجناء من السجن، مضيفاً: "إذا أطلقنا سراح أشخاصٍ من دون أن يكونوا قد واجهوا صدماتهم أو امتلكوا مهاراتٍ أو تعليماً، فسيكونون أكثر عرضةً لإعادة ارتكاب الجرائم وإيذاء ضحايا جدد".
بين الخطر والامتنان
رغم تركيز سان كوينتن على التأهيل، يبقى مكاناً خطيراً. صرّح كيفن هيلي، رئيس نقابة الممرّضين والمدرّب في السجن لـ"فرانس برس": "لقد شهدنا اعتداءاتٍ أُصيب فيها الممرّضون على أيدي السجناء... فهو في النهاية سجن، والخطر جزءٌ من طبيعته". وفوق ساحة السجن، يمتدّ ممشى ضيّق تحرسه أبراجٌ مسلّحة يمكن للحراس أن يظهروا فيها عند أول إشارةٍ للاضطراب. ومع ذلك، فإنّ هذا المكان يختلف كثيراً عن السجون المشدّدة التي بدأ فيها كلٌّ من باغان وسيفوينتس قضاء عقوبتيهما، حيث كاد الأخير يموت بعد تعرّضه للطعن.
على الأقل في هذا اليوم المشمس من أيام المهرجان، وبينما يعزف موسيقيون من السجناء أنغاماً مبهجة في الساحة، يبدو أنّ العنف قد تراجع مؤقّتاً. عبّر باغان بابتسامةٍ فيها مزيجٌ من السخرية والصدق: "بصراحة، أكره أن أقول إنني ممتنّ لوجودي في هذا السجن... لكن بطريقةٍ ما، أنا كذلك".