استمع إلى الملخص
- نقد فني وتغيرات في الصناعة: أثار نجاح "قاتل الشياطين" نقاشات حول جودة الأنيميشن مقارنة بالمانغا، حيث تميزت السلسلة بإيقاع سريع ولغة عاطفية، مما جعلها تتماشى مع تفضيلات الجمهور الحديث.
- تغيرات في جمهور الشونِن: كشفت ظاهرة "قاتل الشياطين" عن تحول ثقافي في جمهور الشونِن، حيث أصبحت النساء جزءاً مركزياً من المتابعين، مما يعكس تنوعاً أكبر في الجمهور.
لم يعد أنمي "قاتل الشياطين" (Demon Slayer) مجرد سلسلة شونِن ناجحة، بل تحوّل خلال أعوام قليلة إلى ظاهرة عالمية ساهمت في دفع صناعة الأنمي، وأمسى واجهة النقاش الثقافي والسياسي. فمنذ أن اجتاح فيلم Mugen Train شباك التذاكر عام 2020، متجاوزاً Spirited Away لهاياو ميازاكي ليصبح أعلى فيلم ياباني إيراداً في التاريخ، بدأت السلسلة تتحول من عمل جماهيري محلي إلى إشارة كبرى على لحظة انتقالية تعيشها صناعة الأنمي.
لكن السجالات جاءت مع صدور فيلم Infinity Castle، الذي حقق أكثر من 128 مليون دولار داخل الولايات المتحدة وحدها، ليصبح وفق تقارير People وCrunchyroll، أعلى فيلم أجنبي إيراداً في تاريخ شباك التذاكر الأميركي. ومع اقتراب إيراداته العالمية من 660 مليون دولار، استفز هذا النجاح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي صرّح بعدها بأنه يدرس فرض تعرفة جمركية بنسبة 100% على الأفلام الأجنبية، متهماً هذه الإنتاجات بأنها "تهديد للأمن القومي" و"سرقة لصناعة السينما الأميركية"، وفق تصريحات نقلتها وكالات مثل رويترز، وأسوشييتد برس. لم يُذكر "قاتل الشياطين" بالاسم، لكن التوقيت كان كافياً ليفهم كثيرون كلامه بوصفه ردّ فعل على النفوذ الآسيوي المتزايد داخل صالات العرض الأميركية.
أما في اليابان، فقد ظهرت حساسية من نوع آخر. فقد علّق كازوهيكو توريشيما، محرر دراغون بول الشهير وأحد أبرز شخصيات مجلة شونِن جامب (Shonen Jump)، بأن نجاح "قاتل الشياطين" يعود بالأساس إلى جودة الأنيميشن وليس إلى قوة المانغا ذاتها، وأن العمل "كان سيصبح أكثر إثارة لو استند إلى قواعد القتال التقليدية في الشونِن". انتشر التعليق سريعاً، ليس لأنه نقد فني فحسب، بل لأنه مثّل صوت الجيل القديم في لحظة يتغير فيها شكل الصناعة نفسها.
ومع عودة عرض أنمي Black Clover، نشر المخرج الأميركي هنري ثيرلو، وهو أحد العاملين في فريق "ون بيس"، على منصة إكس: "من المؤسف أن يحصل Black Clover على هذه المعاملة، بينما يحصل 'Demon Slayer على معاملة Demon Slayer'. فالحقيقة أنّ Black Clover يثير إعجابي من ناحية الحبكة أكثر، وأعتقد أنه يستحق موارد إنتاجية أكبر".
المفارقة هي أن بنية "قاتل الشياطين" نفسها لا تختلف كثيراً عن الشونن المعتاد، إنما بعض الاختلاف في عدد الحلقات وسرعة التصاعد بدلاً من الوصول إلى مئات الحلقات، وأيضاً وقوعه تحت شروط زمن إنتاجي مختلف تماماً عما عرفته الصناعة قبل عقدين أو ثلاثة. فالقصة تتخذ البنية الأكثر كلاسيكية في النوع: فتى يحمل دافعاً أخلاقياً بسيطاً، مسكون برغبة في إنقاذ أخته واستعادة عائلته، وينمو تدريجياً عبر التدريب والمواجهة. غير أن هذا الإطار التقليدي يُعاد بثّه هنا بإيقاع سريع وبلغة عاطفية أكثر مباشرة، تجعل السرد أكثر شفافية، وأكثر قدرة على ملامسة جمهور اعتاد الاستهلاك المتتابع والعمل المنقّى من الحشو.
ومع أن النقاد كثيراً ما نسبوا نجاح السلسلة إلى جودة الأنيميشن وحدها، فإن المعطيات تكشف أن حضور المانغا، وإن كانت بجودة رسوم ضعيفة، كان قد تشكّل بقوة قبل دخول الاستوديو على الخط، إذ سجّلت المانغا ما يقارب 82 مليون نسخة في التداول خلال عام 2020، وهو رقم غير مألوف في تاريخ الشونِن الحديث ضمن سنة واحدة، ما يعني أن السلسلة نجحت قصةً وحبكةً قبل دخول الأنيميشن والإنتاج القوي على الخط.
أما القوة الكبرى التي تمكن "قاتل الشياطين" من اكتسابها، فهي حضوره السينمائي، وتقديم أفلام ناجحة جزءاً من السلسلة، لا يمكن تفويتها كما هو معتاد في الأعمال القديمة، إذ كان الفيلم مجرد قصة جانبية.
ظاهرة "قاتل الشياطين" كشفت عن توترات سياسية ومؤسساتية، لكنها أيضاً كشفت عن تحوّل ثقافي أوسع يتعلق بالجمهور نفسه. فخلال العقد الأخير، تغيّر تركيب جمهور الشونِن بصورة واضحة، إذ باتت النساء يشكّلن جزءاً مركزياً من قاعدة المتابعين، ليس بوصفهن جمهوراً ثانوياً لنوع الشونن، إنما جمهور أساسي ذو مقدرة مادية تُتيح له شراء التذاكر، وذوقه يجب أن يُرضى كذلك حتى لو كان التصنيف شونين – فتيان.
تؤكد بيانات دور النشر اليابانية ومنصّات المشاهدة العالمية أن الأعمال الأكثر شعبية في السنوات الأخيرة، مثل "هجوم العمالقة" و"هايكيو!" و"جوجوتسو كايسن" و"قاتل الشياطين"، تتمتع جميعها بقاعدة نسائية واسعة، ولم يعد الشونِن موجهاً إلى "الفتيان" كما تفترض التقاليد منذ زمن طويل، لكنه اليوم يتجاوز نوعه أكثر وأصبح نوعاً عابراً للفئات العمرية والجندرية، يتسع لخيارات عاطفية وسردية أكثر مرونة مما كان عليه في الماضي.
ويبدو أن هذا بحد ذاته يزعج جمهور الفتيان على وسائل التواصل الاجتماعي وريديت الذين يصنفونه بعمل للفتيات، بقصد التحقير.
يأتي هذا مع انزعاج كبير من حضور الشخصيات النسائية داخل "قاتل الشياطين". فشخصية مثل ميتسوري كانروجي تحمل قوة غير منطقية بالنسبة لبعض المشاهدين، وهي مزيج من العاطفة المفرطة والقوة الخارقة، ما يجعلها نموذجاً يختبر الحدود بين الحساسية والفعالية داخل منظومة الشونِن. هذا النوع من الشخصيات لا يصطدم بنص السلسلة، بل بتصور سابق لما يجب أن يكون عليه المقاتل في السياق القتالي، وهو تصور ما يزال في جوهره أقرب إلى النموذج الذكوري الصلب الذي ساد طوال عقود.
وفي محاولة أميركية لتفكيك القضية الجندرية لفهم هذا النجاح، أحالت مجلة The New Yorker الأمر إلى جنس الكاتبة المفترض؛ أنثى، وهو شيء افترضه المعجبون للمؤلف الغامض، التي اخترقت مجالاً يهيمن عليه الذكور تحريرياً في مجلة شونن جامب، لكن هذا ليس صحيحاً، لأن العديد من الكاتبات النساء دخلن الصناعة من دون جدل يذكر، على رأسهن هيرومو أراكاوا مؤلفة Fullmetal Alchemist. كما يفترض المقال الذي يحمل عنوان Demon Slayer: The Viral Blockbuster from Japan، أن "قاتل الشياطين" تقدمي نسوي، وذلك بسبب شخصية نيزكو، لكنه في الحقيقة لا يختلف عن أعمال الشونن الحديثة التي لم تعد تقمع الشخصيات النسائية، لكنه ليس نسوياً فعلاً، ولا يمكن القول إنه ذكوري كذلك.
الجديد فقط هو أن هذا القالب الكلاسيكي بات يقرأه جمهور أكثر تنوعاً، وأقدر على إعادة تحديد ما يعتبر قيمة فنية وما يجعل العمل كبيراً. مع هذا التغيّر، ظهرت مقاومة رمزية تعبّر عن صراع على ملكية النوع: مَن يعرّف الشونِن؟ ومن يملك الحق في الحكم عليه؟