معرض "فن للسلام" في الدوحة... حلم بصري بالقيمة المهدّدة

19 يناير 2026   |  آخر تحديث: 18:09 (توقيت القدس)
جانب من معرض "فن للسلام" في الدوحة، 19 يناير 2026 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- اختتم معرض "فن للسلام" في غاليري الحوش بالدوحة، مقدماً تجربة بصرية تتحدى الطمأنينة وتستفز التساؤلات حول مفهوم السلام كقيمة وجودية مهددة، من خلال تنوع فني يشمل التشكيل، التصوير الفوتوغرافي، المنحوتات، والرسم الرقمي.

- تميز المعرض بأعمال فنية متنوعة، منها لوحات تعكس حالات نفسية معقدة ومعاناة الطفولة في ظل الحروب، واستخدام الكولاج والوسائط المتعددة، مما يبرز السلام كفجوة بين الذاكرة الفردية والجمعية.

- في التصوير الفوتوغرافي، التقطت صور لحظات الحياة وسط الدمار، بينما قدمت الأعمال الرقمية تفكيكاً لصورة الصحافي، واختتم المعرض بمنحوتة تجسد السلام كحالة غير مستقرة.

لا يدخل السلام إلى معرض بصري فكرةً مكتملةً أو نتيجةً يمكن الركون إليها. هو أقرب إلى اختبار مستمر، إذ يتخذ شكل سؤال معلق، أكثر ممّا يتخذ هيئة جواب، لا بل إن السؤال في غالبه استنكاري لا يريد سوى إدانة الحرب والدفاع عن أسماء الضحايا. منذ اللحظة الأولى، يضعنا معرض "فن للسلام" الذي اختتم اليوم الثلاثاء في غاليري الحوش في الدوحة أمام هشاشة هذا المفهوم، ليس باعتباره قيمة أخلاقية فقط، إنما قيمة وجودية مهددة، قابلة للفقد، وفي الأقل قابلة للحياة المهانة.

نظّم مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان المعرض لثلاثة أيام بدءاً من الأحد للمساهمة بصرياً في عرض موقف من هذا الزمن العالمي المثقل بالعنف والصور السريعة والتفسيرات الجاهزة. ضمن هذا السياق، يبدو الفن مساحة اشتباك هادئ مع فكرة السلام نفسها. الأعمال التي نعاينها لا تطلب التعاطف، والإجماع، إنما تضع المشاهد أمام تجارب بصرية تزعزع الطمأنينة، والمؤكد.

من حيث البنية، يتوزع المعرض على مسارات متعددة، تشمل التشكيل، والتصوير الفوتوغرافي، والمنحوتة، والرسم الرقمي، إلى جانب الموسيقى الحية. هذا التعدد ليس تنويعاً شكلياً، إنّما محاولة لتفكيك مفهوم السلام عبر حواس مختلفة. فالرؤية وحدها لا تكفي، والإصغاء لا يكتمل من دون صمت، والمعنى لا يتكون من وسيط واحد، والحشد الذي ملأ القاعة تحوّل إلى شريك في مسرح تفاعلي.

ما هي إلا دقائق بعد إلقاء الكلمات التعريفية حتّى قدم العازف الإيطالي أليسيو ماسترودوناتو على البيانو مقطوعتين متجاورتين زمنياً ودلالياً: الأولى "أغنية صيف منسي"، وهي من تأليفه، و"السونيتة 104 لبترارك" للمؤلف الهنغاري فرانز ليست (1811-1886) من مجموعة سنوات الترحال– إيطاليا. الصيف المنسي والسونيتة الرومانسية لا تحضران هنا خلفية موسيقية، إنما للقول الموسيقي المقولة العالية دائماً عن السلام، بوصفه زمناً لم يعد ممكناً استعادته إلّا عبر الذاكرة الموسيقية.

أعمال متنوعة

في الأعمال الأكبر مساحة للفنانة ريم طراف نعاين الصمت الكثيف على السطوح الرمادية المشغولة بعناية، التي تحتضن أثراً ذهبياً وألواناً من الأخضر والأحمر والأسود تكافح لتكون موجودة وغامضة وأقرب إلى وعد على الطريق لا يقترح نهاية، بل يترك المشاهد في غمرة انتظار ثقيل وخفيف وماكث في الأرض.

أعمال الفنانة ريم طراف في معرض فن للسلام في الدوحة، 19 يناير 2026 (العربي الجديد)
أعمال الفنانة ريم طراف (العربي الجديد)

 في لوحة سعيدة البدر، يتحول السطح إلى مجال انهمار داخلي. ثمّة خطوط داكنة كلّها منحدرة، وطبقات متراكمة، تخلق إحساساً بالاختناق والضغط. تقول الفنانة لـ"العربي الجديد" إن اللوحة لا تحيل إلى حدث بعينه، ليس لأنها تجريدية فقط، إنما لأنها تشتغل على حالة نفسية عامة، تقلبت بين الحروب البشرية وحروب الفيروسات في جائحة كورونا.

الفنانة سعيدة البدر مع لوحاتها في معرض فن للسلام في الدوحة، 19 يناير 2026 (العربي الجديد)
​الفنانة سعيدة البدر مع لوحاتها (العربي الجديد)

العديد من الأعمال تقدم ذاتها عبر سرد مباشر، ومنها لوحة روان الهمص لطفلة تجرّ عربة ماء في فضاء مشبع بالتعب اليومي، ورقصة النار التي اشتهرت في بداية حرب الإبادة على غزة.

الفنانة الفلسطينية روان الهمص في معرض فن للسلام في الدوحة، 19 يناير 2026 (العربي الجديد)
الفنانة روان الهمص مع أعمالها (العربي الجديد)

هنا لا يُقدَم المشهد بطولة صامتة، ليس لأنّه يخلو من العاطفة، إنّما لأنه يرفض تحويل المعاناة إلى صورة جذابة. السلام هنا ليس غائباً فقط، بل مؤجل، محمول على جسد صغير يبحث عن الماء مواصلاً السير بأمل شحيح.

في أعمال ليوبوف جالاديان ونسيم إلياس، تتداخل الذاكرة الشخصية مع الأثر الجمعي. استخدام الكولاج والوسائط المتعددة والصحف المحلية يحول اللوحة إلى أرشيف مفتوح. ليست هذه الأعمال شهادات مكتملة، إنما خرائط متشظية، إذ يظهر السلام كفجوة بين ما يُحفظ وما يُفقد.

تصوير فوتوغرافي

يأخذ التصوير الفوتوغرافي حصته في ثلاث مشاركات: في صور بلال الهمص القادمة من غزة، لا تعمل الكاميرا أداة صدمة، ليس لأنها تُخفف من قسوة الواقع، إنما لأنها تلتقط لحظات الحياة وسط الدمار. طفل يبتسم داخل سيارة محترقة، وآخر يراقب ملعباً عبر فجوة في جدار. السلام هنا ليس صورة غائبة تماماً، بل احتمال ضيق، محاصر داخل تفاصيل يومية صغيرة.

أعمال للمصور الفلسطيني بلال الهمص في معرض فن للسلام في الدوحة، 19 يناير 2026 (العربي الجديد)
أعمال المصوّر بلال الهمص (العربي الجديد)

في أعمال الزميل حسين بيضون من لبنان مسار زمني ممتد من 2014 حتى 2023، يختار فيه تاريخاً من هنا وهناك، غير أن هذا التاريخ كيفما قلّبته، يظلّ محافظاً على احتراقه ونزفه، كأن الفعل الذي كان مضارع مستمر.

نرى صورة الحمامة التي تعبر الأفق لحظة قصف الضاحية الجنوبية في بيروت، إبان العدوان الإسرائيلي في 2024، لا تُقرأ رمزاً مباشراً، ليس لأنها استعارة جاهزة، إنما لأنها لحظة تداخل بين العادي والكارثي. طار سرب الحمام، كما يقول بيضون ويبدو أن طيراً إما ضل السبيل، أو نسي أهله، أو نسوه، كان في عين الكاميرا حين كانت الطيور المعدنية الوحشية تضرب الضاحية.

المصور حسين بيضون في معرض فن للسلام في الدوحة، 19 يناير 2026 (العربي الجديد)
المصور حسين بيضون مع أعماله (العربي الجديد)

ثمّة صورة لشقة مقصوفة، حيث يظهر إطار زفاف وسط الركام، يتحول الأثاث إلى شاهد صامت على ما كان. أما صورة الفيترينة المخترقة برصاصة، والمانيكان الذي يقف خلف الزجاج المكسور، فتقترح قراءة عن الجسد الهدف القادم سواء أكان يعرف العدو أم يجهله.

ما يربط كاميرتي الهمص وبيضون ليس الجغرافيا فقط، إنّما طريقة التقاط السلام في لحظة تعليقه. في غزة ولبنان، لا تسجل الكاميرا غياب السلام، بل تمسك بالفاصل الزمني الذي يسبق انهياره الكامل، أو يلي محاولة استعادته الفاشلة.

فيما تذهب أعمال ميار سلامة الرقمية إلى تفكيك صورة الصحافي والجسد المحجوب. أمامنا الطبقات الشفافة، واستدعاء صورة المعتقل، ما يجعل السلام مسألة حرية تعبير قبل أن يكون اتفاقاً سياسياً.

من هذا التعدد، يجيء عمل ميشا ميلوفانوفيتش النحتي المختلف في مادته وإيقاعه، من دون أن ينفصل عن سؤال السلام، بوصفه حالة غير مستقرة.

تتشكّل المنحوتة البيضاء، المصنوعة من الراتنج، عبر انحناءات متداخلة وأفضية مفتوحة، كأنها جسد في طور التحوّل، أو بنية تبحث عن توازنها الداخلي حيث الفراغ جزء من المعنى، وليس نقصاً فيه.

المشاركون الـ24 في المعرض جاؤوا من مختلف دول العالم، وعليه عملت الفعالية البصرية على إعادة توزيع الحساسية، ومساءلة فكرة السلام حين تُفصل عن العدالة، وحين تتحوّل إلى خطاب فارغ، وجدها الناس فجأة أنّها حساسية كالموسيقى لغة العالم.

الكل يفهم الألم والأمل. وهنا، لا يُحتفى بالأمل، ولا يُستثمر الألم، إنّما يحاول الكلّ فتح مساحة للتفكير في سلام صعب لا يُنال إلى "جسر من التعب".

المساهمون