فرح قاسم (2/ 2): لدينا علاقة معقّدة مع الفضاء العام

05 يناير 2026   |  آخر تحديث: 10:15 (توقيت القدس)
فرج قاسم والجائزة الكبرى لـ"فيدادوك 16": الذاكرة العائلية (المكتب الإعلامي لفيدادوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- النافذة كرمز للتواصل والانفصال: في فيلم "نحن في الداخل"، تستخدم المخرجة فرح قاسم النافذة كرمز للتواصل مع العالم الخارجي والانفصال عنه، مما يعكس العلاقة المعقدة مع الفضاء العام في طرابلس تحت القيود الاجتماعية والسياسية.

- الاحتجاجات والتغيير الاجتماعي: يعبر الفيلم عن رغبة المخرجة في التغيير الاجتماعي والسياسي في لبنان، خاصة في ظل احتجاجات 2019، ويجسد الأمل في مستقبل أفضل من خلال الاحتجاجات في طرابلس.

- العلاقات الإنسانية والذاكرة: يركز الفيلم على العلاقات الإنسانية والذاكرة، من خلال نادي الشعر والشخصيات المحيطة، ويظهر كيف تلعب الزمن والذاكرة دوراً محورياً في تشكيل الروابط والبحث عن الانتماء والهوية.

في هذا الجزء الثاني من الحوار مع المخرجة اللبنانية فرح قاسم يتقدّم النقاش حول فيلمها الوثائقي "نحن في الداخل"، الذي استحق عن جدارة الجائزة الكبرى للدورة الـ16 (13 ـ 18 يونيو/حزيران 2025) لـ"المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بأكادير (فيدادوك)، من مستوى القراءة العامة إلى تفكيك عناصره التكوينية. من صورة "النافذة" بوصفها عتبة بين الداخل والخارج، إلى اختبار الشارع كإمكان لكسر العزلة. تتوقّف قاسم عند علاقتها بالقيود، وبالفضاء العام، وبمدينة طرابلس كحيّز مُهمَّش في السرد اللبناني السائد. كما يتوسّع الحوار ليشمل أسئلة البنوة والجماعة والزمن، من نادي الشعر إلى الشخصيات التي تدور في فلك الأب وتستمر بعد غيابه، وصولاً إلى التفكير في الفناء والذاكرة خارج التسلسل الخطي.

في القصيدة التي كتبتِها، هناك فكرتا النافذة والأمل، الذي سنتحدث عنه لاحقاً. النافذة مهمة في الفيلم، إذْ يُستَهَلّ بوالدك مستغرقاً بمشاهدة الأخبار على التلفزيون، الذي يُعتبر نافذة على العالم. هناك أيضاً الفكرة الرائعة للنافذة المُطلّة على الثكنة، مع الحمامة في جنباتها. كيف خطرت لك فكرة النافذة؟

لديّ أربعة عناصر للإجابة. أحب العمل مع قيود، لأنها تتيح لي التعمّق. ثم أسمح لنفسي بالتخلّص منها، والذهاب إلى مكان آخر. أردت حقاً الاشتغال على الأماكن الداخلية، لأني نشأت فيها كل حياتي. في طرابلس، عندما كنت أصغر سناً، كنت أخرج مع أصدقائي ووالديّ. لكن، كانت هناك دائماً قيود تنص على أنه يجب العودة إلى المنزل في وقت معيّن، وأنه يجب عدم التحدّث في السياسة أمام الناس، وأن هذا نفعله في المنزل فقط، وأنه يجب عدم التحدث عنه في الهاتف، لأننا مراقَبون.

لدينا علاقة معقدة مع الفضاء العام، لأننا لا نعرف ما الذي يحدث في الخارج. خاصة بعد الحرب، فالحكومة تشكلت من دون محاكمات ومساءلة عما حدث. الأشخاص أنفسهم يحكمون اليوم. من جهة أخرى، عانى سكان طرابلس الكثير، والمدينة تاريخياً مهمّة رغم أن كل شيء تركز في بيروت، بعد إنشاء لبنان. لسنوات عدّة، أُطلق عليها "قندهار لبنان"، بينما الأغلبية لا تعرفها، لأنها لم تزرها من الداخل. لذلك، أردت زيارة عوالمها الداخلية الموازية.

هناك أيضا المساحة الخارجية، التي لها دلالة، وتدخل في حوار وتفاوض مع المساحة الداخلية. هذه الفكرة الأولى. النافذة عنصر حاضر في أفلامي الأخرى أيضاً، وتجسّد النظرة داخل النظرة. كنت دائماً أقول لأبي: "لماذا تشاهد التلفزيون، بينما يمكنك ببساطة النظر من النافذة لفهم حالة هذا البلد، بما أنك تعيش أمام ثكنة عسكرية؟". لكن، بعد ذلك، أدركت أني أفعل الشيء نفسه. عندما أصوّر، هناك دائماً جزء من الباب في المقدمة، كأني بحاجة إلى حيز صغير يسمح لي بالقول إني لست منغمسة تماماً، بل في مكان ما بين منزلتين. قدم هنا، وأخرى في الخارج. أصبحت فكرة "ما بين منزلتين" أوضح في المونتاج، عندما لاحظت أن السبب في عدم تمكني من إيجاد ترابط بين أجزاء الفيلم المختلفة في البداية، أن وجهة نظري تتغيّر باستمرار. أبدأ النظر من النافذة، لأني أردت تصوير مشهد صغير عن الانتخابات.

ثم الحمامة، يتحول نظري إليها. لأول مرة أجد شيئاً شعرياً في مدينتي التي غادرتها، وعندما عدتُ وجدت ركناً صغيراً وحمامة في استقبالي. كأن وعداً بحياة يستقبلني، رغم صحّة والدي التي لم تعد على ما يرام، والوضع السياسي في البلد. أصبحت هذه التقلبات الحادة في وجهات النظر تعبيراً عن سمة مميزة لسكان مدينة وبلد. كأن لا شيء يكتمل. كأننا ننتقل كل الوقت من شيء إلى آخر، وفكرة "وضع البقاء على قيد الحياة" تجسّد شرطنا. وجدت أن ما كنت أحاول تفاديه في الواقع روح الفيلم، ويتمثّل بهوية النظرة المتقلّبة. لذا، النافذة في بداية المشروع نوع من حدود أو حواجز أردت تدميرها في وقت ما. هذا حدث عندما اندلعت الثورة (17 أكتوبر 2019 ـ المحرّر)، وتمكّنا من النزول إلى الشارع، واستعادة الأماكن العامة.

نزلت أخيراً من السيارة، وتجوّلت في مكان المظاهرة، في الثورة. أهذه طريقة لمعانقة الأمل الوارد في القصيدة؟

بالتأكيد. لأن والدي يقول لي في المشهد السابق إن هناك مجرمين في كل مكان، وأني لن أتمكن من مواجهتهم. فكرة أنه الوحيد القادر على حمايتي، حتى لو كان يبلغ 80 عاماً، وأنا لا يمكنني أن أكون متأكدّة في بلد كهذا مما هو حقيقي وما هو غير صحيح. أعتقد أننا نشأنا على طريقة التفكير هذه: يجب علينا الاعتماد فقط على أنفسنا، وألا ننضمّ إلى أي حزب سياسي، وألا ننخرط في الشؤون العامة والجماعية، وأنه يجب أن نكون فرديين لنتمكن من البقاء أحياء، ونبني حياتنا، لأن كل هذا لا يستحق العناء، وكل من سبقنا عاشه، ولم يقده إلى أي مكان. تلقيت كل ذلك، لكني لا أرغب فيه.

أريد العيش في لبنان. سئمت من رؤية أصدقائي والجميع يغادرون. المغادرة ليست خياراً. أريد فعل شيء يشبهني في هذا البلد، وأن أحظى بحقّ التعددية. لذا، كانت موجة الاحتجاجات مزدوجة: الحاجة إلى التغيير، والقول إننا لم نعد نستطيع تحمّل ألا يكون لأي حزب مشروع سياسي حقيقي للبلد، وأيضاً الإحساس بمجيء شيء جديد.

أما الساحة التي أقوم فيها بنوع من الطواف حول الجميع، فمكان له معنى كبير لسكان طرابلس. هناك، كان تمثال عبد الحميد كرامي، الذي كان رئيس حكومة، وفي الثمانينيات، عندما حلّت الحركات الإسلامية، أُزيل التمثال، ووضعوا كلمة "الله" مكانه. لا يمكن لأحد إزالتها، فذلك سيُعتبر تجديفاً مهما كانت عقيدته. لكن، ما يهمني في هذه الفكرة، أن هناك إرثاً تاريخياً متراكماً في هذه المدينة، ومضى، وعلينا العيش في التنوع الذي يعكسه. رأينا نتائج التجارب التي حاولت القضاء على التعددية، وكيف انتهت دائماً إلى التطرف. هذا المكان تراكم لهويات عدّة في طرابلس، يشهد على جمال المدينة، وعلى رفض الأحادية الثقافية.

نادي الشعر وسيلة أيضاً لتكوين مجتمع، حتى لو كانت فكرته الأساسية أنه "دائرة من الشعراء المحبطين"، في إشارة إلى فيلم بيتر وير. لكن الفكرة التي أعجبتني كثيراً في الأرشيفات أنها تظهر أن والدك كان سياسياً، قبل أن يفقد ثقته بالسياسة.

هناك وزيرٌ عضو في النادي، لكنه لم يكن موجوداً عند التصوير. هناك شخص آخر ينتمي إلى نقابة، ويرتبط اليوم بوزارة الثقافة. كانوا جميعاً شديدي التسييس، ومعظمهم درس في مصر الستينيات، ومعظمهم أيضاً موظف حكومي، يؤمن بمشروع الدولة. لكنهم جميعاً أصيبوا بخيبة أمل، خاصة بعد الأزمة، إذ عملوا كل حياتهم ليتمكنوا من ادخار معاش تقاعدي صغير، فأخذت الدولة منهم كل شيء.

سينما ودراما
التحديثات الحية

تعبّر الرغبة في الانتماء إلى النادي، حتى لو لم يكن المرء مهتماً بالشعر، بمعنى الرغبة في جعله مهنة، تعبّر عن الحاجة إلى مواجهة فكرة الفردية. من ناحية أخرى، هناك أمر مثير للاهتمام في الفيلم: فكرة البحث عن صلة بنوّة مع والدك. في وقت ما، وصفك أعضاء بأنك "شاعرة ابنة شاعر".

بالنسبة إلي، الفكرة الأساسية تمضية الوقت معه، وكان يُفترض بهذا أن يكون في مساحة الشعر. في النادي، هناك أشخاص أحببتهم، ومع الوقت أصبحت قريبة من بعضهم بشكل طبيعي. أحياناً، لم يكن والدي يذهب، ورغم ذلك كنت أذهب أنا. كنت هناك، ليس للشعر، بل للّحظات التي يتشاركون فيها الحلويات، أو يروون نكاتهم الخاصة، أو يتحدثون عن اللغة العربية التي يعتبرون أنفسهم حراسها. عشت مشاهد طريفة لم أستطع إدراجها في الفيلم، لأن مدّته بلغت ثلاث ساعات. يحاول شباب الانضمام إلى النادي، ويُسألون عما قرأوا من فلسفة، وماذا يعرفون عن اللغة العربية. نوع من الاختبارات الأبوية. لكن، في الوقت نفسه، لا يطردونهم، بل جلّهم لا يعودون من تلقاء أنفسهم. هذه طريقتهم في التعامل والتواصل مع الآخرين، عبر التحدي.

اكتشفت ذلك كله بعد أن حظيت بفرصة أن أكون جزءاً من هذا المجتمع المؤقّت. فكرة وجود شيء في زمان ومكان محددين، ثم لا يعود موجوداً، تثير إعجابي، فأردت أن أشهد عليها. أردت أن أكون هناك، لأني أعلم أنها لن تستمر، وأنها مسألة وقت فقط قبل أن تختفي. لم يعد النادي موجوداً اليوم، ومعظم أعضائه لا يستطيع الخروج من المنازل. الشاعر عبد الكريم شنينه، الذي أحبه كثيراً، والذي يعلمني الشعر في مشهد، لم يعد يستطيع الخروج من داره.

هناك شخصيات ثانوية، لكنها، في مرحلة معينة، تغدو مهمة. هناك الشاعر الذي تحدّثتِ عنه للتّو، الذي يقتبس قصيدة جميلة جداً عن الكون. وأيضاً نانا، المساعدة المنزلية، التي تخصصين لها حيزاً مهماً من الحكي بعد وفاة والدك. تبدو كأنها أصبحت هي الأخرى يتيمة بغيابه. كيف ترين هذه الشخصية التي تدور في فلك والدك؟

أحب الصيغة الفلكية للسؤال، لأن الأمر حاضر منذ البداية. عندما كنت أضع مخطط الفيلم، كنت أنا هنا، ووالدي هناك (تشير بيدها إلى مواقع متقاربة، المحرّر)، وأبو جميل، صديق وحليف والدي بجانبه. عبد الكريم شنينه، الذي أسميه الديكتاتور، لأنه هو الذي يقرر ما يحدث في العالم، بقربي لأنه حليفي. نانا بالنسبة إلي القوة أو الغراء الذي يربط كل شيء معاً، لأنها كانت موجودة منذ البداية، وتعرف كل شيء. إنها قوة الحكمة التي توجد هناك. تقول في النهاية: "أنا من رأى كل شيء، وأنا من كان هناك عندما مات والدك". كانت صديقته المقربة بطريقة ما، وصديقتي المقربة أيضاً. في الوقت نفسه، مسألة نانا أعقد، لأنها مرتبطة بالعمال المنزليين في لبنان، حيث تسود العنصرية. كل شيء مقنّن بطريقة ما، إلا أن العمال المنزليين لا يتمتعون بأي حقوق. أمضت 27 عاماً من حياتها في بلد لا يمكنها حتى الحصول على أوراق ثبوتية فيه. أرادت البقاء بعد وفاة والدي، وبذلت جهداً لتجديد أوراقها. لكنها تجاوزت سنّ التقاعد. السؤال الكبير لي: كيف أصوّر نانا؟ نانا تعلم ذلك، أي أنها ترفض أحياناً، وتوافق أحياناً أخرى. هناك شيء ثمين للغاية بين والدي ونانا: كانا يشيخان في الوقت نفسه.

لكنها فقدت تماماً الإحساس بالزمن. مشهد تذكيرك إياها بعدد السنوات التي أمضتها في منزلكم مؤثّر، ويوضّح شرطها. فقدان الإحساس بالزمن يقول كل شيء.

ذلك لأنها كانت تعيش في حاضر أبدي مع والدي، وأظنّ أنها لم تكن تعتقد أن ذلك سينتهي. حتى أنا، لم أكن أقبل هذه الفكرة.

فكرة الفناء هذه حاضرة بشكل كبير، لا سيما عبر القدر، حين يتحدث عنه والدك في مشهد المستشفى، وعن حقيقة أننا جميعاً محكومون بالزوال. لكن طريقة تصويرك مشهد الرقص الطويل في النهاية، وسط الحفلة العائلية، مع استخدام موسيقى مبهجة، جعلتني أفكر في "2001 أوديسة الفضاء"، والرائد الفضائي الغارق في سفر فلكي، فتُلغى بالنسبة إليه قيود الزمان والمكان، ويبلغ الخلود.

الفكرة الأساسية أني، عندما أعطاني والدي وصفة 30 ـ 70، قرّرتُ التّخلي عن التسلسل الزمني الخطي، واللعب بهذه الفكرة لبلوغ زمكان. لا نعرف ما إذا كان ما نعيشه نفسياً، أو اشتغالاً على الذاكرة، أو أننا تائهون بينهما. أردت الذهاب إلى الماضي، والنظر إلى والدي وهو ينظر إلى ماضيه. هل نحن حقاً في الحاضر؟ أنظر إليه وينظر إليّ؟ أو أننا لا نعرف من ينظر إلى الآخر من خلال النوافذ التي فتحناها طوال الفيلم؟ أردتُ إنشاء رقصة بين نظرات متجرّدة من الزمن. لكن، في الوقت نفسه، ما كان ثميناً جداً لي فكرة المجتمع. هذا التجمّع الذي يشيّع جسده من هذا المنزل، الذي مكث فيه فترة طويلة من حياته، هو نفسه التجمّع الذي رقص معه قبل 30 عاماً، وقبل 20 عاماً. معاً نسير نحو الموت، كما سرنا نحو الفرح.

المساهمون