فيلم Drop... ما قد يحدث في الدقيقة التالية

12 يونيو 2025   |  آخر تحديث: 07:33 (توقيت القدس)
العمل من بطولة ميغان فاهي (IMDb)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "Drop" يقدم تجربة تشويقية مكثفة تدور حول فيوليت التي تواجه تهديدات غامضة عبر تطبيق، مما يبرز كيف أصبحت التكنولوجيا أداة للضغط النفسي، معتمداً على التوتر والإيقاع بدلاً من الحركة.

- يعتمد الفيلم على تقنيات بصرية مثل الشاشات المنقسمة، لكن التكرار يجعلها تفقد قوتها التعبيرية، والموسيقى التصويرية تفتقر إلى التنوع، مما يؤثر على تطور السرد.

- يفتقر الفيلم إلى تعمق في بناء شخصية فيوليت وتأثير العنف المنزلي عليها، وتبقى الأسئلة الجوهرية بلا إجابة، مما يجعله ينسى سريعاً بعد انتهائه.

من اتصال أرضي في منتصف الليل، إلى إشعار يومض على شاشة الهاتف المحمول، تغيّر شكل التهديد، وتبدّلت أدوات الرعب في عصر التكنولوجيا. لم يعد الخطر عشوائياً، بل أضحى شخصياً ومباشراً، عبر مكالمة، أو رسالة نصية، أو تنبيه.
في فيلمه الجديد Drop، يقدم المخرج كريستوفر لاندون مادة تشويقية مكثفة تدور في ليلة واحدة، تفتح الباب على أسئلة تتعلّق بالخوف والثقة والسيطرة في زمن تطور وسائل الاتصال.
فيوليت (ميغان فاهي)، أرملة تعمل معالجة نفسية لنساء تعرضن للعنف الأسري، تعيش مع ابنها الوحيد، وتبدو مستعدة للانفتاح مجدداً على العالم الخارجي. في موعدها العاطفي الأول مع هنري (براندون سكلينر)، المصور الوسيم، تبدأ بتلقي رسائل غامضة على هاتفها عبر تطبيق يدعى DigiDrop، تضعها أمام معضلة أخلاقية: تسميم هنري خلال العشاء، أو تعريض حياة ابنها للخطر.
التهديد الرقمي الذي يصل عبر التطبيق يتجاوز كونه محركاً للحبكة، ليُقدَّم مدخلاً إلى عالم بات فيه الهاتف أداة للضغط النفسي، وليس وسيلة اتصال. في Drop، لا يأتي الخطر من الخارج، بل من إشعار صغير على الشاشة، كافٍ ليقلب إيقاع الليلة. لحظة قصيرة، لكنّها كفيلة بوضع فيوليت أمام خيار مصيري. ومن هنا، يبدأ الفيلم بلعبة توتر لا تعتمد على الحركة، بل على الإيقاع والانتظار، وما قد يحدث في الدقيقة التالية.


يتناول لاندون، المخرج المعروف بأفلام الرعب مثل Happy Death Day وFreaky، في هذا الفيلم فكرة محورية: أن الخوف لا يأتي دائماً من الخارج، بل يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية. إنه كامن في العنف الخفي داخل البيوت، وفي التوترات الكامنة داخل العلاقات، وفي الإشعارات التي لا تتوقف على هواتفنا. هنا، لا يكون الرعب خيالاً بعيداً، بل تجربة معاصرة مألوفة نعيشها جميعاً.
تدور معظم أحداث الفيلم في مطعم فاخر على سطح ناطحة سحاب في شيكاغو. تتحرّك الكاميرا بين ممراته الضيقة وحمّاماته، لتُحوِّل هذه الفضاءات المغلقة إلى امتداد للتوتر المتصاعد. تتحول تفاصيل الديكور، مثل الأقواس والزوايا والأبواب المغلقة، إلى عناصر ضغط نفسي مستمر.
يعتمد الفيلم في أسلوبه البصري على الشاشات المنقسمة، والنصوص الظاهرة على الشاشة، والانتقالات السريعة بين ما تراه فيوليت على هاتفها وما تعيشه فعلياً. هذه التقنيات تخدم الغرض في البداية؛ إذ تحاكي تفكك الإدراك تحت وطأة الصدمة. لكن لاندون يقع تدريجياً في فخ التكرار، فتتحوّل هذه الأدوات إلى زخرفة بصرية تفقد تدريجياً قوتها التعبيرية، بل تتحول أحياناً إلى عائق يحول دون التوغّل في الحالة النفسية التي يُفترض أن نتابعها. الأمر نفسه ينطبق على الموسيقى التصويرية، التي تُضفي جواً من الترقب، لكنها تحافظ على وتيرة واحدة رغم تطوّر السرد.
يفتقر بناء شخصية فيوليت إلى العمق والواقعية. يقدمها الفيلم بوصفها ناجية من العنف المنزلي، لكنه لا يمنحنا فرصة كافية لفهم تداعيات تجربتها العاطفية والنفسية بإقناع. تظل شخصيتها محصورة ضمن متطلبات الحبكة، إذ تُستخدم أداةً لإثارة التوتر من دون أن نلمس تأثير العنف على وعيها وجسدها وقراراتها. هكذا، تبقى ردات فعلها محصورة ضمن الإطار الضيق للحدث، لتنحصر الأسئلة المطروحة في نطاق محدود: هل ستَقتُل؟ ما الذي ستخسره؟ وماذا يعني هذا القرار؟ ومع اقتراب النهاية، تهمل هذه الأسئلة لصالح تصعيد درامي مبالغ فيه.
يبدأ الفيلم من أزمة أخلاقية: امرأة تجبر في ليلة واحدة على اتخاذ قرار مصيري تحت تهديد مجهول. في البداية، يبنى التوتر بإحكام، وتبدو الحبكة واعدة. لكن مع اقتراب النهاية، يفقد الفيلم بوصلته؛ فلا يعود واضحاً إن كان يسعى إلى تفكيك العنف الرقمي، أم نقد العلاقات الملتبسة بين الثقة والخوف، أم الاكتفاء بتقديم إثارة مبتكرة.
يكشف الثلث الأخير من العمل هشاشة البناء السردي. تتحوّل القرارات إلى عبثية، وتطفو فجوات منطقية يصعب تجاهلها، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية بلا إجابة. أما النهاية، فتقفز فوق كل ما سبقها، كما لو أن الفيلم قرر فجأة التخلّي عن منطقه والاندفاع نحو خاتمة مريحة ترضي المشاهد، بدلاً من مواجهته بما هو فعلاً على المحك.

في النهاية، يتخلى Drop عما وعد به. يقارب قضايا مهمة مثل القهر النفسي، وتعنيف النساء، وهشاشة الأمان في العصر الرقمي، لكنه لا يمنح أياً منها المساحة الكافية للتبلور. ورغم كونه إنتاجاً متقناً بصرياً مع حبكة مشوّقة، إلا أنه لا يطوّرها بما يكفي. هناك توتر، وهناك فكرة مثيرة، لكن ما يفتقر إليه حقاً هو الغوص في تعقيدات الشخصيات، وفي الأسئلة الأخلاقية التي يُفترض أن تشكّل نواته. وهذا ما يجعل الفيلم ينسى سريعاً بعد انتهائه. كان يمكن أن يكون أجرأ وأعمق، لكنه اختار الاكتفاء بالحد الأدنى من المغامرة.

المساهمون