مهرجان برلين للموسيقى... من أجل هيلموت لاخنمان
استمع إلى الملخص
- يركز المهرجان على تمثيل المؤلفات الإناث ودعم أوكرانيا، ويقدم أعمالاً كلاسيكية لأعلام الموسيقى الأوروبية مثل بيتهوفن وبرامز، بالإضافة إلى مؤلفين عالميين مثل تشايكوفسكي وسترافنسكي.
- يبرز الابتكار الموسيقي من خلال الاحتفاء برواد ما بعد الحداثة وتسليط الضوء على المؤلفين المعاصرين، مع تقديم أعمال تتقاطع فيها الموسيقى مع الوسائط البصرية والمسرحية.
على عاتق المدير الفني لمهرجان برلين للموسيقى (Berlin Musikfest)، ڤينريخ هوپ، تقع مسؤوليّة الاحتفاء بالموسيقى الكلاسيكية الغربية من خلال ثلاثة توصيفات، تبدو متناقضة فيما بينها. أولاً: بوصفها موروثاً سماعيّاً يمثّل الهوية الثقافية التاريخية للقارة الأوروبية، وثانياً: بوصفها إرثاً عالمياً يهمّ الإنسانية جمعاء، وثالثاً: بوصفها فناً حياً وسيرورة خلق وابتكار، لا تتوقف عند ذائقة جيل تقدّم به السن، ولا تتحول إلى أرشيف صوتي يُعاد استحضاره بعزف حي، كما لو أودعت متحفاً بهيئة القاعة الفيلهارمونية وسط العاصمة الألمانية.
حلّ ما بدا تناقضاً بين تلك الأوصاف الثلاثة يصبّ أيضاً في الدور ثلاثيّ الجوانب الذي سعت برلين إلى لعبه منذ توحيدها سنة 1989. فمن جانب، أريد لها أن تظلّ مركزاً ثقافياً أوروبياً، وعليه ينبغي أن تحتضن الموروث الأوروبي بشكله السماعي الأكثر أصالةً ومحافظةً، والمتمثّل بالموسيقى الكلاسيكية الغربية.
ومن جانب ثانٍ، عُلّق عليها الأمل بأن تصبح حاضرةً للعولمة مطلع الألفية الثالثة، التي استفادت ألمانيا منها اقتصادياً وتجارياً، قبل أن تلعب فيها دوراً سياسياً وثقافياً، فتُصبِح أشبه بقوة صناعية، تستظلّ بالناتو فيما تتكئ قوّتها شبه الناعمة.
ومن جانب ثالث، أن تبقى حاضنةً لنمط العيش العصريّ الأكثر تقدميّةً، جاذبةً إليها الشبيبة الليبرالية من أوروبا والعالم على حدّ سواء، حينئذ كانت تكاليف الحياة فيها أقل من سائر جاراتها من المدن الكبرى.
بناءً على ما تقدّم، يمكن استقراء الرؤية التنظيمية لمهرجان برلين للموسيقى، الخاص بالموسيقى الكلاسيكية الغربية، والأوّل موسميّاً من بين مهرجانات ثلاثة، تنظمها سنويّاً هيئة مهرجانات برلين (Berliner Festspiele)، إذ يختصّ ثانيها بموسيقى الجاز (Jazzfest)، وثالثها بالموسيقى التجريبية الأكوستية والإلكترونية (Merzmusik).
وهي رؤية لم تتغيّر كثيراً على مرّ العقود الماضية، إلا بالحرص على كوتا للمؤلفات الإناث، توزّعت على حفلات المهرجان، كما أن تكون أوكرانيا حاضرةً باستمرار، ممثَّلةً بفرقها الموسيقية ذات المستوى الرفيع والإرث العريق، وذلك لتوجيه رسالة دعم وتضامن مع شعبٍ تعتبره أوروبا جزءاً منها، شنّت روسيا عليه حرباً شاملة منذ 2022.
لذا، تبقى أعلام حقبتي التنوير والرومانسية ماثلةً في هذه الدورة كما في كلّ دورة، تبثّ في أماسيها روح الهويّة الأوروبية الغربية للموسيقى الكلاسيكية، مثل بيتهوفن الذي قُدِّمت سمفونيته الثالثة المسماة "بطولة"، وكونشرتو الكمان من أداء العازفة الألمانية إيزابيل فاوست، والمؤلف الألماني يوهانز برامز، إذ أدّت السمفونية الأولى فرقة برلين الفيلهارمونية، والفنلندي يان سيبيليوس ممثَّلاً بسمفونيته الخامسة، بقيادة مواطنه المؤلف وقائد الأوركسترا إيزا-پيكا سالونِن (Esa-Pekka Salonen).
وعُرضِت أعمال المؤلف النمساوي غوستاف ماهلر خلال أكثر من أمسية. غنّت كلٌّ من أوكا داميراو (Okka von der Damerau) وديفيد بتّ فيليب (David Butt Philip) أغانيه المسمّاة بـDas Lied von der Erde (أغنية الأرض) كذلك عُزفت الحركة البطيئة (Adagio) من سمفونيّته العاشرة، التي لم تظهر بكاملها إلى النور إلا في ستينيات القرن الماضي. كذلك، وبالعودة قرنين إلى الوراء، استُعيدت حقبة الباروك الأوروبي المبكّرة من خلال حفلٍ كُرِّس خصيصاً لها، تصدّره المؤلفون الإيطاليون، على رأسهم باليسترينا (Palestrina) وكارلو غزوالدو (Carlo Gesualdo).
ثم تمثّلت أيضاً الأسماء التي جعلت من الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية مضماراً عالميّاً تجاوز النطاق الغربي. فإضافة إلى المؤلفين الروس، الرومانسي بيتر أيليتش تشايكوفسكي، والنيو-كلاسيكي إيغور سترافنسكي والحداثي - السوفييتي ديميتري شوستاكوفيتش، عُزِف عملٌ للمؤلّف الياباني المعاصر توشيو هوسوكاوا (Toshio Hosokawa) بعنوان "أزهار" (Blossoming) ودُعي عازف التشيلو الإيراني كايان سلطاني.
أمّا التشديد على كونها سيرورةَ خلقٍ وابتكار، فتمّ عبر الاحتفاء بروّاد ما بعد الحداثة، تلك الطليعة التي عبرت بالموسيقى الكلاسيكية منعطف منتصف القرن العشرين، ولا سيما الحربين العالميتين، الأولى والثانية، وما أعقبهما من ردّ فعلٍ فلسفيٍّ وفنيٍّ، سعى لنبذ جماليّات التنوير وقيمه السامية، لتهافتها أمام مشاهد الفناء والدمار. وكان أبرز الحاضرين الفرنسي بيير بوليه (1925 - 2016)، والإيطالي لوتشيانو بيريو، إذ يصادف الرابع والعشرون من أكتوبر/تشرين الأول القادم الذكرى المئوية لولادته.
ومن الطليعة الأحياء، سُلِّط الضوء المكثّف على المؤلّف الألماني وعازف البيانو المعاصر هيلموت لاخنمان (Helmut Lachenmann)، الذي سيبلغ من العمر تسعين عاماً بحلول شهر نوفمبر/تشرين الثاني القادم، إذ كرّمه المهرجان من خلال تقديم عدّة أعمال من تأليفه، خلال أكثر من عرض. من بينها Concertini (كونشرتيني) الذي يعود إلى عام 2005، وقد أدّته فرقة Ensemble Modern الألمانية بقيادة سيلفيان كامبرلينغ (Sylvain Cambreling).
في اللغة الإيطالية، كونشرتيني صيغة الجمع لكونشرتينو. أمّا كونشرتينو، فهو صيغة تصغير لـ"كونشرتو"، وهو اسم قالب موسيقيٍّ تقليدي شائع في الموسيقى الآلية.
مفاهيمياً، يقوم العمل على نسقين: أحدهما بصري، والآخر سمعي، يتقاطعان عند إحداثيّتَي المشهدية المسرحية والتجربة الموسيقية. وهذا النهج العابر بالموسيقى إلى الوسائط البصرية التشكيلية والمسرحية من سمات المؤلّفات الطليعية (Avantgarde) منذ ستينيات القرن الماضي.
القصد الفنّي، كما يبدو، هو جسر الهوّة المعرفية والخبرويّة بين الواحد والكثير؛ فبينما يترقّب المستمع أن يشمل العرضُ الموسيقي الواحدُ ـ كالمعتاد ـ عملاً موسيقياً واحداً (كونشرتو مثلاً)، يُفاجئ لاخنمان جمهوره بعدّة أعمال لتشكيلات آلية صغيرة (كونشرتيني) تُقدَّم تزامناً بعضها مع بعض؛ إذ يُوزَّع العازفون على خشبة المسرح في شكل فرق مستقلّة متباعدة، تؤدّي كلٌّ منها مقطوعةً تتداخل مع المقطوعات الأخرى، لتكوّن معاً العمل ككلّ.
شكلياً، ترتكز الموسيقى على أصوات ممتدّة متّصلة، تُسمع نفيراً غالباً ما يصدر عن الآلات النفخية، يُجري مسحاً صوتياً يحدّد أبعاد الفضاء الذي توزّعت ضمنه مجموعات المؤدّين. وتستجيب باقي الآلات بموتيفات قصيرة مقتضبة، تُسمع قرقعةً أو ضجيجاً متقطّعاً متفرّقاً.
وعلى الرغم من الطابع الضوضائي العام، ثمة في الخفاء بُنى أوركسترالية متجانسة، سواء من جهة الإيقاع أو من حيث التراكيب النغمية، صُمّمت لتتجاوز الضجيج المحض المميّز لتيار الموسيقى الخرسانية (Musique Concrète) الذي انتمى إليه المؤلِّف في شبابه، وإن بصورته الآلية، أي الأكوستية، لا الميكانيكية أو الإلكترونية. وبذلك، تُذكّر المقطوعة بالأصول الكلاسيكية لقالب الكونشرتو، فتمدّ جسوراً مع الإرث التاريخي للموسيقى الكلاسيكية الغربية، بدلاً من إحداث قطيعة معه.