لوتشيانو بيريو... النقاش المحتدم بين الأوركسترا والجوقة
استمع إلى الملخص
- أسهم بيريو في تطوير الموسيقى الكلاسيكية من خلال أعمال مثل "سينفونيا" التي دمجت بين الأصوات الطبيعية والإلكترونية، معبرة عن النقاشات السياسية والاجتماعية في تلك الفترة.
- أسس بيريو "استوديو الفونولوجيا الموسيقية" في 1955، حيث أجرى أبحاثًا حول الموسيقى الإلكترونية، مستكشفًا تقنيات جديدة في معالجة الصوت لتطوير الموسيقى الإلكترو-أكوستيك.
كان من المأمول أن يُكمل لوتشيانو بيريو (Luciano Berio) طريقه المهني ليُصبح عازفَ بيانو محترفًا، غير أنّ حادثًا تعرّض له غيّر مساره كلّيًّا، وقاده إلى أن يكون مؤلّفًا موسيقيًّا من طراز خاص، فيُصبح واحداً من أبرز طليعيّي موسيقى ما بعد الحداثة (Avant-Garde).
وقع ذلك عام 1944، حين استُدعي الموسيقي الشاب، ذو التسعة عشر عاماً، إلى الخدمة العسكرية في جيش بلاده الجديد، بعد أقل من عام على إنشاء ما عُرف آنذاك بـ"الجمهورية الإيطالية الاشتراكية"، وهي دولة دمية خاضعة بالكامل لمشيئة ألمانيا النازية، وتستعدّ لخوض الحرب العالمية الثانية إلى جانبها ضد الحلفاء.
في الأيام الأولى من التحاقه، وفي أثناء مشاركته في تدريب على استخدام المسدسات، أُصيب لوتشيانو بيريو في إحدى أصابعه إصابةً بالغة أفقدته القدرة على العزف، وحرمتْه من احتراف آلته، البيانو. فآثر بعد ذلك الالتحاق بصفوف كونسرفتوار ميلانو ليدرس علوم التأليف النظرية: الهارموني، والتوزيع الأوركسترالي، والكونتربوان.
لم تقف مجريات الحرب العالمية الثانية ومآلاتها عند حدود حرف طموح بيريو عن العزف إلى التأليف، بل أسهمت أيضاً في تشكيل وعيه الفني والفكري، هو وثُلّة من موسيقيّي عصره وفنّانيه الذين أصبحوا يُعرفون بـ"مدرسة دارمشتات".
كانت دارمشتات، المدينة الواقعة في جنوب غربي ألمانيا، قد اشتهرت بعد الحرب باحتضانها التيارات الثورية في الفنون والعمارة، وقد ضمّت إليها المؤلف الفرنسي بيير بوليز (1925 - 2016)، الذي شارك لوتشيانو بيريو في تحديد ملامح البصمة الصوتية للموسيقى الكلاسيكية في أوروبا وأميركا منذ خمسينيات القرن الماضي.
تُعدّ كلٌّ من السوريالية والموسيقى الإلكترونية من أهمّ الأساليب التي تمخّضت عن مجهودات مدرسة دارمشتات. ولم يقف إسهام بيريو وبوليز عند حدود الشكل الموسيقي والناتج الصوتي، بل تجاوزاه إلى التنظير الفكري للمرحلة المقبلة، من منطلق حتمية القطيعة مع الماضي، بعدما عكّرت الحربان العالميتان صفاء جماليات عصر النهضة والتنوير، وأثبتتا تهافت مفاهيمه الفلسفية والقيمية.
أما السوريالية، فتتجلّى ملامحها الشكلية والصوتية في عمل لوتشيانو بيريو المفصلي "سينفونيا" (Sinfonia)، الذي كُتب عام 1968 بتكليف من فيلهارمونية نيويورك احتفالًا بمرور قرن وربع على تأسيسها، وأُهدي إلى القائد الأيقوني ليونارد بيرنشتاين، وقد تولّى المؤلف بنفسه إحياء عرضها الأول في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه.
تتألف السيمفونية من خمس حركات منفصلة، صُممت لتؤديها فرقة أوركسترالية كاملة العُدّة، تُضاف إليها مجموعة موسعة من الآلات الإيقاعية، وثلاثة أنواع مختلفة من البيانو، أحدها كهربائي. ترافق الأوركسترا جوقة من ثمانية مغنين منفردين مزودين بميكروفونات، يتلون قصاصات مبعثرة من نصوص أدبية عدة أثّرت في الثقافة الغربية آنذاك، كتبها كلّ من الفيلسوف الفرنسي كلود ليفي-شتراوس والمسرحي الأيرلندي صمويل بيكيت.
لكن تلك القصاصات لا تُلحّن بالطريقة المتعارف عليها، بل تُعامَل بوصفها عناصر تكوين صوتي، لا تُوضع على ألحان، بل تُسنَد إلى نغمات تُصاغ ضمن تراكيب مُقطّعة الأشكال، تُشبه في بنيتها اللغة المنطوقة. وعلى المنوال نفسه، تُصمَّم الجمل الموسيقية بحيث تُسمَع الآلات وأصوات المغنين كأنها تتحاور وتتساجل في فوضى محسوبة تُشبه أجواء المقاهي والحانات.
كأنّ النقاش المحتدم بين الأوركسترا والجوقة يُمثّل صدىً موسيقيًّا للسجال السياسي الذي ساد في عواصم أوروبية عدّة إبّان الحراك الطلابي عام 1968، حين تحوّلت المظاهرات إلى مواجهات مع قوى الأمن فيما عُرف بـ"أحداث أيار/مايو"، المتزامنة مع حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة والاحتجاجات ضد التدخّل العسكري الأميركي في فيتنام.
وفي ميدان المزج بين الموسيقى الطبيعية والكهربائية، أي ما يُعرف بـ"الإلكترو-أكوستيك"، تجلّى إسهام لوتشيانو بيريو الأبرز من خلال تأسيسه عام 1955 "استوديو الفونولوجيا الموسيقية" (Studio di Fonologia Musicale)، أي "علم الصوت". كان هذا الاستوديو أشبه بمختبرٍ تجريبي تابعٍ لمؤسسة الإذاعة الإيطالية، تُجرى فيه أبحاث حول إنتاج الموسيقى إلكترونيًّا، إما بصورة خالصة وإما بمزجها بالآلات الأكوستيّة التقليدية.
تُعدّ المقطوعة التي أنجزها لوتشيانو بيريو عام 1958 في ذكرى الأديب الأيرلندي جيمس جويس، Omaggio a Joyce، باكورة جهوده البحثية داخل الاستوديو. ويمكن من الناحية الأسلوبية اعتبار هذا العمل تقاطعًا منهجيًّا مع مؤلَّفه الأكوستي السابق "سينفونيا"؛ من حيث المقاربة اللغوية للموسيقى، لا في استلهام النصوص والرموز الأدبية فحسب، بل في تشكيل الموسيقى وفق أنماطٍ تحاكي خصائص النطق البشري.
غير أنّ الوجهة في Omaggio a Joyce معكوسة؛ إذ سجّل بيريو صوت تلاوة لقصائد جويس، ثم عمد إلى التلاعب بها عبر تقنيات الصوت المتاحة في زمنه، مستخدمًا مسجلات الأشرطة، فكان يُبطئ التلاوة أو يسرّعها، ويُمطّها أو يخفض منسوبها الصوتي أو يرفعه، ليحللها ويحوّلها إلى عناصر صوتية تدخل ضمن تصميم موسيقي محكم موجّه فكريًّا.
ومن الاستماع إلى هذين العملين المفصليين — "سينفونيا" و"أوماجّيو" — اللذين يجسدان الميدانين التعبيريين اللذين سَخَّر لوتشيانو بيريو حياتَه لهما، أي الموسيقى الأكوستيّة الطبيعية والإلكترونية الصناعية، يمكن استنباط السمتين الأساسيتين اللتين ميّزتا الموسيقى الكلاسيكية الغربية ما بعد الحداثة، تحت تأثير مآلات الحربين العالميتين والحرب الباردة.
السمة الأولى هي التفكيك: سواء على الصعيد الأسلوبي بنقض البُنى الموسيقية النسقية والخطوط اللحنية الخطية، والاستعاضة عنها بتراكيب تُبرز الخواص اللونية والفيزيائية للصوت، بوصفه مادة أولية ومكوّنًا أساسيًّا.
أما السمة الثانية فهي التسييس؛ إذ إن الفنون — والموسيقى في مقدمتها — بحسب رؤى بيريو وزملائه من مدرسة دارمشتات، ينبغي أن تُحمّل بمضمون سياسي، يهدف إلى تغيير المجتمع ومقاومة مؤسسات القهر والاستغلال. أما الطرب، فلئن يُؤخذ به، فينبغي له، في أحسن الأحوال، أن يبقى وسيلةً لغاية.