متلازمة توريت... لزمات لاإرادية وسوء فهم علني في "بافتا"
- التعامل مع الحادثة: اعتذرت "بي بي سي" عن عدم حذف العبارة العنصرية، وأعرب ديفيدسون عن أسفه. أظهر مايكل بي جوردان وديلروي ليندو احترافية في التعامل مع الموقف، مشيرين لأهمية التواصل المباشر من "بافتا".
- العلاج والدعم: لا يوجد علاج شافٍ، لكن تتوافر خيارات لتحسين الحياة مثل العلاج السلوكي وتعديلات نمط الحياة. تؤثر المتلازمة على نسبة صغيرة من السكان، مع تقديرات تشير لإصابة 1.4 مليون في الولايات المتحدة و300 ألف في المملكة المتحدة.
تصدّرت متلازمة توريت (Tourette’s syndrome)، وهي حالةٌ عصبيةٌ تتسبب في إصدار أصواتٍ أو حركاتٍ لاإرادية تُعرف باسم اللزمات (Tics)، العناوين بعدما صرخ رجلٌ مصابٌ بها بعبارةٍ عنصرية خلال حفل توزيع جوائز "بافتا" (BAFTA) في لندن، في فبراير/ شباط الماضي.
للمفارقة، فإن الشخص الذي أطلق تلك العبارة هو جون ديفيدسون: موضوع الفيلم البريطاني المستقل "آي سوير" (I Swear) الذي يتناول حياته مع متلازمة توريت. وقد فاز الممثل روبرت أرامايو، الذي يجسّد شخصية ديفيدسون في الفيلم، بجائزة أفضل ممثل.
أسوأ مؤثرات صوتية
متلازمة توريت هي اضطراب عصبي يتمثل في حركات أو أصوات متكررة لاإرادية تُعرف باسم اللَّزَمات. ولا يستطيع المصاب السيطرة على هذه اللزمات بسهولة. تظهر اللزمات عادة بعمر بين عامين و15 عاماً، ويبلغ متوسط ظهور الأعراض نحو ست سنوات. والذكور هم أكثر عرضة للإصابة بالمتلازمة من الإناث بثلاثة إلى أربعة أضعاف.
كان جون ديفيدسون قد صرخ بتعليق عنصري عندما كان بطلا فيلم "سينرز"، مايكل بي جوردان وديلروي ليندو، يقدّمان جائزة أفضل مؤثرات بصرية علق ديفيدسون بأنه شعر بـ"العار" بسبب الحادثة: "كل من شاهد فيلم آي سوير سيفهم هذا. لقد جعلتني اللزمات (التشنجات الصوتية والحركية) على مرّ السنين أقول وأفعل أشياء سببت ألماً وإزعاجاً كبيرين… متلازمة توريت قد تجعل جسدي أو صوتي يفعلان أشياء لا أقصدها، وأحياناً تقع هذه اللزمات على أسوأ الكلمات الممكنة. أريد أن أكون واضحاً تماماً أن النية وراءها معدومة". أضاف: "لا أستطيع أن أصف مدى حزني واضطرابي مع إدراكي لتبعات ما حدث. أريد للناس أن يعرفوا ويفهموا أن اللزمات التي أعاني منها لا علاقة لها إطلاقاً بما أفكر به أو أشعر به أو أؤمن به. إنها خلل عصبي لاإرادي. ليست نية، ولا اختياراً، ولا تعكس قيمي".
وقد اعتذرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى موظفيها بسبب فشلها في حذف ما قاله جون ديفيدسون من بث حفل توزيع جوائز بافتا السينمائية، وذلك بعد اعتذار أوّل وجّهته إلى الجمهور. وقالت كبيرة مسؤولي المحتوى في "بي بي سي" كيت فيليبس، في رسالة إلى الموظفين، إنها "آسفة للغاية لعدم حذف لفظ عنصري من بثّنا"، مؤكدةً أنها تدرك "حجم الإزعاج الذي سبّبه ذلك".
في السابع من الشهر الحالي، كسر ليندو صمته خلال حفل توزيع جوائز NAACP Image Awards؛ إذ استغل منصة التكريم ليعلق على الحادثة قائلاً: "أقدر كل الدعم والمحبة التي تلقيناها في أعقاب ما حدث في نهاية الأسبوع الماضي، هذا يعني الكثير لنا".
وفي تصريحات نقلتها وكالة الأنباء البريطانية، أشار ليندو إلى أنه وجوردان حافظا على احترافيتهما وفعلا ما يمليه عليهما الواجب على المسرح، لكنه أبدى عتباً طفيفاً بقوله إنه كان يتمنى لو أن أحداً من مسؤولي "بافتا" تحدث إليهما مباشرة بعد الواقعة في تلك الليلة.
بدوره، لم يصدر مايكل بي جوردان بياناً رسمياً منفرداً، لكنه نال إشادات زملائه في الوسط الفني والجمهور بسبب "ثباته الانفعالي" على المسرح لحظة وقوع الحادثة. نُقل عن مصادر مقربة منه (عبر Entertainment Tonight) أنه وجد الموقف "مزعجاً ومخيباً للآمال"، لكنه فضل تجاوز الأمر والتركيز على الاحتفاء بالسينما. كما أثنت الممثلة ريجينا هول عليهما خلال حفل NAACP واصفة إياهما بـ"الملكين".
عودة إلى متلازمة توريت
تمثّل اللَّزَمات السمة الأساسية لمتلازمة توريت وهي حركات أو أصوات مفاجئة وقصيرة ومتقطعة، وتراوح شدتها بين بسيطة وحادة. وفي الحالات الشديدة، قد تؤثر على التواصل اليومي وجودة الحياة. تنقسم اللزمات إلى نوعين رئيسيين:
اللَّزَمات الحركية، وقد تكون بسيطة: مثل رمش العين، هزّ الرأس، رفع الكتفين، حركات الفم، حركة سريعة للعين. أو معقدة: مثل لمس الأشياء أو شمّها، تكرار حركات ملحوظة، المشي بنمط معين، القفز، حركات أو إشارات غير لائقة.
اللَّزَمات الصوتية البسيطة: كالتنحنح، والسعال، والشخير، والنباح، والمعقدة: مثل تكرار كلمات الشخص نفسه أو كلمات الآخرين، استخدام ألفاظ بذيئة (وهو عرض نادر نسبياً). عادةً ما تبدأ اللزمات الحركية قبل الصوتية، لكن طبيعة الأعراض تختلف من شخص إلى آخر.
أوضح نائب رئيس جمعية توريتس أكشن (Tourettes Action)، إدوارد بالمر، في المملكة المتحدة، لإذاعة تايمز راديو قائلاً: "لم يكن جون ديفيدسون ليعلم أن تلك ستكون اللَّزْمة التي ستصدر عنه". أضاف: "بعض الأشخاص قد تُحفَّز لزماتهم بعوامل بيئية، بينما تكون لدى آخرين عشوائية تماماً. لكن في كل الأحوال هي لاإرادية، وهم لا يختارون الكلمات".
أشار بالمر إلى أن ما بين 10% و15% من المصابين بمتلازمة توريت يعانون لزمات تتضمن لغة مسيئة أو فظة.
تُقدّر مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (Centers for Disease Control and Prevention -CDC) أن نحو 1.4 مليون شخص في الولايات المتحدة مصابون بمتلازمة توريت. ويعادل ذلك نحو طفل واحد من كل 50 طفلاً تراوح أعمارهم بين خمسة أعوام و14 عاماً، وفق بيانات CDC، مع الإشارة إلى أن العدد الدقيق غير معروف. وفي المملكة المتحدة، يعيش أكثر من 300 ألف شخص مع هذه الحالة، وفق جمعية "توريتس أكشن".
لا يزال السبب الدقيق لمتلازمة توريت غير معروف، لكن يُعتقد أنها تنتج عن تداخل عوامل وراثية وبيئية. وقد تلعب بعض النواقل العصبية في الدماغ، مثل الدوبامين والسيروتونين، دوراً في ظهور الأعراض.
لا يوجد حالياً علاج شافٍ لمتلازمة توريت، لكن تتوافر عدة خيارات للمساعدة في إدارة الأعراض وتحسين جودة الحياة. وتبدأ الخطوة الأولى بالحصول على تشخيص مهني. ولتشخيص الحالة، يجب أن تظهر عدة لزمات حركية ولَزْمة صوتية واحدة على الأقل لمدة لا تقل عن 12 شهراً، وفق "توريتس أكشن".
وبعد التشخيص، يمكن للعلاج السلوكي أن يوفّر "أدوات تساعد الشخص على تعلّم طرق لتغيير بعض السلوكيات"، بحسب الجمعية. كما يمكن لتعديلات نمط الحياة أن تخفف الأعراض، إذ قد تُحفَّز اللَّزَمات بعوامل مثل التوتر أو الإرهاق أو الحماسة الزائدة، وفق "الخدمة الصحية الوطنية" (National Health Service - NHS) في بريطانيا.
يشير خبراء طبيون إلى أن الحفاظ على روتين نوم جيد، وتجنّب المواقف المجهِدة قدر الإمكان، وممارسة نشاط بدني منتظم، يمكن أن تكون مفيدة. أما الأدوية، فتختلف فعاليتها من شخص إلى آخر، لكنها قد تساعد في علاج حالات مصاحبة أحياناً لمتلازمة توريت، مثل اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD).