مهرجان جاز برلين ضيفاً على الحيّ والمدرسة

09 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:15 (توقيت القدس)
تعود علاقةُ الجازِ بالجماعةِ الأهليّةِ إلى نشأتِه وسيطَ تعبيرٍ أصيلاً (أميلي زومر)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- اختتم مهرجان جاز برلين دورته الثانية والستين بعروض موسيقية عالمية ومحلية، مع "أسبوع المجتمع" الذي يهدف لتعزيز التفاعل بين الفنانين والمجتمع عبر عروض وورش مجانية.
- شمل "أسبوع المجتمع" شراكات بين فنانين ومنظمات مدنية، مثل "موابيت إيماجِناريوم"، وهو مشروع موسيقي عابر للثقافات، بدعم من الهيئة الاتحادية للتثقيف السياسي.
- تاريخيًا، ارتبط الجاز بالتعددية الثقافية، ويجسد مهرجان جاز برلين روح الجاز في احتضانه للاختلافات الثقافية والإثنية، مع التركيز على الحوار الموسيقي والارتجال.

اختتمت أخيراً في العاصمة الألمانية الدورة الثانية والستون من مهرجان جاز برلين (Jazzfest Berlin)، وهو إحدى التظاهرات الفنية الرئيسية الثلاث التي تشرف عليها هيئة المدينة للمهرجانات الفنية (Berliner Festspiele). وقد استمر المهرجان أربعة أيام، قُدّمت خلالها عروض موسيقية أحياها نجوم عالميون ومحليون، أوروبيون وألمان.

إلا أن ما يميز "جاز فِست" من غيره هو مسارٌ موازٍ ومتقاطع في الوقت نفسه، تنظمه مديرة المهرجان نادين ديڤنتر (Nadine Deventer)، ينخرط في المجتمع، خصوصاً مع الجماعات الأهلية (Community)، من خلال سلسلة من العروض الموسيقية والورش الفنية والتربوية المجانية، التي لطالما اتخذت من بلدية موابيت (Moabit) شمال شرق المدينة مجالاً حيوياً لها، تحت عنوان "أسبوع المجتمع" (Jazzfest Community Week).

تأتي جميع أحداث "أسبوع المجتمع" في إطار شراكاتٍ بين فنانين ومنظمات عملٍ مدنيٍّ ومجتمعيّ، تُعقد تحت إشراف وتنسيق إدارة المهرجان. بعضها يعود إلى العام الماضي منذ إطلاق مبادرة "مخبر موابيت" (Moabit Lab) بالتعاون مع معهد موابيت العالي للجاز، إذ قدّم عشرون من طلبته عشر حفلات في أحياء المنطقة. وأُقيمت ورش في عددٍ من مدارس الحي، إضافةً إلى مركز SOS لرعاية الأيتام، بهدف تدريب الأطفال على مهارات الارتجال، التي تُعد السمة الإبداعية الأهم في موسيقى الجاز.

ومن "مخبر" هذا العام أُعلِنَ تشكيل التجمّع الموسيقي "موابيت إيماجِناريوم" (Moabit Imaginarium)، وهو مشروعٌ أدائيٌّ عابرٌ للثقافات، مضماره التعبيري هو الجاز الحر والارتجالي. يضمّ موسيقيين من خلفيّاتٍ ومناهجَ عدّة، يجمعهم كونُهم جيراناً يقطنون في الحيّ نفسه الذي تبلغ مساحته قرابةَ سبعةِ كيلومترات. بعد أسبوعٍ من التدريبات، قدّم التجمّع حفلين: أوّلهما في الحيّ، وثانيهما على مسرح برلين للمهرجانات، وقد ضمّ في تشكيلته الموسّعة، إلى جانب موسيقيين من السويد وألمانيا وكوريا والسنغال، عازفَ الإيقاع السوريّ حَكَم وَهبي.

تُعد الهيئة الاتحادية للتثقيف السياسي في ألمانيا (bpb) أبرزَ داعمٍ ومموِّلٍ للمسار الأهليّ لمهرجان جاز برلين في حيّ موابيت، ما يدلّ على الأولويّة التي توليها مؤسّسات الدولة لاشتباك الفنون، ومنها الموسيقى في هذا السياق، بالمجتمع. وذلك في بلدٍ ما زال يخضع لما يشبه اختبار الجهد (Stress Test) لمدى نجاح نموذجه في التعدديّة الثقافيّة، إثر استيعابه موجاتٍ متعاقبة من الهجرة والعمالة عبر تاريخه الحديث، منذ الحرب العالمية الثانية، من تركيا وفيتنام ويوغوسلافيا السابقة، وصولاً إلى موجة اللاجئين السوريين والأفغان منذ عام 2013.

لطالما ارتبط الجاز تكوينيّاً، بصفته مجالَ تعبيرٍ صوتيٍّ وفضاءَ أداءٍ ارتجاليٍّ، بكلٍّ من الجماعة الأهلية وعقيدة التعددية الثقافية (Multiculturalism). لذلك، غالباً ما يُستدعى في أي مشروعٍ ثقافيٍّ أو سياسيٍّ يتناول مفاهيم التنوع والاندماج، ويستهدف الفضاءات الإجتماعية لتجسيدها.

تعود علاقةُ الجازِ بالجماعةِ الأهليّةِ إلى نشأتِه وسيطَ تعبيرٍ أصيلاً لإحدى تلك الجماعات، هي جماعةُ الأفارقةِ السودِ ضمنَ المجتمعِ الأميركيّ متعدّدِ الإثنيّات. وقد سكنت تلك الجماعة أحياء معزولةً بحكمِ سياساتِ الفصلِ العنصريّ المعمولِ بها في الماضي، ثمّ استمرّت بفعلِ آليّاتِ فصلِ الأمرِ الواقع التي أرستها الخريطةُ الطبقيّةُ والعرقيّةُ في الولاياتِ المتحدة.

لا يزال الأميركيّون السود، منذ نجاحِ حركةِ الحقوقِ المدنيّةِ في ستينيّاتِ القرنِ الماضي وإلى اليوم، يتركّزون في ضواحٍ طرفيّةٍ أو داخليّة، مفصولةٍ ومهمّشةٍ في معظم الحالات، وهو ما اصطلحَ عليه عالِما الاجتماع دوغلاس ماسّي ونانسي دينتون سنةَ 1993 بـ"الفصلِ الفائق" (Hyper-segregation).

ومن بين تلك الأحياء في المدنِ الصناعيّةِ والتجاريّةِ الكبرى ما اقترنَ بولادةِ الجاز وازدهارِه، ليغدو من بعدها الفنَّ الأميركيَّ الخالصَ بامتياز، وعلى رأسِها شيكاغو ونيويورك. ففي الأولى، اشتهر حيّ الجانبِ الجنوبيّ (South Side) بمرافقِه الترفيهيّة مثل ساذرلاند (Sutherland Lounge) وفندقِ برشينغ (Pershing)، إذ كان معقلاً لموسيقى الجاز، ومنه برز كبارُ نجومِ المدينة، مثل رامزي لويس (Ramsey Lewis) وهربي هنكوك (Herbie Hancock). أمّا نيويورك، فعلى ساحلها الشرقيّ وفي أحيائها السوداء، مثل هارلم وقريةِ غرينيتش (Greenwich Village)، تبلورت حركةُ البيبوب (Bebop)، التي تُعتَبر أشدَّ حقباتِ الجازِ إبداعاً وإثارةً، ومن روّادِها الكبارِ عازفُ الترومبيت مايلز ديفيس (Miles Davis) وعازفُ الساكسفون تشارلي باركر (Charlie Parker).

موسيقى
التحديثات الحية

وأمّا عن صلةِ موسيقى الجازِ بالتعدديّةِ الثقافيّة، فقد ازدادت وثاقةً في منتصفِ السبعينيّات مع ظهورِ ما يُعرَفُ بـ"مزيج" (Fusion)، حين جرى الانفتاحُ على ثقافاتٍ موسيقيّةٍ متنوّعة، سواء للجماعاتِ المحليّةِ الأخرى المكوِّنةِ للتركيبةِ الإثنيّةِ للمجتمعِ الأميركيّ، كالبيضِ من أصولٍ أوروبيّة، أو الملوّنين من أصلٍ لاتينيّ. هكذا، انتقلت الموسيقى من كونِها هُويّةً صوتيّةً خاصّةً بجماعةٍ بعينِها، لتُصبحَ شخصيّة المجتمعِ بوجهها المتعدّد، من دون أن تتخلّى عن هويّتها الأفروأميركيّة.

ترافَقَ هذا التحوّلُ مع شيوعِ توصيفِ البوتقة (Melting Pot)، الذي أصبح مقترناً بالجاز بوصفِه تعبيراً موسيقيّاً عن عصرِ العولمة. ومنه انبثق أيضاً مفهومُ العبور (Crossover)، إذ لم يَعُد الفيوجن مجرّدَ مزيجٍ من أعراقٍ وإثنيّاتٍ فحسب، بل أصبح ملتقى ثقافاتٍ وأساليبَ وتيّاراتٍ موسيقيّةٍ عابرةٍ للحدود الجغرافية والحقب التاريخية، من فلامنكو إسبانيّ، وكلاسيك وباروك وتكنو غربيّ، وآفانغارد معاصر، إلى موسيقى شرقيّة، بعد أن انضمّ إلى الميدانِ عازفو السيتار الهنديّ، مثل رافي شانكار، والعودِ العربيّ مثل ظافر يوسف وربيع أبو خليل.

ومن وحي تلك الارتباطات التاريخية التي تجمع بين الجاز بوصفه جنساً موسيقيّاً وبين التشكيلات المجتمعية في المدن الكوزموبوليتية، بما تتّسم به من تنوّعٍ ثقافيٍّ وتعدّدٍ إثنيٍّ وتعقيدٍ في العلاقات بين سكّانها ومؤسّساتها الحكومية والخاصة، يأمل القيّمون على مهرجان جاز فست أن يترجموا روحَ الجاز، في احتضانه للاختلاف الإثني والطبقي والثقافي، وفي اعتماده على الحوار الموسيقي القائم على الحرية والارتجال ضمن إطارَي الانسجام والإيقاع، إلى واقعٍ حيٍّ داخل الحيّ والمدرسة في برلين 2025. أمّا العبرة فبالنتائج، وأمّا النتائج فتبقى رهن تقلبات الزمن والسياسة.

المساهمون