فيلم "ضيّ" : رحلة الجنوب المصري من العتمة إلى النور

09 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 06:54 (توقيت القدس)
من الفيلم (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "ضيّ (سيرة أهل الضي)" يتناول رحلة عائلة جنوبية إلى القاهرة، مسلطًا الضوء على التحديات الثقافية والاجتماعية التي تواجهها، خاصةً من خلال قصة مراهق ألبينو يعاني من التنمر والعزلة.
- يعكس الفيلم قسوة المجتمع تجاه المختلفين عبر شخصيات مثل رجل الإطفاء زناتي ومدرّسة الموسيقى، ويبرز التحديات التي يواجهونها في مجتمع غير متسامح، مستخدمًا الأداء الجسدي والرمزية البصرية.
- باستخدام أغاني محمد منير والرمزية البصرية، يقدم الفيلم رحلة أمل ومقاومة، مع التركيز على الهوية والبحث عن حياة جديدة، رغم بعض الثغرات في المونتاج.

يأتي فيلم "ضيّ (سيرة أهل الضي)" (إخراج كريم الشناوي وتأليف هيثم دبور/ بطولة بدر محمد وإسلام مبارك وحنين سعيد وأسيل عمران) كأحد الأفلام المصرية القليلة التي تسرد حكاية طريق تنطلق من مكان مجهول تماماً، من الجنوب المصري، ذاك الامتداد المختلف عن العاصمة في الملامح واللهجة والمزاج، والذي حالت تلك الاختلافات نفسها دون الاعتراف به جزءاً من الخريطة الفنية والسيرية للبلد.
على مدار يومين من الرحلة، تكشف الكاميرا، مشهداً بعد آخر، عواقب هذا التجاهل المتراكم. الطريق الوعرة لا ترحم عابريها البسطاء، تماماً كما لم ترحمهم الحياة نفسها. العائلة التي تصحبها مدرسة موسيقى حالمة تتعثر في كل خطوة، كأنها محكومة بالثبات والذبول في مقامها المتروك إلى الأبد.

تحكي القصة حالة محاصرة جسدية وثقافية يعيشها مراهق ألبينو يعاني من التنمّر في مدرسته، ومن عزلة قاسية داخل البيت الذي تحوّل إلى سجن حبّ تحرسه أمّ تركها الأب وحيدة مع طفلين قبل أن يختفي بلا رجعة.
غيابه فرض عليها أن تتحول إلى درع واقية للعائلة، درعٍ يغلّفها الخوف ويتسرّب منها العنف العاطفي. يختفي الحب الحميمي في البيت، وتتحوّل العاطفة إلى سلطة. وحين يُظهر ضيّ حبّه لمعلّمته، تتلقّاه الأم بسخرية جارحة وهجومٍ دفاعيّ، كأنها تحميه من العالم ومن نفسه في آن.
قبول الأم بمغامرة الذهاب إلى القاهرة بدا خيطاً أخيراً يربط أفراد العائلة، محاولةً متأخرة لإدخال فرحة صغيرة بعد سنوات من القهر واليأس. لكنها رحلة لا تبدأ بخير: السيارة التي ستقلّهم تُسرق، فيضطرون للسير مشياً بحثاً عن وسيلة أخرى للوصول في موعد اختبارات برنامج "ذا فويس".
هذا السير الصعب عبر محافظات الجنوب، بلا مقوّمات للراحة أو الحماية، يتكشّف كامتداد للعيش في تلك البقعة المنسية من مصر: عيش أعمى بلا يدين ولا أقدام، مقاومة وجودية يومية في بيئة تجفّ من حولها الحياة. ربما كانت هذه الرحلة، بالنسبة إلى الأم ذات الوعي البدائي الصلد، خلاصاً أخيراً من حياة لا تحتمل.
في عمق الفيلم سيرة عن المختلفين، أولئك الذين لفظهم المجتمع ونبذهم من جسده العام. هؤلاء الذين حملوا على عاتقهم صعوبة الاندماج من جديد في مجرى الحياة، بسبب اختلافات ظاهرية أو فكرية لا يتسامح معها مجتمع شديد المركزية، أحاديّ النظرة، لا يفتح الطريق أمام التباين بل يسدّه.


من الجنوب إلى العاصمة، ترصد الكاميرا قسوة هذا الموقف الأحادي. من يُجبر على الاختلاف تتكوّن داخله قشرة من الجهامة واليأس، مثل شخصية زناتي (أحمد حلمي)، رجل الإطفاء الذي غطّت الحروق وجهه فصار يخفيه بقناع. يجلس على قارعة الطريق يراقب المارة، وإذا تكلّم أو تحرّك أفزعهم بحركته الثقيلة وحدّة كلامه التي تنكسر في النهاية إلى لينٍ شفيف. الأداء الجسدي لحلمي يكشف بمهارة عن الحدة والهشاشة المتجاورتين داخل المختلفين في مجتمعٍ لا يعترف بهم.
كان خط زناتي الدرامي الأكثر غموضاً وصدقاً في الفيلم، مشغولاً بعناية من البداية وحتى مشهد التطهر والكشف في النهاية، الذي بدا كطقس خلاص من الخوف والنبذ.

 

سرد الاختلاف امتدّ ليشمل وجوهاً أخرى من المهمّشين. فشخصية مدرِّسة الموسيقى تُمثّل رمزاً آخر للاختلاف الاجتماعي والديني، وصورتها البصرية غنية بالدلالات. تظهر أول مرة داخل كنيسة، وسط الأيقونات والصلبان، وتدير ظهرها للكاميرا في لقطات توحي بتساميها على العالم الخارجي.
لكن هذا التسامي لا يدوم طويلاً، فالأم تهزّه بنبرة طائفية ساخرة حين تسألها إن كانت تحفظ أغنية "مدد يا رسول الله" لمحمد منير، التي اقترحتها المدرسة على ضيّ ليغنيها. الأغنية في أصلها دعوة للتسامح الديني، لكن المشهد يكشف هشاشة هذا التسامح في مجتمع لا يتصالح مع الاختلاف حتى وهو يغنّيه.
الرحلة التي يخوضها ضيّ من النوبة إلى القاهرة تحمل وعدين متوازيين: وعد الأم بالحماية ووعد المعلمة بالإيمان بموهبته. على الطريق تتقاطع المآسي الصغيرة بالآمال الكبيرة، ويغدو المسير نحو العاصمة بحثاً عن اعترافٍ بالوجود قبل الموهبة.
يضمر الفيلم استعارة واضحة لرحلة الفنان النوبي الكبير محمد منير، الأسمر الذي واجه عنصرية خفيّة عند صعوده إلى العاصمة. تصل الحبكة إلى ذروتها حين يلتقي الخطّان: ضيّ ومنير، في المستشفى. يغنيان معاً، فيتحوّل المراهق إلى نجم على مواقع التواصل، لا لأنه غنّى جيداً، بل لأنه جاور منير في الصورة.
غير أن الكاميرا، بذكاء، تلتقط نظرة منير، كأنه يرى القصة تُعاد أمامه مع فتى أصغر سنّاً وبشرة بيضاء هذه المرة، لكنه يحمل وجع الجنوب نفسه. الحوار بينهما باللغة النوبية يُعيد لوني الأصل والانتماء. منير يمنحه الأمل بغناء "علّموني عينيكي"، لتصبح الأغنية خاتمة رمزية للرحلة، ومفتاحاً للحب الصادق الذي يتجاوز اللون والعرق والمكان.
يُسرد الفيلم بالكامل من خلال أغنيات منير: تبدأ بـ"علّموني عينيكي" في المدرسة قبل السفر، تليها "أنا بعشق البحر" في محطة التيه، وتنتهي بأغنية "المدينة" لحظة الوصول إلى القاهرة. يختار المخرج ومدير التصوير زوايا تُقدّم منير كـ"أسطورة حيّة"، في تصوير نادر الثراء في السينما المصرية.

اللغة النوبية، التي تحثّ الأم ابنها على الغناء بها، تتحوّل إلى رمزٍ للمقاومة. فحين يختار ضيّ أن يغنّي بها أمام الكاميرات، يواجه أكبر مخاوفه: الشمس التي تحرق بشرته البيضاء. يغنّي لها لا منها، لتصبح مصدر حياة جديدة.
تُختتم الرحلة بمشهد طقس خرافي جميل، حين يرمي ضيّ ضرسه نحو الشمس كما يفعل أطفال النوبة، في فعل رمزيّ لقبول الحياة كما هي، بألمها وضوئها.

الأبيض الذي يكرهه المراهق لأنه يفضحه كألبينو، والأسود الذي يميّز أهله النوبيين، يحضران كثنائية بصرية وحسية تشكّل نسيج الفيلم. اللونان لا يتصارعان بقدر ما يتجاوران داخل تضادّ مرئيّ يتحرّك فيه الفيلم بحساسية عالية.
الحياة هنا لا تختزل في لونين، لكن السيناريو الذي كتبه هيثم دبور يوظّفهما ببراعة ليضع الرحلة على شفا طريقين لا ثالث لهما.
الفقر الذي يملأ الصورة ليس مجرد خلفية، بل وقود للحركة. الفقر المدقع الذي تعيشه العائلة في الجنوب هو ما يدفعها للهرب شمالاً، والغناء هو وسيلتها للنجاة. الغناء، في هذا الفيلم، ليس أداءً فنياً فحسب، بل شكل من أشكال الوجود.
ضيّ، المراهق الذي يشبه شبحاً أو ملاكاً، يكتسب في النهاية بعداً أسطورياً: يصبح الأمنية التي تحققت وسط قسوة الأرض.
حين يتقدّم ضيّ نحو المناطيد الملونة الراسية في الأقصر، التي تبدأ بالتحليق واحدة تلو الأخرى، يمنح المشهد إحساساً نادراً بالبهجة المبطّنة، كأن شيئاً من الجنوب المتروك استطاع أخيراً أن يطير، وبكثرة.

تتكرر في الفيلم ثنائية الشمس والقمر، الليل والنهار، الموت والعمل، كوجهين للحياة نفسها. فالقمر هنا ليس رمزية للموت كما في شعر لوركا، بل للحضور الخفيّ والجمال الموارب، فيما الشمس رغم قسوتها تمثّل العمل والسعي، ومنبع القوة. بهذه الرمزية يخلق المخرج امتداداً فلسفياً لدورة الفيلم وحركته، وكأن الحياة نفسها تمرّ في شريطه من الظلمة إلى الضوء.
يُحسب للفيلم تماسك السيناريو وبنيته المحكمة، إذ تتوالى الأحداث بسلاسة تحافظ على شدّ المشاهد حتى النهاية. أما المونتاج فيواجه بعض الثغرات؛ فمشاهد تُقطع عند ذروتها قبل أن تكتمل، وأخرى تُلحق بها بدايات جديدة بسرعة تُربك الإيقاع. هذه القفزات تجعل الفيلم في بعض لحظاته يبدو سريعاً أكثر مما يحتمل، أقرب إلى فيلم إثارة، تفوّت على المتفرج متعة الإشباع البصري والدرامي.
ورغم ذلك، تبقى تجربة "ضيّ" واحدة من المحاولات النادرة لإعادة الجنوب إلى الخريطة السينمائية، ورسم صورة إنسانية للمختلفين في مجتمع لا يرى إلا وجهه الواحد. فيلم عن القبول، عن الألم، وعن الأمل الذي لا ينطفئ حتى في أقصى العتمة.

المساهمون