مسلسل "مهمّة": ما بعد سرقة الفينتانيل والصبي سام

29 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 06:39 (توقيت القدس)
المسلسل من بطولة مارك رافالو (ماكس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مسلسل "مهمّة" هو دراما جريمة أمريكية تدور في ضواحي فيلادلفيا، حيث يقود عميل في مكتب التحقيقات الفيدرالي وحدة لمكافحة السرقات العنيفة، مع تعقيد الأمور عندما يكون المشتبه به رجل عائلة مثالي.
- يتميز المسلسل بأسلوب واقعي وتشويق سردي، مع حبكة محكمة وأداء قوي، مما يجذب المشاهدين منذ البداية، ويركز على الشخصيات والهويات المحطمة والولاءات المتضاربة.
- تدور الأحداث في ولاية بنسلفانيا الريفية، حيث تتقاطع قصص الشخصيات مع قضية الشرطة، مما يكشف عن قصص من الماضي وخيانات غير متوقعة، مع تصاعد التوتر والتحديات الإنسانية.

من بين فيض الإنتاجات التلفزيونية لهذا العام، يبرز مسلسل الدراما والجريمة الأميركي "مهمّة" (Task)، المعروض أخيراً على منصّة "إتش بي أو ماكس".
تدور أحداث "مَهمّة" في ضواحي فيلادلفيا التي تسكنها الطبقة العاملة، وهو من تأليف براد إنغلسبي (Brad Ingelsby)، كاتب مسلسل "مير من إيست تاون" (2021) من بطولة كيت وينسلت. في مركز السرد، يقف عميل في مكتب التحقيقات الفيدرالي يقود وحدةً خاصّة مكلّفة بإيقاف موجة خطيرة من السرقات العنيفة. غير أنّ الأمور تتعقّد حين يتّضح أن المشتبه به الرئيسي رجل عائلة مثالي، فتتفاقم القضية وتتحوّل إلى شبكة من الغموض الأخلاقي، وأسرار العائلة، والخيارات الصعبة. يستكشف المسلسل الجانب المظلم من حياة الضواحي، إذ يغدو الخطّ الفاصل بين الخير والشر أكثر هشاشة مما يبدو.
بأسلوبٍ واقعي وتشويقٍ سردي، يتميّز "مهمّة" بنبرته القاسية وأدائه القوي وحبكته المحكمة التي تُبقي المتفرّج مشدوداً إلى الشاشة منذ الحلقة الأولى. محبّو مسلسل "مير من إيست تاون" سيجدون فيه المستوى نفسه من العمق العاطفي والتعقيد الأخلاقي، مع حكاية جديدة عن الهويّات المحطَّمة، والولاءات المتضاربة، والعنف الكامن وراء العادي والمألوف. كلّ ذلك في إنتاج متقن لا تشوبه شائبة، من إخراج جيرميا زاغار (Jeremiah Zagar) وسالي ريتشاردسون-وايتفيلد (Salli Richardson-Whitfield).
وعلى غرار مسلسله البارز المشار إليه سلفاً، يقدّم براد إنغلسبي في "مهمّة" قصّة بوليسية تهتم بتصوير الشخصيات أكثر من الغوص في التعقيدات الكامنة داخل حبكةٍ تتضمّن تجّار مخدراتٍ ولصوصاً وعملاء فيدراليين. ففي أعماق العمل، ثمة إدراكٌ بأن الحبكات المتشابكة ذات التقلّبات والمنعطفات اللامتناهية قد استنفدت غرضها، وأن الأهم هو الوصول مباشرة إلى جوهر الحكاية: البشر الذين يسكنون قصصه ويتنقّلون فيها.
ذلك هو دأب المسلسل، الذي يتطلّب التقاطه صبراً وتركيزاً لمتفرّجٍ اعتاد على التقلّبات الدرامية والمفاجآت الكبيرة بين الحلقات. في الواقع، تقع أكثر مشاهده درامية وتأثيراً في النصف الأول من حلقة عشوائية، تاركاً الدقائق المتبقية منها لاستكشاف العواقب العاطفية لذلك الحدث. يكمن منطق الحبكة في هذا الاختيار، إذ لا يتعلّق الأمر كثيراً برؤية مَن يقتل مَن، ومَن يعيش أو يموت، بقدر ما هو فهم لما يحدث بعد ذلك.
بعد الصدمة الأوّلية للسرقة المأساوية والفوضوية التي تشعل الأحداث في الحلقة الأولى، لا يُسهّل الكاتب الأمور على المشاهد. فالمسلسل يضمّ وحدتين عائليتين ممتدّتين ومعقّدتين، ويضيف إليهما عشرات الشخصيات الأخرى في ما قد يستدعي من المتفرّج خريطةً للروابط والوجوه والأسماء. غير أنّ تجاوز هذه العتبة - إذ تزخر الحلقتان الثانية والثالثة بالمعلومات والعلاقات - يجعل "مهمّة" ينطلق بأقصى سرعته ولا يهدأ حتى نهايته العنيفة والشاعرية في آن.
تدور أحداثه في عالم "مير من إيست تاون" نفسه: ولاية بنسلفانيا الريفية الكئيبة، المظلمة والعنيفة، المأهولة بأشخاص ذوي ماضٍ قاسٍ وحاضرٍ معقّد بالقدر نفسه.
يلعب مارك رافالو دور توم: قسّ سابق أصبح الآن عميلاً في مكتب التحقيقات الفيدرالي. وظيفته في الوكالة روتينية ومملّة (إذ يشارك في معارض التوظيف لـ"تجنيد" أعضاء محتملين)، لكنه يعاني أيضاً وضعاً عائلياً معقّداً، إذ ارتكب أحد أبنائه المتبنّين، الذي يعاني اضطراباً نفسياً، جريمةً فظيعة ويقبع الآن في السجن. أما "المجموعة العائلية المعقّدة" الأخرى، فيقودها روبي (توم بيلفري من مسلسل Ozark) الذي يعيش مع طفليه الصغيرين بمساعدة ابنة أخته مايف (إميليا جونز من فيلم Coda) بعد أن فقدَ شقيقه وهجرته زوجته. يعمل روبي جامعاً للنفايات، لكن شغفه الحقيقي هو تمشيط المنطقة مع صديقه كليف (راؤول كاستيلو) بحثاً عن المنازل التي تُهرَّب فيها المخدرات لسرقة أموالها. إنه من نوع اللصوص الذين يسرقون اللصوص، وينجح في ذلك فينجو بحياته.
غير أنه في أحد الأيام يعثر على عمليةٍ أعقد مما كان متوقّعاً، لتنتهي نهايةً مأساوية: أربعة قتلى، وكومة فينتانيل يجب "طرحها في السوق"، وصبي يُدعى سام (بن لويس دوهيرتي) ينجو من إطلاق النار، فيأخذه روبي معه إلى المنزل بدافعٍ من الرحمة تقريباً. الفوضى التي تلت ذلك - لا سيّما اختطاف الصبي - هي ما يدفع مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى تشكيل فرقة العمل التي منحت المسلسل اسمه: مجموعة من أربعة أشخاص ينضمّون إلى توم للعمل على القضية، بعضهم بخبرة ميدانية محدودة.
وعلى خلاف "مير أوف إيست تاون"، نحن نعرف منذ البداية مَن هم الجناة، ولا يكمن التشويق في اكتشافهم، بل في تتبّع الأرجل الثلاث لمسلسل الإثارة البوليسي هذا: مكتب التحقيقات الفيدرالي، واللصوص، وعصابة راكبي الدراجات النارية المسماة "القلوب السوداء"، ضحايا عملية السطو سيئة التخطيط، وهم مجموعة من الشباب العنيفين ذوي الشؤون الداخلية الخاصة، يُضافون إلى معرض الشخصيات الواسع.
صحيح أنّ "مهمّة" مسلسلٌ جماعي، غير أنّ المرء قد يشعر أحياناً بأن صنّاعه ذهبوا بعيداً في اتساع البورتريه الذي يرسمونه. إلا أنّ جوهره يظلّ العلاقة التي تنشأ بين توم وروبي؛ رجلان على طرفي نقيض من القانون، يدركان ما بينهما من قواسم مشتركة. كلاهما يحمل عبئاً ثقيلاً، وحزناً عميقاً، ومسؤولية الحفاظ على تماسك عائلةٍ ممزّقة. أو هكذا يظنّان، إذ سرعان ما يتبيّن أن نساء البيتين هما من يتحمّلن هذا العبء فعلياً.

سينما ودراما
التحديثات الحية

يتصاعد التوتّر في المسلسل مع تقاطع الدوائر متحدّة المركز للمجموعات الثلاث، كاشفاً قصصاً من الماضي، وخياناتٍ غير متوقعة، وعلاقاتٍ غريبة، وحتى "علاقاتٍ غرامية في المكتب" بين أبطاله. إنه عالم كثيف ومظلم، يجهد فيه توم للحفاظ على هدوئه، حاملاً - كما يفعل رافالو غالباً، المعروف بتعاطفه مع المهمّشين - عبء العالم على كاهله، لكنه يبذل قصارى جهده لصون كرامته، وقبل كلّ شيء، إنسانيته.
وحين تلتقي قضية الشرطة مجدداً مع القصص الشخصية لكلّ عائلة، ويبدأ الخطّان في التقاطع حتماً، يُقدم "مهمّة" على رهانه الأهم والأخطر: إدراك أن الآخر، مهما اختلفت قراراته وأفعاله، ليس بالضرورة عدواً.

المساهمون