استمع إلى الملخص
- يتميز المعرض ببنية سردية تبدأ بعرض صورة الشبح في الثقافة الشعبية، ويستخدم الضوء والمؤثرات الصوتية لخلق تجربة حسية، ويضم أعمالاً فنية مستمدة من التراث الأدبي والفني، مما يعكس تقاطع الفن مع الروحانيات.
- يقدم المعرض برامج تفاعلية تعمق تجربة الزائر، ويعيد تسليط الضوء على الأشباح كرموز للتاريخ الشخصي والجماعي، مما يثير تساؤلات حول طبيعتها كأدوات فنية للتفكير في ما يتجاوز الإدراك المباشر.
كيف حاول الفنانون تصوير الأشباح والكيانات الماورائية بصرياً خلال القرون الثلاثة الماضية؟ سؤال يسعى متحف الفنون في مدينة بازل السويسرية إلى الإجابة عنه من خلال معرض "الأشباح: تصوُّر ما وراء الطبيعة" (Ghosts: Visualizing the Supernatural). يضم المعرض المستمر حتى الثامن من مارس/ آذار المقبل أكثر من 160 عملاً فنياً، أُنجزت ما بين القرن الثامن عشر وأيامنا هذه، وتشرف عليه القيّمة الفنية إيفا رايفرت.
يتيح "الأشباح" لزوار المتحف رحلة مثيرة بين الحياة والموت، بين العالم الماورائي والحقيقي، ويطرح أسئلة عن الذاكرة، والهوية، والصراع الداخلي للإنسان. ترى رايفرت أن الأشباح ليست مجرد كائنات خرافية، بل هي كيانات تعمل وسيطاً بين الأضداد، بين الهزل والرعب، بين الحضور والغياب، وبين ما يمكن إدراكه وما يظل مجهولاً. أما تصويرها أو محاولة التقاطها فلا يقتصران على الجانب البصري، بل يحملان بعداً نفسياً وفلسفياً يطرح أسئلة عن الذاكرة والهوية، والصراع الداخلي للإنسان. من هنا، يبرز المعرض مساحةً للتأمل في كيفية تعامُل المجتمعات المختلفة مع الماورائيات، وكيف أثرت على الإبداع البصري والفكري.
بُنية المعرض تضع الزائر في مسار سردي مصمم بعناية، إذ يبدأ بالغرف التي تعرض كيف أصبحت صورة الشبح مألوفة في الثقافة الشعبية، من الحكايات الموجهة للأطفال إلى المسرحيات التي استخدمت الخدع البصرية في القرن التاسع عشر لخداع العين، وإيهام الجمهور بظهور أشباح شفافة. وحرص القائمون على العرض على تقديم الأعمال في أجواء من الضوء الخافت مع مؤثرات صوتية لخلق تجربة حسية تقرب الزائر من الشعور بالوجود الماورائي، وتجعل الخيال جزءاً من الواقع الحسي.
يفتتح المعرض بمجموعة من اللقطات المأخوذة من أفلام الرعب، من أشباح "غوستباسترز" التي تقذف الوحل... إلى أرواح الحرب الأهلية الإسبانية القلقة في عمود الشيطان الفقري، خصوصاً أن المخرجين الأوروبيين يملكون شغفاً خاصاً بالظواهر والتجليات الغامضة. وفي الآونة الأخيرة، مزج فيلم "كلنا غرباء" (2023)، بين قصة شبحية وقصة حب تدور أحداثها في لندن؛ إذ أصبحت الأشباح أدوات سردية مرنة.
في غرف أخرى، يلتقي الزائر بأعمال فنية مستمدة من التراث الأدبي والفني، مثل لوحة بنجامين ويست التي تصور النبي صموئيل المستدعى من العالم الآخر، وأعمال لفنانين مثل فوسيلي وويليام بليك، التي تعكس الرومانسية والاهتمام بالغرابة والخيال. كما يقدم المعرض أعمال الفنانين الذين اعتبروا أنفسهم وسائط، مثل جورجيانا هوتون ومادج غل، الذين صوّروا رسوماتهم بناءً على ما زعموا أنه توجيهات من الأرواح. هذه الأعمال تمثل تجربة مباشرة في تقاطع الفن مع الروحانيات، إذ يتحول الإلهام إلى شكل بصري ملموس.
أضف إلى ذلك الأبعاد النفسية والعلمية، إذ تعكس بعض الأعمال تأثير أفكار كارل يونغ عن اللاوعي والأرشيف النفسي، فيظهر الشبح رمزاً لصراعات داخلية وذكريات جماعية. الغرف الأخيرة في المعرض تقدم تجربة حسية مباشرة، من خلال التلاعب بالإضاءة ودرجة الحرارة، ما يجعل الزائر يشعر بوجود الكائنات الماورائية ظاهرةً ملموسة رغم غيابها البصري، ويؤكد أن الأشباح ليست مجرد صور، بل تجارب وجدانية.
تُلتقط الأشباح في لوحات ومطبوعات ولقطات وصور وأفلام ومنحوتات ومنسوجات وأعمال ضوئية وتركيبات مفاهيمية. هناك أشباح أدبية، بما في ذلك رسومات لوالد هاملت وشبح مارلي من "ترنيمة عيد الميلاد" لتشارلز ديكنز. إلى جانب ذلك، يجمع المعرض أسماء بارزة في الفن الكلاسيكي والمعاصر، مثل بول كلي وماكس إرنست ومارسيل دوشامب ورينيه ماغريت، ويوفر رؤية متباينة للتعاطي مع فكرة الأشباح. على سبيل المثال، تمثال كاثارينا فريتش يحمل عنوان "شبح وبركة من الدماء"، إذ يظهر شبحاً يرافقه أثر رمزي للدم، في حين يستخدم فيليب بارّينو مصابيح LED متحركة لخلق شعور بالغموض والتوتر، كأن الأضواء نفسها تحمل رسالة من عالم آخر. أما توني أورسل فيجسد شبحاً حياً رقمياً عبر صورة متحركة، ليبرز التداخل بين الواقع والخيال.
وتحضر في المعرض أشياء غريبة، مثل عدة صيد الأشباح التي كان يملكها المحقق الإنكليزي في الظواهر الخارقة إريك دينغوول (ومزودة بدبابيس مضيئة تُستخدم للإمساك بالغنيمة). وهناك أيضاً سكين مطبخ كان يملكه الطبيب النفسي السويسري كارل يونغ، يُقال إنه تحطم إلى قطع بسبب "بولترغايست" (من الألمانية: روح شريرة مزعجة، وهو اسم فيلم من إنتاج 1982).
من جهة أخرى، يقدم المعرض اقتباسات فكرية تعكس الرؤية الروحية للفن، أو كما تقول منسقة المعرض إن "الأشباح كيانات وسيطة بين العوالم، بين فوق وتحت، بين الحياة والموت، بين الرعب والفكاهة، بين المرئي واللامرئي". وتوضح قائلة: "هناك تقاليد شبحية كثيرة ومتنوعة حول العالم، وقد اخترنا التركيز على النصف الغربي من الكرة الأرضية خلال الـ250 عاماً الماضية. يمكنك إقامة معارض عن الأشباح في أجزاء أخرى من العالم وستحصل على أشباح مختلفة تماماً تجوب القاعات".
هذه الكلمات تضع الأشباح في موقع الوسيط الذي يجمع بين الصراع النفسي والوجودي، ويجعلها أكثر من مجرد رموز للرعب أو الخيال، لتصبح أدوات تفكير وتعبير عما لا يمكن قوله مباشرة.
لا تكتفي التظاهرة بالعرض البصري، بل تقدم برامج تفاعلية، مثل سلسلة ورش عمل مخصصة لمن هم فوق 14 عاماً، وتشمل تجارب فنية وسردية حول الأشباح. كما يتضمن المعرض يوماً خاصاً في ديسمبر/ كانون الأول الحالي، يشمل قراءة ومناقشة، وتصميم تعويذات، و"مسيرة شبحية" داخل أروقة المتحف، ما يعمّق تجربة الزائر ويجعلها عملية ومشاركة وليست مشاهدة فقط.
يعيد هذا المعرض تسليط الضوء على الأشباح باعتبارها رموزاً للتاريخ الشخصي والجماعي، وللحدود التي يصعب على العلم وحده تفسيرها. من خلال هذه الرحلة، يطرح المعرض أيضاً سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الأشباح في ثقافتنا، وهل هي مجرد بقايا للماضي، أم انعكاسات لصراعاتنا الداخلية، أم أدوات فنية للتفكير في ما يتجاوز قدرتنا على الإدراك المباشر؟