علم الجمال... المشروط

14 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
لوحة لفؤاد دحدوح ضمن معرض له في دمشق، مايو 2024 (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أصدر عميد كلية الفنون الجميلة في دمشق قراراً بمنع استخدام "الموديل العاري" في الأعمال الفنية، مما أثار جدلاً حول تأثيره على التعليم الفني وحرية التعبير.
- القرار يُعتبر عائقاً أمام التعليم الفني ويثير تساؤلات حول حقوق الطلاب في التعلم، خاصة مع وجود وسائل بديلة للوصول إلى المعرفة الفنية.
- الفن يُعد جزءاً من الإنتاج الثقافي والوطني، والقرارات التي تحد من حرية التعبير الفني تهدد هذا الإنتاج وتقلص حقوق الأفراد في التعبير.

لا يوجد في العلم ما هو خارج عن الحاجة، ولا توجد فيه معلومات قليلة الأهمية أو ثانوية ويمكن الاستغناء عنها. وبما أنّ العلم هو حجر الأساس في إنتاج المعرفة، فلا مندوحة من قبوله كما هو، وإلّا فلن تصل المعرفة إلى مبتغاها، أو تتحول إلى جهالة تدّعي الاكتمال المعرفي، كما كل جهالة؛ نافعة كانت أم ضارة.

وهنا لم يكن عميد كلية الفنون "الجميلة" في العاصمة السورية دمشق، الدكتور فؤاد دحدوح، سباقاً في إصداره تعميماً منع فيه استخدام "الموديل العاري" في أعمال النحت والتصوير والحفر، في أغسطس/آب الماضي. فقد سبقه العديد، ممن يمتلكون الصلاحية الإدارية، إلى التحكم بمنتجات الفن الأكاديمية والاحترافية، حتى ولو بتعليمات شفهية، وهذا ما حصل مع وزراء ثقافة العهد البائد، إذ أصدروا تعليماتهم مراراً لقمع أي محاولات فنية تعتمد الجسد الإنساني قيمةً معرفية، بناء على ثوابت "أخلاقية"، لا يمكن الخروج عنها، وكأنها استجابات لطلبات جماهيرية تضغط على الحكومة، فتستجيب "للأهالي"، حسب أحد تعليقات دحدوح.

ألغيت وظيفة "الموديل العاري" في هذه الكلية الجامعية في أواخر السبعينيات، لكنّه استمرّ في فضاءات الفنانين الخاصة، بمعنى أن الحاجة إليه أكيدة وضرورية، وهذا ما ظهر في منتجات الفنانين التشكيليين السوريين، من دون أن تنهدم "الثوابت" أو يساء إليها، ليبدو التهديد بعلامة الصفر لكل من تسول له نفسه أن يتخيّل الجسد الإنساني إجراءً ابتزازياً، لا يليق بهيئة تدريسية، تعرف مسبقاً المواضيع الأساسية للفنون الجميلة. واستخدام الدرجات لتقبيح أو تحسين الفن لا يعطي الحق بتحويل العلم إلى معرفة، مع أنه الهدف الأساس لمنشأة تعليمية، تقدم العلم لبالغين كاملي أهليتهم الحقوقية، ولكنها تمنعهم من الاستفادة من العلم وإفادة الآخرين من المعرفة، فهل يسري هذا القرار على طلاب كلية الطب مثلاً؟!

لم تأتِ، لا الجامعة ولا العلوم في بلدان المشرق، من انبثاق ذاتي، ولا بسبب طلب "الأهالي"، بل كانت استيراداً دائماً، أو يمكننا القول بسبب توسع دوائر التحضّر في العالم، وهذا ما جلب معه أساليب ومناهج للتعليم والتدريس لغايات تحضّرية معلنة. وبهذا؛ يبدو هذا القرار خارجاً عن الغاية التعليمية ومناهجها، فإذا كان من الضرورة وجود كلية للفنون الجميلة، فضرورة المنهج التعليمي أساسية في هذا المقام، إذ يمكن "للأهالي" أن يطالبوا بقطع الكهرباء عن كلية الهندسة الكهربائية، لأنها تستخدم في التعذيب الذي هو الآخر من ثوابتنا، إذ لا يمكن لأي منع أو رقابة أن تؤخذ على محمل الجد، طالما أنّها تقوم بتهشيم العملية التعليمية.

لهذا يبدو القرار كاريكاتيرياً، فرؤية الجسد العاري، لأسباب تعليمية أو تعبيرية، لم تعد من الصعوبات المعيقة، إن كان عبر وسائل الاتصال، أو المطبوعات، أو التعلم في الخارج، أو حتّى بالرضا الشخصي، وهنا أشير إلى وظيفة (حرفة) "الموديل العاري". ولكن منع رسمه فهذا من المستحيلات، فقد عبر الزمن الذي يمنع التعبير، وما على النيّات التعليمية السليمة إلّا العودة إلى القواعد، لأنّ "الموديلات العارية" التشكيلية والفوتوغرافية تملأ الفضاءات، ولا أحد بحاجة للاستئذان من أيّ أحد كي يراها كما يشاء، أو يستنبط منها مواضيع فنية غير مشروطة.

وبما أن الخفة التعليمية تحاصر هذا القرار من نواحيه كافّة؛ التدريسية والتربوية وحتّى الاجتماعية، لنسأل هل يحقّ للطالب (والفنان أيضاً) أن يرسم بقرة عارية؟ أو عنزة ربما، أو سمكة؟ فعلّة الاحتشام هنا مفقودة، والبقر والمعاز والسمك لا ترسم بمعنى أنها لا تملك ثوابت "أخلاقية" (مع أنها ليست فاسدة أو مرتشية...)، إذا خدشت سينهار وجودها الاجتماعي، فإذا كان العري هو الحجّة على تدريس الفنون، من الأولى تغطية عري تلك الحيوانات، قليلة الحياء، فعُريها يؤدي إلى تخيّلات فاحشة وخادشة للحياء، خصوصاً في موسم التكاثر.

لا يمكن أخذ هذا القرار على مستوى المؤسسات التعليمية فحسب، فهو بصفته الابتزازية يشكل سابقة حقوقية، قد تحاصر أنفاس التعبير الفني وغيره من الأمور الحياتية التي لا غنى للفرد المعاصر عنها، وتصغيرها بجعلها ثانوية وغير مؤثرة، ما ينطبق تماماً على كل حق من حقوق الإنسان، إن كان بالتعبير الفني، أو في المأكل والملبس أو المشرب، وحتى الحق في الحياة، طالما كان هناك مَن يتكئ على رأي "الأهالي" لأخذ قرار بمصادرة حق تعليمي لشباب بالغين راشدين، لم يصادف ولو لمرة واحدة، أن أحتج أحد على وجود كلية الفنون الجميلة صرحاً تعليمياً له أدواته وله الحق باستخدامها.

وظيفة كلية الفنون تحفيز المعالجات البصرية، لموجودات الطبيعة، متضمنة معنى الابتكار وممارسته، والفن بطبيعته الجمالية الخيّرة يساهم في تكريس التذوق الراقي والمتحضر لهذه الموجودات، والعبث في محتوياته ومآربه هو عبث بمنتجات البلاد، فالفن هو جوهرة الإنتاج الوطني في كل بلدان العالم، ولا يبقى من إنتاج أي شعب من الشعوب إلّا الفن دليلاً على السيرورة التحضّرية لأي مجموعة بشرية تعبر إلى التاريخ.