كيف تُدار الحرب إعلامياً داخل إيران؟

20 مارس 2026   |  آخر تحديث: 14:36 (توقيت القدس)
طهران بعد غارة جوية، 7 مارس 2026 (ماجد سعيدي/ Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- منذ بدء العدوان الإسرائيلي الأميركي في فبراير 2023، أصبحت وسائل الإعلام المحلية في إيران المصدر الرئيسي للمعلومات بسبب انقطاع الإنترنت والقيود الصارمة، مع التركيز على تصوير الانتصارات العسكرية الإيرانية ومعاناة المدنيين.
- التغطية الإعلامية الإيرانية تركز على تعزيز الولاء للجمهورية الإسلامية والدعوة للانتقام، مع تجاهل الأضرار التي لحقت بالمنشآت الإيرانية، وتأخير في نشر المعلومات مثل وفاة المرشد الأعلى.
- يواجه الجمهور تحديات في التمييز بين المحتوى الحقيقي والمضلل، حيث تستخدم الأطراف المتنازعة الذكاء الاصطناعي لنشر محتوى مضلل، مما يعكس تعقيدات الحرب الإعلامية.
منذ بدء العدوان الإسرائيلي الأميركي في 28 فبراير/شباط الماضي، دخلت إيران مرحلة إعلامية استثنائية. ومع انقطاع الإنترنت على نطاق واسع، تحوّلت وسائل الإعلام المحلية إلى المصدر الرئيسي، وأحياناً الوحيد، للمعلومات بالنسبة للمواطن الإيراني. ويأتي ذلك في سياق نظام إعلامي يخضع لقيود صارمة منذ الثورة الإسلامية عام 1979، حيث تعمل وسائل الإعلام المحلية تحت رقابة مشددة، فيما يُحظر على معظم وسائل الإعلام الغربية والناطقة بالفارسية تغطية الأحداث داخل البلاد.
وفي حين تعتمد السلطات الإيرانية أساساً على الإذاعة والتلفزيون لتمرير رسائلها، فإن حضورها يمتد أيضاً إلى الفضاء الرقمي عبر المواقع الإخبارية ومنصات مثل "إنستغرام" و"تيلغرام" و"إكس"، التي تلعب بدورها دوراً واضحاً في إدارة الخطاب الإعلامي خلال الحرب.

ماذا يشاهد المواطن الإيراني؟

في هذا السياق، تعكس التغطية الإعلامية المحلية نمطاً واضحاً في صياغة الرواية. إذ يتابع المواطن الإيراني أخباراً عن مقتل أو إصابة مئات الجنود الأميركيين، في تقديرات يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها مبالغاً فيها. ففي الثالث من مارس/آذار، نقلت وكالة تسنيم شبه الرسمية، التابعة للحرس الثوري الإيراني، عن متحدث باسم الحرس أن 650 عسكرياً أميركياً قُتلوا خلال أول يومين من الحرب. ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" عن مهسا عليمرداني، من منظمة ويتنس لحقوق الإنسان، قولها: "لديهم رواية يروّجون لها. إنهم منتصرون تماماً، وجيشهم قوي جداً".
في المقابل، وعندما يتعلق الأمر بالوقائع على الأرض، تركّز تقارير الإعلام المحلي على معاناة المدنيين، والدعوة إلى الانتقام من "الأعداء"، وحثّ الرأي العام على الولاء للجمهورية الإسلامية، مع إيلاء اهتمام محدود للمنشآت العسكرية والحكومية التي استهدفتها إسرائيل والولايات المتحدة.
لا تقتصر هذه السيطرة على مضمون التغطية، بل تمتد إلى توقيت نشر المعلومات. ففي أعقاب مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، ظهرت التقارير الأولى على وسائل إعلام أجنبية لا تصل إلى الإيرانيين بسهولة بسبب القيود. وخلال ذلك، لم يؤكد المسؤولون الإيرانيون الخبر أو ينفوه، فيما وصفت بعض القنوات هذه الأنباء بأنها "شائعات". واضطر المواطنون إلى الانتظار حتى صباح اليوم التالي لإعلان الوفاة رسمياً عبر وسائل الإعلام المحلية.

الذكاء الاصطناعي أداة تضليل في الحرب

إلى جانب ذلك، يواجه الجمهور الإيراني نوعاً آخر من التحديات، يتمثل في صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي. فقد رصدت "بي بي سي" نشر قناة إخبارية إيرانية رسمية مقطع فيديو مولّداً يُظهر مبنى شاهقاً يحترق في البحرين، كما نشرت قناة "برس تي في" الناطقة بالإنكليزية مقطعاً مماثلاً على "فيسبوك" قبل حذفه. ويشير خبراء إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التضليل خلال هذه الحرب تجاوز ما شهدته الصراعات السابقة، إذ بات يُستخدم على نطاق واسع من مختلف الأطراف لإنتاج محتوى بصري مضلل يصعب التحقق منه.
صحافيون قرب مصفاة شهران النفطية في إيران، 8 مارس 2026 (فرانس برس)
إعلام وحريات
التحديثات الحية

تضليل متعدد الأطراف

لا يقتصر التضليل على طرف دون آخر، إذ تتجه الاتهامات إلى الأطراف الثلاثة في الحرب: إيران، والولايات المتحدة، وإسرائيل. فقد تكرّرت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتناقضة، إذ أكد في أكثر من مناسبة استمرار الحوار مع الإيرانيين، قائلاً إنهم "يريدون إبرام صفقة"، قبل أن يعجز عن تحديد الطرف الذي يتفاوض معه، بل صرّح بأن جميع من كانوا يتحدثون معهم قد لقوا حتفهم. وفي الوقت نفسه، شدد على نجاح العمليات العسكرية الأميركية، بالتوازي مع طلب دعم من حلف شمال الأطلسي.
أما في إسرائيل، فتُعد الحملات الدعائية عبر الإعلام والإنترنت جزءاً ثابتاً من استراتيجيتها، حيث يشارك فيها مسؤولون ومؤثرون وإعلاميون وجماعات ضغط.
وفي موازاة ذلك، تُتهم الدول الثلاث أيضاً بممارسة ضغوط على وسائل الإعلام لتمرير رواياتها. إذ هدّد رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية بريندان كار بإمكانية سحب التراخيص الحكومية من وسائل الإعلام التي تبث ما تعتبره السلطات "أخباراً زائفة"، مستشهداً بمنشور لترامب يهاجم تغطية الإعلام التقليدي للحرب. وفي إسرائيل، رصدت منظمة مراسلون بلا حدود، حتى قبل الحرب على إيران، تصاعد القيود على حرية الصحافة وتعددية وسائل الإعلام والاستقلال التحريري منذ بدء العدوان على غزة، مع تزايد حملات التضليل وتشديد الضغوط على الصحافيين.