فيلم "الست" لمروان حامد... الإنسان وراء الأسطورة

28 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 06:51 (توقيت القدس)
حفل أم كلثوم في باريس، 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "الست" للمخرج مروان حامد أثار جدلاً بسبب تقديمه لشخصية أم كلثوم بملامح غير تقليدية، مما أثار حنق البعض في مصر.
- النقاش حول الفيلم تجاوز كونه عملاً سينمائياً ليصبح مسألة حرية الرؤية والتعبير، حيث أن الهجوم الشعبوي يعكس سوء استخدام هذه الحرية.
- أم كلثوم ليست مجرد أسطورة، بل إنسان له تجارب، ويجب النظر إليها من زوايا متعددة لتقديم رؤى فنية جديدة.

آلاف التعليقات، والمنشورات، والمقاطع المصوَّرة أُطلقت وما تزال بحق فيلم "الست" للمخرج مروان حامد. الجدل طغى على نقاش نقدي مطلوب، إذ يقدم الفيلم، الذي عرض في الدورة الـ22 للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، ملامح غير متداولة سابقاً في شخصية أم كلثوم. وهذا بالضبط أثار حنق كثيرين في مصر تحديداً، إذ يُعتبر "ممنوعاً" المسّ بـ"قدسية" الست، بأي شكل من الأشكال.
منحت الفورة الرقمية كل من أراد الإدلاء برأيه مساحة للحديث، فتجاوزت الأصوات الغاضبة والأصوات المؤيدة بكثير عدد نقّاد السينما المحترفين حول العالم. لكن المسألة الأهم هنا ليست الكم، بل الموضوعية: الشخصية الغنائية النادرة، في النهاية، إنسان طبيعي له حياته اليومية، يمكن النظر إليها من زوايا متعددة، بغض النظر عن تصويت الجمهور بقبول هذه الرؤية أو رفضها. وهنا يبرز التمييز المعرفي بين عمليتي النقد والانتقاد: الأول عقلاني وبنّاء، والثاني مزاجي وشخصي، رغم وضوح حق حرية التعبير التي تمر في بلادنا بتحولات متناقضة؛ من حرية تحت الرقابة، إلى حرية ممنوعة، مروراً بأصوات تدّعي الدفاع عن الحرية لكنها أحياناً تقف ضد الحقائق البديهية، مستمدة سلطتها من استفتاءات عامة على وسائل التواصل الاجتماعي.
ليس فيلم "الست" بحد ذاته موضوع النقاش، فذلك شأن النقّاد وشبابيك التذاكر، بل المسألة الحقيقية تكمن في حق حرية الرؤية والتفسير والتعبير. لمروان حامد (المخرج) وأحمد مراد (الكاتب) كامل الحق في تقديم رؤيتهما، وللجمهور كامل الحق في مقاطعة الفيلم أو تجاهله. أما تحويل هذا الحق إلى أداة لإلحاق الضرر بصناّع الفيلم، فذلك هو سوء الكيلة الكامل. الهجوم الشعبوي على مجرد فيلم يحوّل حق التعبير إلى نزوة عاطفية، تمس مشاعرنا الوطنية والجمالية والإنسانية، وكأن عقوبة الإساءة إلى "الست" يجب أن تكون الإلغاء والمعاقبة الصارمة.
أم كلثوم ليست أعلى من إديث بياف أو ماريا كالاس أو إلفيس بريسلي أو بافاروتي. هي شخصية استثنائية، لكنها إنسان، وصفاتها الإنسانية تتجاوز قدرة أي تقديم أو تقييم بشري. هذا يجعلها "تراثاً حياً، وليس مجرد فلكلور يُعاد إنتاجه، بينما يحاول المجتمع خلق مواهب جديدة باستمرار. إذا كان حامد ومراد وبطلة العمل منى زكي جزءاً من هذه المواهب، فإن إنتاجهم للفيلم يعكس هذا الإمكان، وليس محاولة لطمر الرحم المبدع.
التحويل التقديسي التعميمي لشخصية، التي كان محور إنتاجها الإبداعي الغناء، إلى كيان منزّه عن أي عيب في المقاييس المعاصرة، هو انعكاس عكسي لما كانت أم كلثوم تسعى إليه: تجديد مفاهيم الغناء والفن. هذا التعاطي يحوّل الشخصية إلى شيء خارج الواقع، ويعطل أي محاولة عقلانية لتقديم رؤى فنية جديدة، ويصبح "الاستنساخ الذهني" للتراث هو المعيار بدل فهم مبانيه المعرفية.
العديد من التعليقات تجاهلت حق الناس في تقييم "الست" بشكل مختلف: هناك من لا يحب غناءها، من هو غير مكترث، من ينتقد موسيقاها، أو يعتبرها ظاهرة شرقية تخديرية، ومن يرى كلمات أغانيها ضعيفة، ومن هجاها بقصائد وسخر من كلبها. الشهرة، في أيدي هؤلاء المتعجلين، تتحول إلى سلطة تمنع أي سيرة هادئة أو تحليل متوازن، فتخلق "دكتاتورية الغائب"، مستمدة من سيطرة السائد وخوف الجماهير من مواجهة الحقائق.

	 منى زكي في مهرجان مراكش السينمائي، 3 ديسمبر 2025(ستيفان كاردينال/Getty)
سينما ودراما
التحديثات الحية

فيلم "الست" لا يستحق هذه الضجة. من يريد الدفاع عما سمعه شفهياً أو موروثاً، عليه أن يقدم فيلماً مضاداً أو وثائق تثبت العكس، وليس مجرد تعليقات غير معرفية على شبكة الإنترنت. النقد العقلاني، على عكس الانتقاد المزاجي، يبني ولا يهدم. وإذا كان الفيلم مسيئاً فعلاً، فإضافة التعليقات العاطفية تزيد الإساءة.
أم كلثوم ليست أسطورة جامدة، بل إنسان من لحم ودم، مع تربية ومراحل عمرية وتجارب أنتجها المجتمع المصري القادر على إنتاج غيرها وأفضل منها. وإذا كان السؤال المقارن بين التراث وحرية التعبير، فإن حرية التعبير هي الأكثر قدرة على البناء والتعمير من أي تكرار لتبجيل "الأساطير".