مراجعة "بي بي سي" تخلص إلى "انتهاك معايير الدقة" بسبب طفل فلسطيني
استمع إلى الملخص
- لم تجد المراجعة أي انتهاكات أخرى لإرشادات الإنتاج، لكنها انتقدت "بي بي سي" و"هويو فيلمز" لعدم اتخاذ خطوات استباقية كافية في التدقيق التحريري.
- أثار سحب الفيلم جدلاً واسعاً، حيث وقع أكثر من 600 شخصية على رسالة تطالب ببثه، وسط تقارير عن الأوضاع الإنسانية المتدهورة في غزة.
خلصت مراجعة داخلية في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) اليوم الاثنين إلى أن فيلماً وثائقياً حول الأطفال في غزة أنتجته بالتعاون مع شركة إنتاج مستقلة، خالف معايير الدقة التحريرية للهيئة، وذلك لعدم الكشف عن أن الطفل الراوي عبد الله اليازوري هو نجل مسؤول سابق في حكومة غزة. الوثائقي المعنون "غزة: كيف تنجو من منطقة حرب"، أُزيل من منصة "آيبلاير" في فبراير/ شباط الماضي، وأثار جدلاً واسعاً بعد حملة ضغط قادتها منظمات مناصرة لإسرائيل، مدفوعة بكشف أن الطفل الراوي هو نجل أيمن اليازوري الذي شغل سابقاً منصب نائب وزير الزراعة في حكومة غزة.
وبحسب تقرير المراجعة، فإن شركة الإنتاج هويو فيلمز تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عن الإخفاق، لكن "بي بي سي" لم تُعفَ بدورها من المسؤولية، إذ فشلت في الإشراف التحريري الكافي، وأكدت الهيئة أنه لم يكن ينبغي الموافقة على بث الوثائقي أصلاً، كما أعلنت عن اتخاذ "إجراءات مناسبة بشأن المساءلة". رغم ذلك، لم تجد المراجعة أي انتهاك لإرشادات الحياد التحريري، وخلصت إلى أن المصالح الخارجية لم تؤثر "بشكل غير لائق" على محتوى البرنامج، وأكدت أن مسألة الحياد طُرحت بجدية خلال عملية الإنتاج نظراً لحساسية الموضوع.
تولّى مدير الشكاوى والمراجعات التحريرية في "بي بي سي" بيتر جونستون قيادة عملية المراجعة، وخلص إلى أن هوية والد الراوي كانت "معلومة حساسة" لم تُعرض على "بي بي سي" قبل البث. وقال جونستون: "بغض النظر عن تقييم أهمية منصب الوالد، كان يجب إبلاغ الجمهور بذلك". كما أكدت المراجعة عدم وجود دليل على أن أي شخص ممن شاركوا في إنتاج الوثائقي أو حصلوا على مدفوعات بخصوصه كانوا خاضعين لعقوبات مالية مثل تلك المفروضة على حركة حماس. إذ تقاضى عبد الله اليازوري مبلغاً قدره 795 جنيهاً إسترلينياً (نحو 980 دولاراً أميركياً) لقاء المشاركة.
من جهته، قال مدير عام "بي بي سي" تيم ديفي إن نتائج التحقيق "تُظهر تقصيراً كبيراً في دقة هذا الوثائقي"، وأضاف: "أشكر جونستون على عمله الدؤوب، وأعتذر عن هذا التقصير. سنتخذ الآن إجراءات على جبهتين: لضمان المساءلة العادلة والواضحة، ولتنفيذ خطوات فورية لمنع تكرار مثل هذه الأخطاء".
ولم تفصح "بي بي سي" عمّا إذا كانت ستتخذ إجراءات تأديبية بحق أي من العاملين، بعدما كانت وزيرة الثقافة، ليزا ناندي، استفسرت عن سبب عدم فقدان أي شخص لوظيفته بسبب الفيلم الوثائقي، مع استمرار حملات ضغط على "بي بي سي" تقودها مجموعات مناصرة لإسرائيل. مع العلم أن ناندي كانت سابقاً رئيسة مجموعة "أصدقاء حزب العمال لفلسطين والشرق الأوسط".
فيما أشار التقرير إلى أن ثلاثة من أعضاء فريق شركة الإنتاج كانوا على علم بهوية والد الطفل، لكنهم لم يبلغوا "بي بي سي"، وهو ما اعتُبر "تقصيراً جسيماً". كما انتقد التقرير فريق "بي بي سي" التحريري لفشله في اتخاذ تدابير استباقية كافية أو طرح أسئلة جوهرية خلال مرحلة التدقيق الأولى.
في المقابل، قالت شركة هويو فيلمز في بيان: "نأخذ النتائج على محمل الجد، ونعتذر عن الخطأ الذي أدى إلى خرق المبادئ التحريرية".
على الجانب الآخر، يواصل الطفل عبد الله اليازوري نشر فيديوهات توثّق معاناة الأطفال في غزة على "إنستغرام". وفي فيديو خلال عيد الفطر، قال: "في هذا العيد، لا نفطر على ولائم، بل على حزن. منازلنا مدمرة، وعائلاتنا ممزقة - ومع ذلك، ما زلنا نجتمع، وما زال لدينا أمل".
وكان أكثر من 600 شخص من عالم الإعلام والثقافة والفن قد وقّعوا في مايو/ أيار الماضي على رسالة تطالب بإعادة بث الوثائقي، واعتبروا سحبه "قمعاً سياسياً"، واتهَموا الهيئة البريطانية بـ"إسكات شهادات حيوية وفرض معايير مزدوجة على الأصوات الفلسطينية"، خاصة في ظل استمرار الإبادة الجماعية في غزة.
وفي سياق متصل، منعت "بي بي سي" عرض فيلم آخر حول الطواقم الطبية في غزة بعنوان "أطباء تحت الهجوم"، رغم اكتماله، ما دفع القناة الرابعة البريطانية إلى بثه بدلاً منها.
وبعد صدور نتائج المراجعة، شنّ المدير السابق لقسم التلفزيون في "بي بي سي داني كوهين هجوماً لاذعاً على الهيئة، قائلاً: "الإخفاقات الصحافية الجسيمة في هذا الفيلم الوثائقي ألحقت ضرراً بالغاً بثقة الجمهور في هيئة الإذاعة البريطانية. هذه ليست حادثة منفردة، بل جزء من نمط من التحيز النظامي في تغطية بي بي سي للحرب. فشلها في إدراك ذلك واتخاذ إجراءات حقيقية يُعد فشلاً خطيراً في القيادة (...) على ديبورا تورنيس أن ترد على التساؤلات". وأضاف أن "تصريحات الهيئة بأنها تأخذ معاداة السامية على محمل الجد أصبحت بلا معنى تماماً. بدون اتخاذ إجراءات عاجلة الآن، سيستمر هذا التحيز النظامي في تغذية معاداة السامية والكراهية، التي تجسدت في هتافات الموت التي بثتها بي بي سي على الهواء أمام الأمة في مهرجان غلاستونبري". كوهين من مناصري الاحتلال، ووجّه سابقاً انتقادات شديدة لـ"بي بي سي"، واتّهمها بالتحيّز المنهجي ضد إسرائيل، خصوصاً في تغطية العدوان على غزة، كما اتهم خدمة الهيئة العربية بأنها "منبر لدعاية مناهضة لإسرائيل".
من ناحيته، قال المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني، لصحيفة ذا تليغراف، إن "بي بي سي اعترفت بإخفاقات جسيمة"، مضيفاً: "يتوقع الجمهور من بي بي سي أن تتخذ إجراءات مناسبة، وسننظر في نتائج التقرير ونرد بناءً عليه".
وفي موقف مشابه، عبّرت وزيرة الثقافة ليزا ناندي عن سعادتها باعتراف بي بي سي بـ"الإخفاقات الكارثية"، وقالت إنها اجتمعت عدة مرات بقيادة الهيئة وتعتقد أن هناك خطوات تُتخذ لمنع تكرار هذه الأخطاء. وأضافت: "واجبي ضمان الثقة العامة بالهيئة، وقد تضررت هذه الثقة أخيراً، لكن بي بي سي تحاول استعادتها".
من جهتها، دعت لجنة الثقافة والإعلام في البرلمان، برئاسة كارولين دينيناج، المدير العام تيم ديفي ورئيس المجلس سمير شاه للمثول أمام البرلمان في سبتمبر/ أيلول المقبل، قائلة إن "هذه الأحداث تمثل ضرراً بالغاً لمصداقية بي بي سي".
أما الرئيسة التنفيذية لأخبار "بي بي سي" ديبورا تورنيس فرفضت التعليق على ما إذا كان سيُفصل أي شخص بسبب الوثائقي، وقالت إن الإجراءات ستكون "عادلة وسرية"، وأكدت أن ما جرى "لا يعني وجود خلل في القيادة".
كما أعلنت هيئة تنظيم الإعلام (Ofcom) أنها فتحت تحقيقاً رسمياً في خرق المبادئ التحريرية للهيئة، معتبرة أن الفيلم "ربما أضل الجمهور بشكل جوهري".